التي فيها ذكر قول «لا إله إلا الله» مطلقًا بدون قيد؛ كحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله»، وحديث أسامة: «يا أسامة! أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟» الحديث.
وقالوا: إن هذه الأحاديث دالة على أن الكفر أمر باطني؛ فلا يجوز تكفير أحد ممن قال كلمة التوحيد؛ لكن هؤلاء الخوارج يكفرون الأمة الإسلامية جمعاء، حتى الصحابة والتابعين وأتباعهم، والمتكلمين، والفقهاء، والمحدثين، والصوفية إلى يوم القيامة.
قلت:
لعنة الله على الأفاكين البهاتين * وغضب الله على المتقولين الدجالين *!؟!
وأقول:
يجدر بي أن أسوق نصوص بعض القبور بحرفها وفصها في تقرير هذه الشبهة ليظهر للمسلمين تهورهم * وفي دركات البهتان تطورهم *:
١ - قال ابن عابدين الشامي (١٢٥٢هـ)، مبينًا تعريف الخوارج، مدرجًا فيهم أئمة الدعوة السلفية، معلقًا على قول الحصكفي (١٠٨٨هـ):
[«، وخوارج: وهم قوم لهم منعة، خرجوا عليه [أي الإمام]
[ ١ / ٥١٦ ]
بتأويل يرون أنه على باطل: كفر، أو معصية توجب قتاله بتأويلهم، ويستحلون دماءنا وأموالنا، ويسبون نساءنا، ويكفرون أصحاب نبينا ﷺ»]-:
(، كما وقع في زماننا في أتباع عبد الوهاب الذين خرجوا من نجد، وتغلبوا على الحرمين، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون، وأن من خالف اعتقادهم مشركون، واستباحوا بذلك قتل أهل السنة وقتل علمائهم، حتى كسر الله شوكتهم، وخرب بلادهم، وظفر بهم عساكر المسلمين عام ثلاث وثلاثين ومائتين) .
٢ - وقال جميع أئمة الديوبندية وشيوخهم، وعلى رأسهم خليل أحمد
[ ١ / ٥١٧ ]
السهارنفوري (١٣٤٦هـ) في الجواب عن السؤال «الثاني عشر»:
[ ١ / ٥١٨ ]
(قد كان محمد بن عبد الوهاب النجدي يستحل دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وكان ينسب الناس إلى الشرك، ويسب السلف، فكيف ترون ذلك؟
وهل تجوزون تكفير السلف والمسلمين وأهل القبلة؟
أم كيف مشربكم؟.
الجواب: الحكم عندنا فيهم: ما قال صاحب الدر المحتار )، ثم ساقوا كلامه المذكور آنفًا في الخوارج، ثم قالوا:
(وقال الشامي في حاشيته:
«كما وقع في زماننا في أتباع عبد الوهاب») .
ثم ساقوا كلام ابن عابدين المذكور - الذي قرروا فيه: أن محمد بن عبد الوهاب وأتباعه خوارج مكفرون للمسلمين.
٣ - وقال خرافي آخر وهو الشاه محمد أنور الكشميري (١٣٥٢هـ) أحد كبار أئمة الديوبندية:
[ ١ / ٥١٩ ]
(أما محمد بن عبد الوهاب النجدي - فإنه كان رجلًا بليدًا، قليل العلم، فكان يتسارع إلى الحكم بالكفر، ولا ينبغي أن يقتحم في هذا الوادي إلا من يكون متيقظًا متقنًا عارفًا بوجوه الكفر وأسبابه) .
