زعم القبورية - لتبرير إشراكهم بالله وعبادتهم لغير الله: أن المشركين السابقين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار * ويعتقدون فيها الربوبية ويعبدون الأوثان والأشجار * التي لا تضر ولا تنفع * ولا ترى ولا
[ ١ / ٤٩١ ]
تسمع * ولا مكانة لها عند الله ولا احترام لها عنده.
أما نحن فنستغيث بالأنبياء والمرسلين *
ونتوسل بالأولياء والصالحين إلى رب العالمين *
فهم أحياء يسمعون ويتصرفون ويعلمون *
ولهم مكانة عند الله تعالى، ويشفعون *
فجاء هؤلاء الوهابية الخوارج - فعمدوا إلى آيات نزلت في المشركين - فحرفوها وحملوها على المؤمنين الموحدين المتوسلين المستغيثين بالأنبياء والأولياء، كما أنهم حرفوا الآيات التي نزلت في الأصنام والأوثان والأحجار - فحملوها على الأنبياء والأولياء، فقاس هؤلاء الوهابية الخوارج - المؤمنين الموحدين الذين يستغيثون بالأنبياء والأولياء - على المشركين الذين كانوا يعبدون الأحجار والأصنام - في أن كلا منهم أهل الشرك.
وقاسوا الاستغاثة بالأنبياء والأولياء - على عبادة الأصنام، والأوثان - في أن كلا منها شرك.
كما قاسوا الأنبياء والأولياء - على الأصنام والأوثان -
[ ١ / ٤٩٢ ]
في عدم النفع والضر وعدم الشفاعة.
مع أن هذه الأقيسة فاسدة؛ إذ لا يصح قياس موحد مؤمن يستغيث بالأنبياء والأولياء - الذين لهم مكانة عند الله، وينذرون لهم وينادونهم - على مشرك يعبد الأحجار والأصنام والتماثيل التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعقل ولا تسمع.
كما لا يصح قياس الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ودعائهم والنذر لهم - على عبادة الأصنام والأحجار والأوثان - التي لا مكانة لها ولا احترام لها عند الله ولا تضر ولا تنفع؛ لأن المشركين كانوا يعبدونها على أساس أنها تستقل بالنفع والضر وأن لها تأثيرًا وشرفًا ذاتيا واختيارًا وتدبيرًا وأما نحن فنستغيث بالأنبياء والأولياء - الذين لهم مكانة عند الله تعالى، وهم أحياء يعلمون ويسمعون.
فأين هذا من ذاك؟!؟
الجواب:
أن هذه الشبهة تتضمن شبهات كثيرة:
منها: أن الاستغاثة بالأموات عند الكربات ليست من العبادة فليست
[ ١ / ٤٩٣ ]
من الشرك بالله تعالى.
وسيأتي الجواب عنها مفصلًا إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن الشرك لا يتحقق إلا باعتقاد الربوبية والخالقية والاستقلال بالنفع والضر في غير الله.
وقد سبق الجواب عنها بحمد الله وتوفيقه.
ومنها: أن المشركين السابقين كانوا يشركون آلهتهم بالله في الخالقية والرازقية والاستقلال بالنفع والضر.
وقد سبق الجواب عنها بما لا يزيد عليه.
ومنها: أن «الوهابية» (أهل التوحيد) خوارج يكفرون المؤمنين الموحدين وسيأتي الجواب عنها في إبطال شبهة التكفير.
بقيت شبهة: أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار * والأوثان والأشجار * التي لا تضر ولا تنفع * ولا ترى ولا تسمع * ولا مكانة لها عند الله ولا تشفع * وقد أجاب عنها علماء الحنفية بعدة أجوبة:
الجواب الأول: أن المشركين الأولين - لم يكونوا يعبدون الأحجار والأشجار لذاتها، وإنما كانوا يعبدون الصالحين * على أساس أنهم من عباد الله المقربين * عند رب العالمين * فيكونون لهم عنده من الشافعين * وقد سبق مفصلًا محققًا أن بداية إشراكهم ونشأة القبورية والوثنية -
[ ١ / ٤٩٤ ]
إنما كان على هذا الأساس * كل ذلك بحيل الشيطان الخناس *.
قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) محققًا أن إشراك المشركين قديمًا وحديثًا، إنما كان بعبادة الصالحين وجعلهم شفعاء عند الله:
(فإن الشرك بقبر الرجل المعروف بالصلاح أقرب إلى النفس من الشرك بالأحجار، لما للشيطان من وساوس يلقيها في قلوب بني آدم، وقد أدخلها في قوالب يريهم أنها بظواهرها شرعيات * وما هي إلا زخارف وتمويهات * ثم إذا ألفوها لم تكد أن تفارقها النفوس * ولو قطعت بالسيوف * فمما ألقاه إليهم بكيده:
أن قال: إن هؤلاء قوم صالحون * وعند الله مقربون *، ولهم عنده ما يشاءون * ولهم الجاه الأعلى * والمقام الرفيع الأسمى *
فمن قصدهم لا يخيب سعيه * ولا يطيش رأيه *، وأن ببركتهم تدفع البليات * وتقضى الحاجات *، وبشفاعتهم يتقرب زوارهم إلى الله الغفار * فتحط عنهم بشفاعتهم عند الله الأوزار * إلى غير ذلك من التمويهات التي يملأ بها قلوب أهل الأماني * بمثل هذه المعاني *؛ فيتلاعب بعقولهم السخيفة * وآرائهم الضعيفة * ويحسن لهم البدع والمنكرات * بما يلقيه إليهم من الحكايات والخرافات * ويحثهم على التقرب إلى أهل القبور * بما يقدرون عليه من النحر والنذور * والطواف وتزيينها بالزينة المحرمة من القصب والذهب وتعليق القناديل، وإيقاد شموع العسل وتصفيح الجدران *، والأعتاب، والسقوف، والأبواب بالفضة والذهب وغيرها مما يجاوز الحساب، ويفهمهم: أنهم في مثل ذلك أحسنوا كل الإحسان فدخلوا الجنان *.
[ ١ / ٤٩٥ ]
ثم ما كفاه ذلك حتى استخفهم، فدعاهم إلى أن يطلبوا منهم النصر على الأعداء * والشفاء من عضال الداء *
فأجابوه إلى ما دعاهم (إليه) مسرعين * وزادوا على ذلك بأن طلبوا منهم بقاء الحياة لأولادهم، فتراهم يقولون *:
قد علقنا أولادنا عليهم.
ومنهم من يطلب منهم النسل إذا كان عقيمًا * والشفاء إذا كان سقيمًا * وكثير منهم يطلب منصبًا فيه أخذ أموال العباد * والسعي في الأرض بكل فساد * فيجيء إليهم ويلازمهم معتقدًا: أن من لازمهم قضيت حاجته *، ونجحت سعايته * واقتربت سعادته *، وإذا فتحت بيوت قبورهم المذهبة * ورفعت ستور الأبواب المطلية المطرزة * وفاحت تلك الروائح المسكية من الجدران المخلقة * - وجد هذا الزائر في فؤاده من الخشية والرهب - ما لا يجد معشار جزء من عشرة بين يدي خالق السماوات والأرضين * وإله جميع العالمين *؛ فيدخل إلى القبر خاشعًا * ذليلًا متواضعًا * لا يخطر في قلبه مثقال ذرة من غير إجلاله * منتظرًا فيض كرمه ونواله *.
فأقسم بالله! أنه لم يتصوره بشرًا قد وضع بأكفانه في لحده، ولو سلمنا: أنه خطرت له - وهو عنده - تلك الخطرة - لتعوذ بالله منها، ووقف عند حده.
ويا مصيبة من أنكر عليهم حالهم * ويا شناعة من رد عليهم أمرهم * ويا خسارة من علمهم وأرشدهم * فإن ذلك عندهم قد تنقص حق الأولياء * وهضمهم مرتبتهم من السمو والارتقاء *.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فبالله عليك أيها الناظر! إلا ما قابلت هذه مع ما ورد عن سيد الأنام ﷺ، متأملًا كيفية إذنه بعد المنع.
