في أهمية توحيد الألوهية
وكونه هو الغاية عند علماء الحنفية
لقد تبين مما سبق أهمية شأن العقيدة في الإسلام بصفة عامة كما سبق تعريف التوحيد وأنواعه وأهميته بين العقائد بصفة خاصة.
وفي هذا الفصل أتحدث عن جهود علماء الحنفية في بيان أهمية توحيد العبادة بين سائر أنواع التوحيد بصفة أخص؛ لأن غالب انحراف القبورية إنما كان عن توحيد العبادة حيث أشركوا بالله ﷾، وعبدوا القبور وأصحابها بأنواع العبادات؛ فأخلوا بهذا النوع من التوحيد إخلالًا واضحًا سافرًا، وناقضوه فناسب ذلك أن أذكر جهود علماء الحنفية في بيان أهمية توحيد الألوهية؛ وكونه هو الغاية العظمى والمقصد الأسمى من الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب ليعرف المسلمون مدى ضلال القبورية عن أهم نوع من أنواع التوحيد وإخلالهم بالمقصد الأسنى، ومناقضتهم للهدف الأسمى وانحرافهم عن الغاية العظمى التي هي توحيد العبادة المتضمن لبقية أنواع التوحيد.
وبيان ذلك في عدة وجوه:
الوجه الأول: وجه إجمالي يجمع ميزات توحيد العبادة على وجه الإجمال، والوجوه التي بعده تفصيل وشرح له، فهو أم الوجوه:
[ ١ / ١٢١ ]
قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) والعلامة القاري (١٠١٤هـ) واللفظ للأول:
(اعلم أن التوحيد [توحيد العبادة]:
١ - أول دعوة الرسل.
٢ - وأول منازل الطريق.
٣ - وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] .
وقال هود ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥، هود: ٥٠] .
وقال صالح ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٧٣، هود: ٦١] .
وقال شعيب ﵇ لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥، هود: ٨٤] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
وقال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» .
٤ - ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف «شهادة
[ ١ / ١٢٢ ]
أن لا إله إلا الله» .
لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك.
كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم.
بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان.
ومتفقون على أن من فعل ذلك قبل البلوغ لم يؤمر بتجديد ذلك عقيب بلوغه، بل يؤمر بالطهارة والصلاة إذا بلغ أو ميز عند من يرى ذلك ولم يوجب أحد منهم على وليه:
أن يخاطبه حينئذ بتجديد الشهادتين؛ وإن كان الإقرار بالشهادتين واجبًا باتفاق المسلمين، ووجوبه يسبق وجود الصلاة؛ لكن هو أدى هذا الواجب قبل ذلك
٥ - فالتوحيد أول ما يدخل [المرء] به في الإسلام.
٦ - وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال النبي ﷺ:
«من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة» .
٧ - وهو أول واجب وآخر واجب.
[ ١ / ١٢٣ ]
٨ - فالتوحيد أول الأمر وآخره؛ أعني: توحيد الإلهية؛ فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:
أحدها: الكلام في الصفات.
والثاني: توحيد الربوبية.
وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.
والثالث: توحيد الإلهية؛ وهو استحقاقه ﷾ أن يعبد وحده لا شريك له) .
الوجه الثاني:
أن توحيد العبادة هو المطلب الأعلى والهدف الأسمى والمقصد الأسنى المطلوب من الناس والمأمور به؛ قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) - بعدما أبطل مزاعم المتكلمين في كون توحيد الربوبية هو الغاية، محققًا أن توحيد الربوبية أمر فطري مركوز مستقر في فطر الناس وأن المشركين كانوا معترفين به.
وأن مفترق الطرق والمعترك إنما هو توحيد الألوهية -:
(فعلم أن المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية ) .
[ ١ / ١٢٤ ]
وقد استدل علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب بعدة آيات أذكر منها آيتين على سبيل المثال مع أقوالهم في تغييرها:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] .
قال الإمام أبو الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ):
(والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في الكتب الإلهية على ألسنة الأنبياء ﵈: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾: جليل الشأن وهو الله سبحانه، ويطيعوا أمره ولا يطيعوا أمر غيره؛ فإن ذلك مناف لعبادته جل شأنه) .