٤ - وقال حسين أحمد الملقب عند الديوبندية بشيخ الإسلام، أحد كبار أئمة الديوبندية، وأحد مشاهير القبورية الخرافية، وأحد الأعداء الألداء للدعوة السلفية وأئمتها (١٣٧٧هـ):
[ ١ / ٥٢١ ]
(محمد بن عبد الوهاب النجدي كان يحمل خيالات باطلة، وعقائد فاسدة، وقاتل أهل السنة والجماعة، وقتلهم، وأجبرهم على اعتقاد خيالاته، وغنم أموالهم، ورأى أن قتلهم موجب لرحمة الله، وقد آذى أهل الحرمين أشد الأذى، وكان يسيء القول في السلف الصالح،
[ ١ / ٥٢٢ ]
وقد تضايق كثير من أهل الحرمين من إيذائه، فهاجروا، واستشهد بأيدي جنوده آلاف من الناس؛ فالحاصل:
أنه كان ظالمًا، وباغيًا، سفاكًا، فاسقًا، ولهذا أبغضه العرب كما أبغضوا أتباعه، إلى حد لم يبغضوا اليهود، ولا النصارى، ولا المجوس، ولا الهندوك؛ نعم يجب بغضهم وعداوتهم لما صدر منهم من أنواع الإيذاء لهم ؛ إن بين عقائدنا، وعقائد أكابرنا، وبين عقائد الوهابية بونًا بعيدًا، وفرقًا شاسعًا، كما بين السماء والأرض ؛ وإليكم بعض الأمثلة من عقائد الوهابية..؛ العقيدة الأولى:
أن محمد بن عبد الوهاب يعتقد أن جميع المسلمين في جميع العالم مشركون وكافرون، وأن قتلهم، وقتالهم، وسلب أموالهم جائز وحلال، بل واجب ؛ وأن الشيخ النجدي يعتقد تحريم مناكحتهم ومجالستهم، ويوجب هتك أعراضهم، وإيذاءهم في دينهم، وأنفسهم، وأموالهم) .
إلى آخر ما ذكره في الطعن في أئمة الدعوة وعقيدتهم، ظلمًا وعدوانًا * وبغيًا وبهتانًا.
[ ١ / ٥٢٣ ]
٥ - وهكذا نرى كثيرًا من الديوبندية يرددون أكاذيب أكابرهم في كتبهم الوثنية.
قلت:
هذه عدة نماذج من نصوص القبورية ولا سيما الديوبندية في تقرير هذه الشبهة.
وبذلك تبين للمسلمين حقيقة الديوبندية * وأنهم قبورية خرافية * إلا من رحم ربك منهم.
والحقيقة أن هؤلاء الديوبندية وأئمتهم - قد شهدوا على أنفسهم بلسانهم وبنانهم:
أنهم فرقة قبورية خرافية * مبتدعة صوفية * - بتلك الخرافات الوثنية التي سجلوها في كتبهم، كما أنهم شهدوا على أنفسهم:
أنهم كذبة في افترائهم على أئمة التوحيد والسنة والدعوة السلفية، فقد أظهروا للناس حقيقة أمرهم - بتلك الشهادات التي هي أعظم وثوقًا من شهادة من قال الله تعالى فيه:
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، ومن قواعد الحنفية: «المرء مؤاخذ بإقراره» .
[ ١ / ٥٢٤ ]
فلا يلومن إلا نفسه. ولنعم ما قيل:
فكانت كعنز السوء قامت بظلفها إلى مدية تحت التراب تثيرها
وبعد هذا العرض لهذه الشبهة، ننتقل إلى جهود علماء الحنفية في الجواب عنها وإبطالها وقلعها وقطع دابر أهلها.
الجواب:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذه الشبهة بعدة وجوه أذكر منها:
الوجه الأول: أن علماء الحنفية قد حققوا:
أن من ركني التوحيد: ركن النفي، وهو نفي جميع ما يعبد من دون الله؛ سواء كان صنمًا أو حجرًا أو شجرًا، أو وثنًا، أو ملكًا مقربًا، أو نبيا مرسلًا، أو وليا كاملًا، أو رجلًا عاديا عاميا، أو جنيا، أو غير ذلك؛ فمن أقر بكلمة التوحيد «لا إله إلا الله» - ولكنه لم يتجنب من عبادة غير الله من الاستغاثة بالأموات، والنذر لهم عند الملمات ونحو ذلك - فلا يتحقق توحيده، ولا ينفعه التلفظ بكلمة التوحيد.
وللعلامتين الآلوسيين كلام في غاية الأهمية في أن المسلم إذا تلفظ بالكفر وجحد ما هو من الضروريات كالتوحيد الذي هو دين الرسل فقد كفر ولو مزحًا.
إذن بطل اتهام القبورية بأن الوهابية خوارج يكفرون المؤمنين
[ ١ / ٥٢٥ ]
الموحدين.
الوجه الثاني: أن علماء الحنفية قد صرحوا:
بأن من شروط صحة التوحيد - فهم معنى: «لا إله إلا الله» - فمن قال هذه الكلمة بدون فهم معناها، ويرتكب الشرك، ويعبد غير الله - لا يدخل في الإسلام ولا يصح توحيده.