وانظر إلى سبب المنع والإذن، وما علل النبي ﷺ به الإذن وجعله في حكم الغاية والشرط ) .
قلت: هذا النص يدل على أمور:
الأول: أن القبورية فرقة مشركة عباد القبور والأوثان.
الثاني: أن أصل شرك الوثنية الأولى والحديثة - هو عبادة الصالحين للتقرب بهم إلى الله تعالى وقضاء الحاجات.
الثالث: أن أهل الشرك قديمًا وحديثًا قصدهم عبادة الصالحين المقربين عند الله تعالى للشفاعة بهم عنده.
الرابع: أن أهل الشرك قديمًا وحديثًا لم يقصدوا عبادة الأوثان والأحجار * والأصنام والتماثيل والأشجار *
وإنما كان قصدهم عبادة الصالحين ليشفعوا لهم عند رب العالمين.
الخامس: أن أهل الشرك - لم يعتقدوا في آلهتهم أنهم شركاء في الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية، والاستقلال بالنفع والضر.
السادس: أن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات * والنذر والذبح لهم عند الكربات * من أعظم أنواع العبادات * ومن أكبر الأمور الشركيات *.
السابع: أن الحكم على هؤلاء القبورية بالشرك - ليس من باب رمي الخوارج المسلمين بالكفر.
وإنما هو من باب الحقيقة وبيان الحق وحماية التوحيد.
[ ١ / ٤٩٧ ]
وبذلك راحت شبهة القبورية هذه ومعها أمثالها أدراج الرياح.
الجواب الثاني:
أن علماء الحنفية قد حققوا: أن القبورية هم عبدة القبور، وعباد الأوثان والأنصاب والأشجار والأحجار.
فالقبورية كما أنهم وثنية أقحاح كذلك هم نصبية أجلاد حجرية أصلاب.
فلا فرق بينهم وبين المشركين السابقين إلا أن الأولين كانوا عبدة الأصنام أيضًا، وأما قبورية هذه الأمة - فليسوا عباد الأصنام؛ لأنهم لم ينقشوا ولم ينحتوا للأولياء الصور من الحجر، أو الخشب أو الحديد أو الصفر ونحو ذلك.
ولكن القبورية شاركوا المشركين الأولين في كونهم جميعًا عباد القبور وأهلها وعبدة الأوثان والأنصاب والأحجار والأشجار.
وامتازت قبورية هذه الأمة بأن شركهم أشد من شرك الأولين وأنهم أعظم عبادة وخوفًا ورجاء من الأموات منهم لخالق البريات.
وبذلك قد اجتثت شبهة القبورية:
من أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار.
أما نحن فنستغيث بالأولياء المقربين عند الله!
فالقبورية كذبهم علماء الحنفية، كما كذبتهم أفعالهم.
[ ١ / ٤٩٨ ]
وتحقق أن القبورية قديمًا وحديثًا - عباد الأحجار والأشجار وعبدة الأنصاب والأوثان، يعبدون القبور وأهلها.
الجواب الثالث:
أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن جل شرك المشركين إنما كان بإشراكهم الصالحين بالله تعالى ولذلك نرى أن أكثر آلهتهم إنما كانت من عباد الله الصالحين من الأنبياء والأولياء.
أمثال إبراهيم، وإسماعيل، والمسيح، وعزير ﵈، ومريم، وود، وسواع، ويغوث، ويعوق، واللات، ومناة، وهبل وغيرهم.
فإذا كان الأمر كذلك - فلا يصح للقبورية أن يقولوا:
إن المشركين الأولين كانوا يعبدون الأحجار التي لا كرامة لها، ونحن نستغيث بالأنبياء والأولياء الذين لهم كرامة عند الله!
فزالت شبهة من أصلها.