وقال الإمام أبو السعود العمادي (٩٨٢هـ):
[ ١ / ١٢٥ ]
(﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ أي والحال أن أولئك الكفرة ما أمروا في كتابيهم ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ عظيم الشأن وهو الله ﷾، ويطيعوا أمره، ولا يطيعوا أمر غيره بخلافه؛ فإن ذلك مخل بعبادته تعالى؛ فإن جميع الكتب السماوية متفقة على ذلك قاطبة ) .
وهكذا قاله كثير من الحنفية.
وقال العلامة الوالي (١٣٦٢هـ) وتبعه تلميذه الشيخ الغلام (١٩٨٠م)، واللفظ للثاني:
(إن اليهود والنصارى قد اتخذوا مشائخهم وأئمتهم أربابًا؛ فعبدوهم من دون الله تعالى؛ مع أنهم قد أمروا في التوراة والإنجيل بأن لا يعبدوا إلا
[ ١ / ١٢٦ ]
الله سبحانه؛ لأنه لا متصرف في العالم ولا قاضي للحاجات، ولا مستحق للاستغاثة والنداء لدفع الكربات وطلب المنافع غيره ﷿) .
الآية الثانية: قوله تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
قال الإمام محمود الآلوسي (١٢٧٠هـ) مفتي الحنفية ببغداد:
(﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾: جملة حالية مفيدة لغاية قبح ما فعلوا ، أي والحال: أنهم ما كلفوا في كتابهم بما كلفوا به لشيء من الأشياء إلا لأجل عبادة الله تعالى؛ وقال الفراء:
«العرب تجعل اللام موضع «أن» في الأمر: «أمرنا لنسلم» وكذا في الإرادة: «يريد الله ليبين لكم»؛ فهي هاهنا بمعنى «أن» أي بأن «يعبدوا الله»؛ وأيد بقراءة عبد الله: «إلا أن يعبدوا» .
فيكون عبادة الله تعالى هي المأمور بها، والأمر على ظاهره، والأول هو الأظهر؛ وعليه قال علم الهدى أبو منصور الماتريدي:
[ ١ / ١٢٧ ]
«وهذه الآية علم منها معنى قوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: إلا لأمرهم بالعبادة، فيعلم المطيع من العاصي» .
وهو - كما قال الشهاب - «كلام حسن دقيق» ..) .
الوجه الثالث: أن توحيد العبادة غاية خلق الجن والإنس:
لقد استدل كثير من علماء الحنفية بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] على أن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له هي غاية خلق الجن والإنس وسر خلقهم، والحكمة منه وغاية العباد التي خلقوا لها، ولهم في ذلك نصوص مهمة متنوعة طويلة وهذا الذي ذكرته هو لب ما قالوه في تفسير هذه الآية.
الوجه الرابع: أن توحيد العبادة غاية إرسال الرسل ﵈.
لقد صرح علماء الحنفية أن المشركين كانوا معترفين بتوحيد الربوبية
[ ١ / ١٢٨ ]
فلم يكونوا يعارضون فيه، فلم يكن هو الغاية لإرسال الرسل وإنما المعترك، والمختلف فيه ومفترق الطرق هو توحيد العبادة الذي ناقضه المشركون، فأرسل الله تعالى الرسل ﵈؛ ليدعوا الناس إلى تحقيقه؛ فعلم أن الرسل لم ترسل لتحقيق توحيد الربوبية؛ وإنما أرسلت لتحقيق توحيد الألوهية والدعوة إليه.
وفيما يلي أذكر بعض نصوص علماء الحنفية:
١ - قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ):
(اعلم أن التوحيد [أي توحيد العبادة] أول دعوة الرسل) ثم ذكر عدة آيات كريمات للبرهنة على أن الرسل ﵈ إنما أرسلت للدعوة إلى توحيد العبادة وتحقيقه، ثم ذكر عدة ميزات لتوحيد العبادة تدل على أهميته بين سائر أنواع التوحيد، وحقق أن الغاية إنما هو توحيد العبادة لا توحيد الربوبية ثم أشبع الرد على المتكلمين والصوفية في جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية وبين أن أهل الملل والنحل من جميع أصناف المشركين كانوا معترفين بتوحيد الربوبية؛ فلا يمكن أن يكون هو الغاية كما لا يمكن إرسال الرسل لأجله) .