قلت:
إذا كان الأمر كذلك - لا يصح زعم القبورية أن المستغيثين بالأموات والناذرين لهم عند الكربات - موحدون مؤمنون *؛ فبطل تهمة الخروج، وتهمة تكفير المؤمنين الموحدين *.
الوجه الثالث: أن علماء الحنفية قد ذكروا في شروط صحة التوحيد:
التصديق المنافي للتكذيب.
ولا شك أن القبورية مع قولهم: «لا إله إلا الله» يكذبون معناها - بارتكابهم للشرك الأكبر، وعبادة غير الله؛ فالقبورية في الحقيقة مكذبون لهذه الكلمة لا مصدقون بها، وإن كانوا يقولونها باللسان.
وبهذا ثبت أن القبورية ليسوا موحدين ولا مؤمنين * وبطلت شبهة تكفير المؤمنين الموحدين *.
[ ١ / ٥٢٦ ]
الوجه الرابع: أن علماء الحنفية اشترطوا لصحة التوحيد:
الإخلاص المنافي للشرك.
ولا ريب أن القبورية لم يحققوا هذا الشرط؛ لأنهم مع تلفظهم بكلمة التوحيد - يرتكبون الشرك البواح * والكفر الصراح * ويعبدون الأموات بأنواع من العبادات * فلا يصح توحيدهم * مع ندائهم الأموات عند الكربات *.
وإذا كان الأمر كذلك - فأنى للقبورية أن يكونوا مؤمنين موحدين *
وثبت أن القبورية كذابون متقولون على أئمة التوحيد والسنة في أنهم خوارج، وأنهم يكفرون المؤمنين الموحدين *.
الوجه الخامس: أن علماء الحنفية صرحوا بأن الركن الأهم في الإيمان * - هو التصديق بالجنان *.
وأئمتهم الثلاثة: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وغيرهم، كالطحاوي وغيره - يجعلون الإقرار باللسان أيضًا ركنًا للإيمان *.
[ ١ / ٥٢٧ ]
فإذا كان الأمر كذلك - فالقبورية لم يحققوا التصديق بالجنان * لارتكابهم الشرك الأكبر، وعبادتهم للأموات * من الاستغاثة، والنذور عند الكربات *؛ فزالت شبهة تكفير المسلمين المؤمنين الموحدين من أصلها، وبطلت تهمة الخروج.
الوجه السادس: أن علماء الحنفية قد صرحوا بعدم تكفير أهل القبلة، لكن إذا لم ينكر أحد منهم ما هو من ضروريات الدين * فمن أنكر ما هو من ضروريات الدين *، وارتكب ما هو كفر بواح * وشرك صراح * - فهو عندهم كافر؛ حتى أن كثيرًا منهم لا يعذرون بالجهل في ذلك، وإن كان مواظبًا طول عمره على الطاعات.
قلت:
بناء على نصوص هؤلاء العلماء من الحنفية -
[ ١ / ٥٢٨ ]
لا شك أن القبورية قد ارتكبوا كفرًا بواحًا * وشركًا صراحًا * وأنكروا ما هو من ضروريات الدين: من التوحيد، وإفراد الله تعالى بالعبادة، فيتحقق كفرهم عند علماء الحنفية، ولا يعذرون بالجهل، ولكن لا يجوز تكفيرهم قبل إقامة الحجة عليهم وإيضاح المحجة لهم عند أئمة السنة، والحنفية.
وبهذا قد بطلت شبهة القبوريين * وذهب اتهامهم لأئمة الدعوة بأنهم خوارج يكفرون المسلمين * - أدراج الرياح * وأنهم على أئمة السنة باغون أقحاح *، وأن القبورية في هذا الاتهام كذابون أفاكون * ساقطون عن العدالة خائنون مائنون * كما أنهم بهاتون متقولون في زعمهم أن الوهابية يعمدون إلى آيات نزلت في الكفار المشركين * والأوثان، فيحرفونها ويحملونها على المؤمنين الموحدين *.
الجواب السابع: أن علماء الحنفية قديمًا وحديثًا أشد الناس في التكفير وأسرع الناس إليه ويكفرون بأشياء قد لا تكون من الكفر البواح مباشرة إلا بالوسائط التي لم يلتزمها ذلك القائل الذي يحكمون عليه بالكفر، وقد اشتكى تهورهم وإسراعهم إلى التكفير كثير من الناس.