الجواب الرابع:
أن علماء الحنفية قد حققوا:
أن الله ﷿ قد ذكر أوصاف العقلاء لآلهة المشركين في صدد الرد عليهم وعبر عن آلهتهم بصيغ العقلاء؛ فدل ذلك على أنهم إنما كانوا يعبدون الصالحين، ولم يكونوا
[ ١ / ٤٩٩ ]
يقصدون الأحجار والأصنام بالعبادة لذاتها.
وتفصيل ذلك على ما ذكره كثير من علماء الحنفية:
أن الله تعالى قال في صدد الرد على المشركين مبينًا عجز آلهتهم:
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، وقال جل وعلا:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ [يونس: ٢٨-٢٩] . وقال ﷾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]، وقال ﷿:
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ١٠٢]، وقوله ﵎:
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٣-١٤]، وقال جل شأنه:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦]، وقال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] .
[ ١ / ٥٠٠ ]
إلى غيرها من الآيات التي فيها ذكر آلهة المشركين بصيغ العقلاء وصفات ذوي العقول؛ فأنت ترى: أن هذه الآيات الكريمات مشتملة على صفات العقلاء؛ لآلهة المشركين والتعبير عنهم بصيغ العقلاء:
نحو: الذين، يخلقون، وأموات، وما يشعرون، ويبعثون، ونحشرهم، وقال شركاؤهم، ولغافلين، وعباد أمثالكم وفليستجيبوا، وعبادي، وما يملكون، ولا يسمعوا، و(لو سمعوا)، وما استجابوا، و(يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)، و(هم)، وغافلون، و(إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء)، و(كانوا بعبادتهم كافرين)، و﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، و(يرجون رحمته)، و(يخافون عذابه)، ونحو ذلك من الصيغ التي لا تستعمل إلا لذوي العقول عند العرب، وغيرهم والصفات التي لا توجد إلا في العقلاء في اللغة العربية، وغيرها؛ فإن الجمادات من الأصنام والأحجار والأشجار والتماثيل التي لا تعقل لا يقال فيها:
(الذين لا يخلقون)، و(لا يشعرون)، ولا يملكون، ولا يستجيبون، ولا يسمعون ، كما لا يقال فيها: (﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾، وعباد أمثالكم، وأعداء، وعبادي، ونحشرهم، وغافلون، وغافلين، وكافرين، ويبعثون، ويبتغون، ويرجون، ويخافون) ؛ وهذه كلها براهين باهرة * وسلاطين قاهرة * وحجج ساطعة * وأدلة قاطعة * -
[ ١ / ٥٠١ ]
على أن آلهة المشركين السابقين إنما كانوا عقلاء، وأنهم كانوا من عباد الله تعالى وليسوا جمادات بحتة، ولا أحجار صرفة، ولا أصنام خالصة، كما تزعم القبورية.
وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) ردا على ابن جرجيس خاصة * وعلى القبورية أتباع إبليس عامة * مجيبًا عن هذه الشبهة:
(فأقول: يريد العراقي بهذا الكلام إثبات المساواة بين الأموات * والأحياء!؛ ليغري الناس على ندائهم في الملمات * والدعاء! .
وهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] .
وشبه بهم من لم ينتفع بسماع الهدى؛ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أموات ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[ ١ / ٥٠٢ ]
[النحل: ٢٠ - ٢١]، وليست هذه الآية في الأصنام - كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت ولا شعور لها.
وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الآية، وإنما هي فيمن يموت ويبعث: من أهل الكرامات، والمعجزات، وغيرهم؛ كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل؛ كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية [بل بغيرها من اللغات أيضا]؛ فالحمد لله على ظهور الحجة * وبيان المحجة) .
قلت:
بعد إتمام هذه الحجة * وإنارة هذه المحجة * لا يمكن للقبورية أن يقولوا: إن المشركين كانوا يعبدون الأحجار والأشجار، ونحن نستغيث بالأنبياء والأولياء.