٢ - ثم قال ﵀ وتبعه العلامة نعمان الآلوسي (٣١٧هـ) واللفظ للأول:
(وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ لاعتقادهم
[ ١ / ١٢٩ ]
أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل ﵈ وليس الأمر كذلك؛ بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية، المتضمن توحيد الربوبية؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد؛ كما أخبر تعالى عنهم بقوله:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] .
ومثل هذا كثير في القرآن.
ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم؛ بل كان حالهم كحال أمثالهم من مشركي الأمم في الهند والترك والبربر وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا كان أصل شرك العرب؛ قال تعالى حكاية عن قوم نوح:
﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]؛ وقد ثبت في صحيح البخاري، وكتب
[ ١ / ١٣٠ ]
التفسير، وقصص الأنبياء، وغيرها:
عن ابن عباس ﵄ وغيره من السلف:
أن هذه أسماء قوم صالحين في قوم نوح؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وأن هذه الأصنام بعينها صارت إلى قبائل العرب، ذكرها ابن عباس ﵄: قبيلة قبيلة) .
٣ - ثم قال ﵀ بعد كلام طويل:
(فعلم أن التوحيد المطلوب - هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية) .
٤ - ولأحمد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني مجدد الألف الثاني (١٠٣٤هـ) - كلام في أن توحيد العبادة غاية إرسال الرسل؛ لأن المشركين كانوا معترفين بتوحيد الربوبية ووجود الله تعالى، وتوحيد العبادة أهم من توحيد الربوبية، فمن لم يحقق ما قاله الأنبياء من توحيد العبادة - لا يتخلص من الشرك.
٥ - وقال العلامة القاري (١٠١٤ هـ):
[ ١ / ١٣١ ]
(وفي فطر الخلق إثبات وجود الباري ، يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ ولهذا لم يبعث الأنبياء إلا للتوحيد [أي توحيد العبادة]؛ لا لإثبات وجود الصانع) .
٦ - وقال أيضًا في بيان سبب عدم تعرض الإمام أبي حنيفة لمباحث توحيد الربوبية:
(وقد أعرض الإمام عن بحث الوجود اكتفاءً بما هو ظاهر في مقام الشهود ففي التنزيل: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ فوجود الحق ثابت في فطر الخلق، كما يشير إليه قوله ﷾: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ويومئ إليه حديث «كل مولود يولد على فطرة الإسلام»، وإنما جاء الأنبياء ﵈ لبيان التوحيد [توحيد العبادة]، وتبيان التفريد؛ ولذا أطبقت كلمتهم، وأجمعت حجتهم على كلمة «لا إله إلا الله»، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: «الله موجود»؛ بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود؛ ردا لما توهموا وتخيلوا؛ حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، و﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾
[ ١ / ١٣٢ ]
[الزمر: ٣]؛ على أن التوحيد [توحيد العبادة] يفيد الوجود مع مزيد التأييد) .
٧ - وقال الشاه أنور الكشميري أحد كبار أئمة الحنفية (١٣٥٢هـ):
(واعلم أن كلمة الإخلاص لاستئصال الإشراك في العبادة دون الإشراك في الذات، وعليه [أي على توحيد العبادة] تنبني دعوة الأنبياء ﵈؛ لأن منكري الربوبية، أو المشركين في الذات كانوا أقل قليل، فلم يريدوا بتلك الكلمة [يعني لا إله إلا الله] إلا الرد على الذين كانوا يشركون في العبادة، [دون الربوبية]؛ كما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، يعني: أن
[ ١ / ١٣٣ ]
الله واحد، وهؤلاء مقربون إليه؛ والعياذ بالله؛ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، ولم يقل: «يجحدون»، فعلم أنهم لم يكونوا منكرين لتلك الكلمة رأسًا؛ لأن الاستكبار بعد العلم؛ وقد مر أن أول من بعث لدحض الكفر هو نوح ﵊، وقبله لم يكن إلا الإيمان فقط، ثم جاء إبراهيم ﵊ وقابل قوم نمروذ، وكانوا مشركين في العبادة، فرد عليهم بأبلغ وجه وأتم تفصيل، وعلى هذا فالملة الإبراهيمية هي استئصال الإشراك في العبادة.