وقد خصص كثير من علماء الحنفية عدة مباحث للتكفير في كتبهم، وبوبوا لذلك واهتموا بجمع ألفاظ الكفر،
[ ١ / ٥٢٩ ]
والتصريح بالتكفير بها، وفي ذلك من العجائب والغرائب من تكفير المسلمين، بأشياء قد تصدر خطأ، أو بزلة لسان * دون قصد الجنان *، وقد جمع العلامة القاري (١٠١٤هـ) ألفاظ الكفر وكلمات الارتداد عند الحنفية فأوعى.
وذكر العلامة الآلوسي (١٣١٧هـ) طرفًا من ذلك أيضًا.
بل قد ألف بعض الحنفية كتابًا في ألفاظ الكفر وكلمات الارتداد والأقوال التي يكفرون بها المسلم الذي صلى وصام، وزكى، وحج، وعبد الله طوال عمره.
قلت: إذا كان الأمر كما وصفت - فلم لا يوجه القبورية - ولا سيما قبورية الحنفية * طعونهم وسهامهم إلى الحنفية؟!؟ * - ولم لا يحكمون عليهم بأنهم خوارج كلاب النار * وأنهم جعلوا
[ ١ / ٥٣٠ ]
المسلمين كالكفار *؟
وأنهم يكفرون المسلمين بمثل هذا التكفير الواسع الأرجاء؟ فلم هذا الإباء والإحجام والإرجاء؟ *
ولكن القبورية في كتمان الحقائق واتهام الأبرياء كمن قيل فيه:
أصم عن الشيء الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد
وما قيل:
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
مع أن أئمة التوحيد والسنة لا يكفرون أحدًا بمثل هذا التكفير الواسع الذي يوجد عند الحنفية.
كما أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة إلا بعد إتمام الحجة * وإيضاح المحجة *
ولكن القبورية في عدم الإنصاف * وشدة الاعتساف * كمن قيل فيه:
فرصاص من أحببته ذهب كما ذهب الذي لم ترض عنه رصاص
بل هم في الظلم والعدوان * والبغي والاتهام والبهتان * كمن قيل فيه:
إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا شرًّا أذاعوا وإن لم يسمعوا كذبوا
إذن لا ذنب لأئمة التوحيد والسنة، ولا مبرر للقبورية في ولوغهم في
[ ١ / ٥٣١ ]
أعراضهم، فإن القبورية كذابون بهاتون في الحكم عليهم بأنهم خوارج، وأنهم يكفرون المسلمين.
وأقول متمثلًا بما قيل:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
الجواب الثامن: أن الحنفية قد صرحوا بأن الخوارج كانوا يكفرون المسلمين بارتكاب الكبيرة من الذنوب العملية دون الاعتقادية.
فمن كفر أحدًا بارتكاب كفر بواح * وشرك صراح * بعد إقامة الحجة عليه * وتنور المحجة لديه * - لا يقال له: إنه خارجي يكفر المسلمين * المؤمنين الموحدين *!
ومن زعم ذلك - فهو مغالط ماكر ملبس مغرض * غالط شاطر مدلس ممرض *
فأئمة الدعوة لم يكفروا أحدًا من المسلمين بارتكاب الذنب الكبير العملي، ولا كفروا أحدًا بارتكاب الكفر والشرك إلا بعد إقامة الحجة عليه * وإيضاح المحجة لديه *؛ قال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) في الرد على دحلان أحد أئمة الدعاة إلى عبادة الشيطان (١٣٠٤هـ)؛ وكشف تلبيساته * وبيان أكاذيبه وتمويهاته وتدليساته *:
(وأما المسألة الثالثة - وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام -:
أن أهل العلم قالوا: «لا يجوز تكفير المسلم بالذنب»، وهذا حق،
[ ١ / ٥٣٢ ]
ولكن ليس هذا مما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنا، أو سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر [عندهم]، وأما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا [بالكفر] بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك، لكنك رجل من أجهل الناس * [ومن أكذب الناس *]؛ تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم - لا يكفر؛ فإذا كنت تعتقد ذلك - فما تقول في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون ؟؟؟
ما تقول في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره ؟؟
فأضرم لهم علي بن أبي طالب نارًا فأحرقهم بها
وأجمعت الصحابة على قتلهم
لكن ابن عباس ﵄ أنكر تحريقهم بالنار، وقال: «يقتلون بالسيف» .
[ ١ / ٥٣٣ ]
أتظن أن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟
أم أنت تفهم الشرع!؟!، وأصحاب رسول الله ﷺ لا يفهمونه؟؟؟؟) .