ألم تر أن الحق تلقاه أبلجا وأنك تلقى باطل القول لجلجا
[ ١ / ٥٠٣ ]
أبن وجه نور الحق في صدر سامع ودعه فنور الحق يسري ويشرق
الجواب الخامس: أن علماء الحنفية قد حققوا أن المشركين لم يكونوا يعبدون الأصنام والأحجار لذاتها في الحقيقة، وإنما كان قصدهم عبادة هؤلاء الصالحين الذين ظنوا أنهم مقربون عند الله، ويشفعون لهم عنده، وإنما صوروا لهم تماثيل ليجعلوها قبلة للتوجه إلى هؤلاء المقربين، كما أن الكعبة قبلة للمسلمين؛ لأنه لا يعقل في أحد من بني آدم أن ينحت بيده حجرًا أو خشبًا ثم يعتقد أنه إلهه ويعبده ويجعله شفيعًا بينه وبين الله، إذن لا يتصور إطباق جم غفير من العقلاء على عبادة الأصنام والأخشاب والأحجار لذاتها وجعلها آلهة بأعيانها؛ لأن هذا مما لا يصدر من عاقل، ولا يتصور أن يفعله أحد من بني آدم، فكيف يتصور ذلك من جم غفير من العقلاء؟ بل الحقيقة أن المعبود لهم لم يكن هذا الحاضر من الصنم المنحوت من الحجر أو الخشب، بل المعبود إنما كان ذلك الغائب الذي صوروه وجعلوا له صنمًا من خشب أو حجر أو صفر أو غيره، فالصنم لم يكن مقصودًا بالعبادة، وإنما كان المقصود هو ذلك المقرب الصالح، وإنما كان الصنم قبلة لتوجههم إلى هذا الصالح المقرب عند الله في زعمهم، الشفيع لهم عنده،
[ ١ / ٥٠٤ ]
هذا هو ما عليه جمهرة المشركين، ولكن لا يمنع أن يكون فيهم بعض الحمقى السفهاء الذين لم يتفطنوا للفرق بين هذه الأصنام، وبين من هي على صورهم، فظنوها معبودات وآلهة بأعيانها.
ولذلك نرى: أن الله تعالى تارة قد يرد على أمثال هؤلاء السفهاء أيضًا كقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥] .
قلت:
لا ريب في أن القبورية الوثنية من هذه الأمة - على طريقة الوثنية الأولى بعينها، فإنهم أيضًا يعظمون آثار الصالحين كقبورهم، وأحجارهم، وأشجارهم، كأنها قبلة لتوجههم إلى هؤلاء الصالحين، فقد قال علماء الحنفية في بيان سبب تعظيم المشركين للأصنام:
[ ١ / ٥٠٥ ]
(إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا: أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله) .
ولذلك صرح الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) بأن المعبود الحقيقي عند المشركين إنما كان هو الله تعالى، وأما آلهتهم الأخرى فكانوا يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى.
وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) محققًا أن المشركين السابقين لم يقصدوا عبادة الأحجار والأصنام لذاتها، بل كانوا يعبدون من يعتقدون فيهم الشفاعة عند الله، مبينًا أن القبورية في ذلك على طريقة الوثنية الأولى:
(فإن قال [القبوري]: «الشرك عبادة الأصنام»، فقل له: «ما معنى عبادة الأصنام؟» .
أتظن أنهم كانوا يعتقدون: أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟» - فهذا يكذبه القرآن.
[ ١ / ٥٠٦ ]
وإن قال: «هو قصد خشبة، أو حجرًا، أو بنية على قبر، أو غيره -[مما له تعلق بالصالحين]- يدعون ذلك ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا [المصائب] ببركته» . - فقل له: «صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار، والأبنية التي على القبور وغيرها» .
فهذا قد أقر: أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام) .