٨ - وقد احتج كثير من علماء الحنفية بكثير من الآيات؛ على أن توحيد العبادة هو غاية إرسال الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأنهم لم يدعوا الناس إلى توحيد الربوبية؛ لأنهم كانوا معترفين به؛ وإنما دعوا الأمم إلى توحيد العبادة؛ لأن إشراكهم إنما كان في العبادة؛ دون الربوبية والخالقية والرازقية، أذكر على سبيل المثال آيتين فقط:
٩ - الآية الأولى: قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] .
[ ١ / ١٣٤ ]
١٠ - الآية الثانية: قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]؛ فهذه الآية - كما نرى - نص صريح على إجماع الأنبياء والمرسلين على أنهم أرسلوا للدعوة إلى توحيد العبادة، وأن توحيد العبادة - هو غاية إرسالهم وبعثتهم، وهذه الآية كالأولى دليل إجماعي على كون توحيد العبادة هو الهدف الأسمى وهو الغاية العظمى.
الوجه الخامس: أن توحيد العبادة غاية إنزال الكتب السماوية:
لقد صرح علماء الحنفية أن توحيد العبادة كما هو غاية إرسال الرسل، كذلك غاية إنزال الكتب السماوية؛ فلم تنزل الكتب الإلهية إلا
[ ١ / ١٣٥ ]
لتحقيق توحيد العبادة والدعوة إليه، وإليك بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب:
١ - قول الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ)، وقد سبق ضمن كلامه الطويل في الوجه السابق.
٢ - وقال شيخ القرآن الفنجفيري (١٤٠٧هـ) والعلامة الرستمي، واللفظ للثاني: (وسر جميع القرآن؛ بل جميع الكتب المنزلة اختصاص العبادة له تعالى كما قال ابن كثير ﵀: والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين أي:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وكذا قيل: أنزل الله تعالى مائة كتب وأربعة؛ جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن، وجميع هذه الكتب الثلاثة في القرآن؛ وجميع معاني القرآن في المفصل، وجميع معاني المفصل في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾،
[ ١ / ١٣٦ ]
وقد مر معنا: أنه روي عن ابن عباس ﵁: «لكل شيء لباب ولباب القرآن حواميم»؛ وخلاصة الحواميم السبعة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
بل العبادة سر خلق الإنس والجن؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وهي سر بعثة جميع الرسل والأنبياء قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، ثم ذكر عدة آيات أخرى للبرهنة على ذلك، ورمز إليها بالأرقام، وأنه أول ما دعا إليه الرسل ﵈ أممهم:
انظر الأعراف ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥ وهود ٢٦، ٥٠، ٦١، ٨٤ ومريم ٤١، ٤٤، والشعراء ٧٠ - ٧٢ والعنكبوت ١٦، ١٧، ٣٦ والصافات ٨٥ -
[ ١ / ١٣٧ ]
٨٦، وغيرها؛ ثم قال: (ففي هذه المواضيع تفصيل دعوة الأنبياء ﵈ لأقوامهم إلى عبادة الله وحده؛ فثبت أن سر بعثة جميع الأنبياء هو العبادة لله وحده، فثبت أن مقصود نزول القرآن دعوة العباد إلى عبادة الله وحده والرد على الذين أشركوا مع الله في العبادات: من السجدة لغير الله، والحج، والنذر لغير الله؛ وغير ذلك من العبادات ) .
٣ - وقال العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ):
(اعلم أن الله لم يبعث رسله ولم ينزل كتبه لتعريف خلقه بأنه الخالق لهم، والرازق لهم، ونحو ذلك؛ فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل)؛ ثم ذكر عدة آيات كريمات لتحقيق أن المشركين كانوا معترفين بتوحيد الربوبية، وأن إشراكهم إنما كان في العبادة، وأن حقيقة إشراكهم هي التوسل والتشفع بالصالحين قربة وتوصلًا إلى الله تعالى، كما هو طريقة القبورية اليوم في التوسل الشركي إلى الله ﷿.
