أن كل ذلك ليس من باب الإشراك بالله ولا من قبيل عبادة غير الله *، بل ذلك من تعظيم أولياء الله، ومحبة أحباب الله *.
الجواب:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بتحقيقات طويلة جعلوها كأمس الدابر.
وحاصلها: أن تعظيم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومحبة الأولياء والصالحين - أمر مطلوب، وهو من الإيمان، ومن أعظم الأمور في الإسلام، ومن أجل العبادة لله تعالى، ولكن إذا كان في حدود الشريعة الغراء؛ بحيث لا يكون ذلك غلوًا ولا مفضيًا إلى الغلو، ولا يكون ذريعة إلى الإشراك بالله تعالى ولا وسيلة إلى عبادة غير الله تعالى، وأن لا يسمى الشرك الصريح، ولا عبادة الأموات باسم التعظيم والمحبة.
ولا يرتكب الوثنية، ولا يعبد غير الله تحت ستار التعظيم والمحبة، وأما تعظيم الأنبياء والأولياء إذا كان بالغلو فيهم وإطرائهم ورفعهم عن منزلتهم، ويتذرع به إلى الاستغاثة بهم والنذور لهم واعتقاد التصرف وعلم الغيب فيهم، ونحوها من الكفريات والشركيات - فهو ليس بتعظيم، بل هو في الحقيقة تحقير لشأنهم، واستخفاف
[ ١ / ٥٤٢ ]
بهم، بل هو استخفاف بالله تعالى أيضًا وتحقير لجنابه ﷾، وإنه في الحقيقة مبالغة في الإشراك بالله وعبادة غير الله، وهو شرك صريح، وكفر قبيح تحت شعار التعظيم، وانسلاخ عن جملة الدين، وهذا النوع من التعظيم هو من أعظم أسباب الوثنية، والإشراك بالله، وعبادة غير الله ﷿ قديمًا وحديثًا، وإنما التعظيم للأنبياء ﵈، والأولياء، ومحبتهم، وتوقيرهم، واحترامهم - يكون باتباع سنتهم، والتأسي بهم في أفعالهم وأقوالهم، وسلوك طريقهم، دون عبادتهم وعبادة قبورهم، والعكوف عليها، واتخاذها أوثانًا، وتعظيمهم لا يقتضي الاستغاثة بهم، وليس كل تعظيم جائزًا في الإسلام.
قلت:
إن «التعظيم»، و«المحبة»، و«التوسل»، و«الكرامة»، و«العبادة»، و«التوحيد»، و«الشرك»، و«الاستغاثة»، و«النذر»، و«الألوهية»، و«الصفات»، و«التشبيه»، ونحوها - مصطلحات شرعية يجب تفسيرها وشرحها وفق ما ورد في الكتاب
[ ١ / ٥٤٣ ]
والسنة، وطبق مصطلحات الصدر الأول من الصحابة التابعين؛ فمن فسرها بغير تفسيرها، وحملها على مصطلحات أهل البدع من الروافض، والجهمية * والمعتزلة، والأشعرية، والماتريدية، والصوفية، والقبورية * وغيرهم من أصناف المبتدعة - فقد حرف الإسلام، وقلب الحقائق، وبدل الدين * وأتى بزندقة عظمى * وطامة كبرى * وإلحاد مبين * وتحريف قرمطي * وتخريف وثني * وتلاعب بالمصطلحات * وغير الحدود واللغات *.
وهذه حقيقة واقعة اعترف بها أحد كبار أئمة القبورية * وأحد دعاة الجهمية * ذلكم الكوثري (١٣٧١هـ)، فقد قال - عليه من الله ما يستحقه - مقرا ببعض الحق، شاهدًا على نفسه وأهله وذويه، ذابحًا للقبورية والجهمية في آن واحد بسيف لسانه * ومدية بنانه * وشفرة قوله، وسكين نصه وبيانه * وقانونه الكلي وتبيانه *:
(أين التجليات التي اصطلح عليها الاتحادية؟
من تخاطب العرب، ومن تفاهم السلف والخلف بهذا اللسان العربي المبين؟
حتى يكون حمل النصوص والآثار على التجليات المصطلح عليها فيما بعد عهد التنزيل بدهور - استعمالًا لها في حقائقها؟
ومن زعم ذلك فقد زاغ عن منهج الكتاب والسنة، وتنكب سبيل
[ ١ / ٥٤٤ ]
السلف الصالح، ومسلك أئمة أصول الدين، ونابذ لغة التخاطب، وهجر طريقة أهل النقد في الجرح والتعديل، والتقويم والتعليل ) .
قلت:
بناء على شهادة هذا الكوثري، إمام القبورية الوثنية * والمعطلة الجهمية الماتريدية *وشيخ عصبة التعصبات المذهبية * - أقول، وأقلب حجته عليهم جميعًا: إن القبورية، والماتريدية * والأشعرية، والصوفية * وغيرهم من أهل البدع، قد حملوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة * ومصطلحات الصحابة والتابعين، وأئمة هذه الأمة *:
كالتوحيد، والتشبيه، والصفات، والتوحيد، والشرك، والعبادة، والألوهية، والكرامة، والولاية، والتوسل، والتعظيم، والمحبة، وغيرها من المصطلحات الشرعية - على مصطلحات ومعان أحدثوها، وفسروها على ما يوافق مذهبهم البدعي والشركي القبوري، الوثني، الجهمي، الصوفي، الخرافي، كما تراه هاهنا مما فعلت القبورية الوثنية، حيث سمت الشرك الأكبر وعبادة الأموات * والاستغاثة بهم عند الكربات، والنذر لهم عند الملمات * - باسم التعظيم والمحبة، والولاية، والكرامة، والتوسل، ونحوها من المصطلحات التي كانت عند الصحابة والتابعين - على ضد ما تقصده القبورية، وتفعله وتقوله وتعتقده؛
[ ١ / ٥٤٥ ]
فجاءت القبورية فعمدت إلى تلك المصطلحات القرآنية والسنية التي كانت لها معان أخرى عند الصحابة والتابعين - فحرفتها وحملتها على مصطلحات الوثنية الشركية الكفرية؛ إذن تحقق: أن القبورية - في حمل تلك المصطلحات على مصطلحاتهم - أبعد الناس من تخاطب العرب وتفاهم السلف، واللسان العربي المبين، وأنهم قد زاغوا - بهذا التحريف والتبديل والتغيير للمصطلحات - عن منهج الكتاب والسنة * وطريقة السلف أئمة هذه الأمة *، وأنهم بتخريفاتهم الوثنية هذه - تنكبوا سبيل السلف الصالح - باعتراف الكوثري وقانونه -.
وأقول:
إن الحمد لله الذي دفع أهل البدع بعضهم ببعض، وقطع دابر صغارهم بسيوف كبارهم، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، وقمعهم بسلاح كوثريهم؛ ومع ذلك ترى القبورية قديمًا وحديثًا في كل مكان وزمان * - يقاتلون أهل التوحيد والسنن بالسيف والسنان والبهتان * ولكن أهل التوحيد بتوفيق الرحمن * يقمعونهم بالحجة والبرهان *
فإن عدت والله الذي فوق عرشه منحتك مسنون الغرارين أزرقا
فإن دواء الجهل أن تضرب الطلى وأن يغمس العريض حتى يفرقا
وبعد هذا ننتقل إلى شبهتهم الأخرى، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٥٤٦ ]