الجواب السادس:
أنه لو سلم أن المشركين السابقين كانوا يعبدون الأصنام والأحجار لذاتها والقبورية من هذه الأمة لا يعبدون الأحجار، بل يستغيثون بالأنبياء، والأولياء، لكن لا نسلم أن القبورية غير مشركة؛ لأنه قد تحقق أن القبورية من أعظم أهل الشرك، وأن استغاثتهم بالأموات عند الكربات ونذورهم لهم عند الملمات * من أعظم الشركيات؛ لأنها من أعظم أنواع العبادات *؛ فالقدر المشترك بينهم وبين المشركين الأولين هو ارتكاب الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى - سواء كان ذلك إنسانًا، أو جنا، أو ملكًا، أو صنمًا، أو حجرًا، أو شجرًا، حيًّا، أو ميتًا، قبرًا، أو غارًا، فمن عبد غير الله تعالى - فقد أشرك به سبحانه؛ فمن زعم أن المشركين السابقين - كانوا مشركين؛
[ ١ / ٥٠٧ ]
لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والأحجار؛ بخلاف القبورية - فإنهم لا يعبدون الأصنام ولا الأحجار، وإنما يستغيثون بالأموات عند الكربات وينذرون لهم عند الملمات - فهم ليسوا بمشركين - فهو إما مجنون، زائل العقل، مرفوع عنه القلم، ملحق بالأنعام * أو مستكبر، معاند، مكابر، سوفسطائي، مغرض، ممرض للأنام * فلسان حاله يقول:
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
ولكننا نقول له:
فليس شعاع الشمس يخفى لناظر أفيقوا عن الإصرار ما بالكم لد
وإليكم لتحقيق هذا المطلوب بعض نصوص علماء الحنفية:
قال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) بعد ذكر عقائد المشركين مقارنًا بها عقائد القبورية من هذه الأمة:
(وإذا تقرر هذا فلا شك: أن من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء:
أنه يضره أو ينفعه، إما استقلالًا، أو مع الله تعالى، وناداه، أو توجه إليه، أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق - فهو لم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة، إن الدعاء بطلب وصول الخير إليه، ودفع الضر عنه -
[ ١ / ٥٠٨ ]
هو نوع من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه - حجرًا، أو ملكًا، أو شيطانًا، كما كان يفعل ذلك أهل الجاهلية، وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات، كما يفعله الآن كثير من المسلمين.
وكل عالم يعلم هذا، ويقر به، فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى، وتشريك غيره معه - للحيوان، كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت.
فمن زعم: أن ثم فرقًا بين من اعتقد في وثن من الأوثان: أنه يضر أو ينفع، وبين من اعتقد في ميت من بني آدم، أو حي منهم:
أنه يضر أو ينفع، أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله - فقد غلط غلطًا بينًا، وأقر على نفسه بجهل كثير؛ فإن الشرك - هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغير الله فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره مما لا يتقرب به إلا إليه، وليس في مجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا: بالصنم، والوثن، والإله لغير الله - زيادة على التسمية بالولي، والقبر، والمشهد، كما يفعله كثير من المسلمين؛ بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض
[ ١ / ٥٠٩ ]
المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كانت تطلقه عليه الجاهلية، أو أطلق عليه اسم آخر.
فلا اعتبار بالاسم فقط، ومن لم يعرف هذا؛ فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم، وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام - لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد: أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة، والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم
وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور [وأهلها] )، ثم حقق ﵀ أن القبورية أشد شركًا من الوثنية الأولى، وأعظم عبادة للقبور وأهلها منهم لله ﷿.
٢ - وقال الشيخ الرستمي بعد ذكر قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]:
(فمن اجتنب عن عبادة الأحجار والخشب، وابتلي في عبادة
[ ١ / ٥١٠ ]
القبور - فهو منكر هذه الآية، وداخل في حكم المشركين؛ فعلم من جميع هذا التفصيل: أن بين المشركين السابقين وبين عابدي القبور في هذا الزمان أو غيره ليس فرق ما، بل فصلنا في هذا الباب تفصيلًا طويلًا؛ ليوازي كل عابد قبر نفسه بالمشركين السابقين، ويظهر له باليقين: أن عبادة القبور أيضًا شرك وضلال، فلا يغتر هؤلاء الجهلة بأنا مؤمنون وموحدون، بل صدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
[ ١ / ٥١١ ]
فيا أيها الإخوان!، ويا مدعي الإسلام!، الشرك الشرك، وعبادة القبور، وعبادة القبور؛ فإنها شرك الردى، يردى صاحبها، ويهوي صاحبها في مكان سحيق) .