[ ١ / ١٣٨ ]
٤ - قلت: هذا الذي قاله هؤلاء العلماء الثلاثة يدل عليه كلام غيرهم من علماء الحنفية.
الوجه السادس: أن توحيد العبادة غاية الجهاد فقد استدل علماء الحنفية على ذلك بقول النبي ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» الحديث.
وقوله ﷺ:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» الحديث.
فقد سبق أن الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ﵀ استدل به على كون توحيد العبادة هو الغاية دون توحيد الربوبية.
الوجه السابع: أن توحيد العبادة غاية فتح البلاد * فيطبق بعد الجهاد على العباد؛ ليعبدوا رب العباد * ويخلعوا كل ما يعبد من دون الله من الأصنام والأوثان والطواغيت والأنداد * فقد قال ﷾:
[ ١ / ١٣٩ ]
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] .
ولعلماء الحنفية كلام في تفسير هذه الآية يدل على أن المراد من التطهير تطهير البلاد * من عبادة العباد وتخليتها من الشرك والأنداد وتحليتها بالتوحيد وعبادة رب العباد *.
الوجه الثامن: أن توحيد العبادة أول دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وقد سبق ذكر الآيات الدالة على هذا المطلوب؛ سياق كلام الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ﵀ وغيره من علماء الحنفية.
الوجه التاسع: أن توحيد العبادة كما هو أول دعوة الرسل كذلك هو آخر الرسل ووصيتهم صلى الله عليهم وسلم؛ دل عليه قوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ الآية [البقرة: ١٣٢] وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ الآية [البقرة: ١٣٣] .
قلت: لعلماء الحنفية كلام في تفسير هاتين الآيتين يدل على هذا المطلوب.
[ ١ / ١٤٠ ]
الوجه العاشر: أن توحيد العبادة أول واجب في الإسلام فقد صرح له علماء الحنفية الذين عرفوا حقيقة توحيد الرسل.
١ - ٢ - فقد تقدم قول ابن أبي العز (٧٩٢هـ)، والعلامة القاري (١٠١٤هـ) رحمهما الله تعالى وتصريحهما بهذا المطلوب:
من أن السلف كلهم متفقون على أن أول ما يجب على العبد الشهادتان، وأن التوحيد أول الأمر.
٣ - قلت: وأصرح ما يحتج به على هذا المطلوب قول النبي ﷺ في توجيهه معاذًا إلى اليمن وإرشاده ووصيته له:
«فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله» .
٤ - وللإمام البدر العينتابي (٨٥٥هـ) في شرح هذا الحديث كلام يحقق أن توحيد العبادة أول واجب على العبد.
الوجه الحادي عشر: أن توحيد العبادة - كما هو أول واجب - كذلك هو آخر واجب، فهو أول الأمر وآخر الأمر؛ فتوحيد العبادة، كما هو أول ما يدخل به العبد في الإسلام كذلك يجب عليه أن يخرج به من الدنيا.
[ ١ / ١٤١ ]
١ - صرح بذلك الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ﵀ واستدل على هذا المطلوب بقول النبي ﷺ:
«من كان آخر كلامه (لا إله إلا الله) دخل الجنة» .
٢ - وأشار إليه العلامة القاري (١٠١٤هـ) .
قلت: وأصح منه حديث عثمان ﵁ مرفوعًا:
«من مات وهو يعلم أنه (لا إله إلا الله) دخل الجنة» .
وهذا الحديث يقيد الحديث الأول وأمثاله؛ فإنه لا يكفي مجرد القول بل لا بد من العلم والاعتقاد الجازم المنافي للشك؛ كما صرح به علماء الحنفية في شرح الحديث الأول وفي شرح هذا الحديث.
٣ - قلت: لأجل أن توحيد العبادة آخر واجب على المرء - اهتم علماء الحنفية بتلقين المحتضر كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله» .
واستدلوا بحديث أبي سعيد ﵁ مرفوعًا:
«لقنوا موتاكم: (لا إله إلا الله)» .