الحاصل:
أن أهل التوحيد والسنة لا صلة لهم بالخوارج، وليست شبهة القبورية هذه إلا محض اتهام لإضلال العوام * ولحاجة في نفوس هؤلاء الطغام *
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئًا ومن أجل الطوي رمانيا
الوجه التاسع: أن كثيرًا من علماء الحنفية قد صرحوا بأن أئمة الدعوة لا يرون تكفير من ارتكب الكفر والشرك - إلا بعد إقامة الحجة عليه * وتنوير المحجة لديه *
وهذا غاية في الاحتياط، ونهاية في تقوى الله ﷾؛ قال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) في الرد على دحلان (١٣٠٤هـ):
(السادس: أنك قد عرفت فيما تقدم: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكفر السواد الأعظم من المسلمين، ومن كفره، فلم يكفره بارتكاب ذنب من الكبائر، كما هو مذهب الخوارج؛ وإنما كفره بدعوة غير الله، حيث يطلب فيها منه ما لا يقدر عليه إلا
[ ١ / ٥٣٤ ]
الله *
وهذا لا يستريب أحد من أهل العلم والديانة: أنه عبادة لغير الله * وعبادة غير الله لا شك في كونها كفرًا؛ مع أنه لم يكفره أيضًا حتى عرفه الصواب * ونبهه [إلى طريقة السنة والكتاب] *.
وأيضًا قد عرفت فيما مر: أن الشيخ ليس بمنفرد في هذا التكفير؛ بل جميع أهل العلم من أهل السنة والجماعة يشاركون فيه، لا أعلم أحدًا مخالفًا له ) .
ثم عد جمعًا من العلماء بأسمائهم، أنهم كفروا القبورية بشركياتهم.
وقد ساق العلامة السهسواني عدة نصوص لمجدد الدعوة الإمام، تنفي هذه التهمة الماكرة *
وتكذب القبورية الكذابة الفاجرة.
وذكر العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ): أن المسلم، بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، فيجب تنبيهه وتعليمه ليتوب، ولا يحكم بكفره لأجل جهله، وذلك إتمامًا للحجة * وإيضاحًا للمحجة *.
[ ١ / ٥٣٥ ]
وذكر الآلوسي أن أهل التوحيد لا يكفرون إلا من حكم الله تعالى ورسوله ﷺ بكفره.
قلت:
هذا كما قال الإمام ابن القيم:
من كان رب العالمين وعبده قد كفراه فذاك ذو الكفران
قلت:
لأجل عدم إتمام الحجة * وإيضاح المحجة * لم يحكم علماء الحنفية على القبورية بالكفر بمعنى خروجهم عن الملة والارتداد عن دين الإسلام.
وأقول:
إن عدم الحكم على القبورية - مع ارتكابهم الشرك الصريح الصراح * والكفر القبيح البواح * - بتكفيرهم وخروجهم عن الملة، وارتدادهم عن الإسلام - مثل عدم الحكم على الجهمية المعطلة بعدم الارتداد - مع ارتكابهم الكفر الواضح * والشرك الفاضح * -
[ ١ / ٥٣٦ ]
لأجل خوف عدم إقامة الحجة عليهم * وعدم إيضاح المحجة لديهم *
ولقد أجاد أبو غدة الكوثري أحد كبار الكوثرية * وأحد الموالين للقبورية * وأفاد في جمع نصوص العلماء الأعلام * ولا سيما نصوص شيخ الإسلام * في عدم تكفير الجهمية لأجل عدم إقامة الحجة عليهم * وعدم تنوير المحجة لديهم *
وذكر فيها قول شيخ الإسلام: «لو وافقتكم كنت كافرًا، وأنتم لا تكفرون؛ لأنكم جهال» .
فتبين أن أئمة السنة ليسوا متهورين في التكفير * وأن القبورية كاذبون في النكير *.
الوجه العاشر: أن علماء الحنفية قد صرحوا بأن القبورية يستحقون وصف الخوارج فإنهم هم أشد الناس تكفيرًا، بل هم أشنع تكفيرًا من الخوارج، والخوارج خير منهم؛ لأن الخوارج كانوا يكفرون الناس بارتكاب الكبائر، أما القبورية - فهم يكفرون أهل التوحيد بتوحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة.
قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ):
(يوضحه الوجه الثاني: أن الخوارج إنما كفروا الأمة بمخالفة أمره ومعصيته، وتمسكوا بنصوص متشابهة لم يردوها إلى المحكم؛ وأما عباد القبور - فكفروا بموافقة الرسول [ﷺ] في نفس مقصوده، وجعلوا تجريد
[ ١ / ٥٣٧ ]
التوحيد كفرًا وتنقصًا؛ فأين المكفر بالذنب من المكفر بموافقة الرسول [ﷺ] وتجريد التوحيد؟؟) .
قلت:
لقد ذكرني كلام الآلوسي هذا كلام ابن القيم (٧٥١هـ) ﵀، فقد قال مبينًا أن القبورية أشنع كفرًا من الخوارج:
وخصومنا قد كفرونا بالذي هو غاية التوحيد والإيمان
ومن العجائب أنهم قالوا لمن قد دان بالآثار والقرآن
أنتم بذا مثل الخوارج إنهم أخذوا الظواهر ما اهتدوا لمعان
فانظر إلى ذا البهت هذا وصفهم نسبوا إليه شيعة الإيمان
سلوا على سنن الرسول وحزبه سيفين سيف يد وسيف لسان
والله ما كان الخوارج هكذا وهم البغاة أئمة الطغيان
كفرتم أصحاب سنته وهم فساق ملته فمن يلحاني
إن قلت هم خير وأهدى منكم والله ما الفئتان مستويان
شتان بين مكفر بالسنة ال عليا وبين مكفر العصيان
الوجه الحادي عشر: وهو جواب عن تشبث القبورية بتلك الأحاديث المطلقة التي وردت في قول: «لا إله إلا الله»:
والجواب:
أن تلك الأحاديث لا تفيد القبورية شيئًا، ولا تدل على شيء من
[ ١ / ٥٣٨ ]
مطلوبهم؛ فإن غاية ما في تلك الأحاديث وجوب الكف عن قتل من قال: «لا إله إلا الله» حتى يتبين أمره، وليس معناها أن من قال: «لا إله إلا الله» - فهو مسلم مؤمن موحد، وإن ارتكب كفرًا بواحًا * وشركًا صراحًا *!!!؛ لما سبق تحقيقه: من أن هذه الأحاديث المطلقة مقيدة بقيود وردت في أحاديث أخرى، فلا يكفي مجرد قول كلمة التوحيد باللسان * دون تصديق معناها بالجنان *؛ قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ):
(ولخصوم الحق، وأعداء الدين شبهة أخرى: وهي: أنهم يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: «لا إله إلا الله»، وقال: «أقتلته بعدما قال: «لا إله إلا الله»؟») .
وكذلك قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله» ، إلى أحاديث أخر في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة: أن من قالها - لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل؛ فيقال لهم:
[ ١ / ٥٣٩ ]
من المعلوم: أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود، وسباهم، وهم يقولون: «لا إله إلا الله»، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون: «إن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله»، ويصلون، ويدعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار.
وهؤلاء الجهلة يقرون: أن من أنكر البعث - كفر، وقتل
ولو قال: «لا إله إلا الله»، وأن من جحد شيئًا من أركان الإسلام - كفر، وقتل
ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعًا من الفروع!؟!، وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل، ورأسه؟؟؟؛ ولكن أعداء الله لم يفهموا معنى الأحاديث!؛ فأما حديث أسامة - فإنه قتل رجلًا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفًا على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾
[ ١ / ٥٤٠ ]
[النساء: ٩٤] .
أي: تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام - قتل؛ لقوله: «فتبينوا»، ولو كان لا يقتل إذا قالها - لم يكن للتثبت معنى، وكذلك الأحاديث الأخر معناها ما ذكرنا
وأن من أظهر التوحيد والإسلام - وجب الكف عنه إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك) .
قلت:
لقد بطلت شبهات القبورية كلها المتعلقة بالتكفير بحمد الله وحسن توفيقه، وتبين أنهم في جميع ذلك كذابون أفاكون، دجالون، مضلون *
والآن ننتقل إلى عرض شبهتهم الأخرى لنعرف جهود علماء الحنفية في إبطالها:
الشبهة الثالثة: شبهة تعظيم الأنبياء ومحبة الأولياء.
زعم القبورية قديمًا وحديثًا - لتبرير كل ما يرتكبونه من الاستغاثة بالأموات عند الكربات * والنذور لهم، والسجدة لهم، واعتقاد التصرف وعلم الغيب لهم وغير ذلك من الشركيات والعبادات * -
[ ١ / ٥٤١ ]