٣ - وقال حفظه الله:
(وبعض الجهلة إذا سمعوا هذه المقالة - يقولون: «إن هؤلاء الوهابيين يسوون بين الأنبياء والأولياء، وبين سائر الناس والأوثان والأصنام، ويذلونهم» .
فأقول لهم - تمثيلًا -: بأن من يصلي، وأكل بصلًا، أو فومًا في الصلاة - فتفسد صلاته بهذا الأكل.
[ ١ / ٥١٢ ]
وكذا من أكل طعامًا لذيذًا مثل اللبن، أو الدجاج، أو غيرها في الصلاة - تفسد صلاته.
فهل يجوز لأحد أن يقول: إن الفقيه سوى بين البصل واللبن؟
فكذا التوحيد يفسد بأن يعتقد في عامة الناس التصرف والملك للأصنام.
أو يعتقد هذا الاعتقاد في الأنبياء والأولياء) .
الحاصل:
أن العبرة بارتكاب الشرك لا بالشريك، فالمشرك مشرك؛ سواء أشرك بالله تعالى: صنمًا، أو وثنًا، أو حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو شمسا، أو نجمًا، أو أشرك بالله تعالى: ملكًا مقربًا، أو نبيا مرسلًا، أو وليًّا كاملًا، أو رجلًا عاميا.
قلت:
هذا الذي ذكرته من كلام الحنفية في هذا الجواب يكفي لقلع شبهة القبورية وقطع دابرهم:
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى به القلب لكن للمقال مواضع
[ ١ / ٥١٣ ]
الجواب السابع:
أن علماء الحنفية قد حققوا: «أن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس - من الشرك بشجر أو حجر، ولهذا نجد كثيرًا من الناس عند القبور: يتضرعون ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في مساجد الله تعالى، ولا في وقت السحر!، ومنهم من يسجد لها، وكثير منهم يرجون من بركة الصلاة عندها ولديها ما لا يرجون في المساجد» .
قلت:
لعلماء الحنفية أجوبة أخرى أيضًا في الجواب عن هذه الشبهة وإبطالها.
وأقول: بناء على ذلك لو سلم أن المشركين السابقين كانوا عباد الأصنام والأشجار * وعبدة الأوثان والأحجار * التي لا كرامة لها ولا مكانة عند الله، ولا تضر ولا تنفع * ولا ترى ولا تسمع * - لكان شرك القبورية أشد وأسرع فليكن السابقون عباد الأحجار والأشجار، فإن ذلك لا ينفع القبورية عبدة القبور وأهلها، ولا يبرر شركهم ولا يجوز استغاثتهم بالأموات * ولا يبيح النذور لهم
[ ١ / ٥١٤ ]
عند الكربات *؛ فالفريقان كلاهما أهل الشرك وكلهم جميعًا عبدة غير الله سبحانه؛
فإن تنج منها تنج من ذي ملمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا
وبعد إبطال هذه الشبهة ننتقل إلى إبطال شبهتهم الأخرى:
الشبهة الثانية: شبهة التكفير والخروج:
لقد أثارت القبورية ضد التوحيد وأئمته كثيرًا من العوام الجهلة، وقاموا وقعدوا وهولوا وجولوا، وصاحوا وصرخوا، وقالوا:
إن هؤلاء الوهابية قد كفروا الأمة المسلمة كلها جميعًا برمتها، ورموها بالشرك والكفر على طريقة إخوانهم الخوارج كلاب النار، فزعموا في المؤمنين الموحدين زوار القبور المستغيثين بالأنبياء والأولياء:
أنهم يعبدون غير الله، وأنهم يشركون بالله، ويعمدون إلى آيات نزلت في الكفار والأصنام - فيحرفونها ثم يحملونها على المؤمنين الموحدين المتوسلين، مع أن زوار قبور الصالحين بريئون من الشرك بحمد الله.
والقبورية يتشبثون لتحقيق شبهتهم هذه بتلك الأحاديث المطلقة
[ ١ / ٥١٥ ]