[ ١ / ١٤٢ ]
٤ - قال الإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ) في شرح هذا الحديث:
(هذا غاية الإحسان بالمحتضر بحسب صلاح معاده، وإنما خص «لا إله إلا الله»؛ لأنه أفضل الذكر مشتمل على التوحيد ونفي الإشراك وأنوه أذكار الإسلام) .
٥ - وللعلامة القاري كلام مهم فليراجع.
الوجه الثاني عشر: أنه لا يدخل العبد في الإسلام بأية كلمة إلا بكلمة توحيد العبادة، التي هي كلمة الإسلام:
وهي كلمة: «لا إله إلا الله» دون غيرها من الكلمات:
١ - قال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) ﵀:
(اعلم أن «لا إله إلا الله» - هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام؛ فمن قالها - عالمًا بمعناها، ومعتقدًا إياها - فقد دخل في الإسلام وصار من أهل دار السلام «الجنة»؛ وأما من قال:
[ ١ / ١٤٣ ]
«لا خالق إلا الله»، أو «لا رازق إلا الله»، أو «لا رب إلا الله»، أو «لا موجود إلا الله»، أو «الله موجود»، أو نحو ذلك.
فلا يكون مسلمًا، ولا يكون من أهل دار السلام، وهذه الكلمات - وإن كانت حقًا؛ لكن يشرك في القول بها سائر الناس: من المشركين، والمجوس، والنصارى، واليهود، وغيرهم، سوى الدهرية المادية؛ كما يشهد القرآن بذلك؛ فقد ثبت بهذا التحقيق: أن الذكر النافع المنجي من عذاب الله - إنما هو: «لا إله إلا الله»؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ:
«أفضل الذكر «لا إله إلا الله»» .
[ ١ / ١٤٤ ]
فما يتداوله العوام * ومن يدعي العلم والدين من الطغام *
من قولهم: «الله موجود»، أو «لا رب إلا الله» أو «لا خالق إلا الله»، أو نحو ذلك، فليس من خصائص دين الإسلام، ولا من خصائص المسلمين؛ بل يشترك فيه المشركون، واليهود، والنصارى، والمجوس؛ فتنبه وتدبر، ولا تكن أعمى، وأصم، تقلد كل ناعق وناهق) .
٢ - وقال ﵀: (و«لا إله إلا الله» - هي كلمة الإخلاص المنافية للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله ) .
٣ - وقال رحمه الله تعالى: ( ولهذا كانت هذه الكلمة كلمة الإسلام * ومفتاح دار السلام * والفارق بين المؤمنين والكافرين من الأنام *) .
٤ - قلت: من الكلمات التي ظنها كثير من الأعلام * فضلًا عن العوام الطغام * مفيدة للتوحيد، وتتردد على ألسنتهم وتستطر في كتبهم:
كلمة: «لا مقصود إلا الله»؛ مع أنها من خرافات الصوفية * ومصطلحاتهم الخرافية؛ فإنهم يزعمون: أنهم يعبدون الله تعالى لله؛ لا طمعًا في الجنة ولا نجاة من النار
[ ١ / ١٤٥ ]
والذين يعبدون الله طمعًا في الجنة وخوفًا من النار - فهم في الحقيقة ليسوا من الموحدين الكاملين، بل هم من الأجراء العمال العاملين؛ لأن كل ما هو مقصود فهو معبود.
٥ - وهذا في غاية من الفساد والإفساد * والضلال والإضلال * ومناقض لمنهج الأنبياء والمرسلين، فهو في نهاية من الإبطال *؛ فقد قال ﷾: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] . وقال سبحانه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وللإمام الآلوسي (١٢٧٠هـ) كلام في تفسير هاتين الآيتين لتحقيق أن العبادة لرجاء الجنة وخوف النار لا ينافي الإخلاص المقصود في التوحيد والكمال، وللإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) كلام مهم في الرد على هؤلاء الصوفية وقد صرح الحنفية أن الإيمان بين الخوف والرجاء.
[ ١ / ١٤٦ ]
٦ - وقال العلامة القاري (١٠١٤هـ) محققًا أن كلمة الإسلام هي: «لا إله إلا الله» دون غيرها:
(وإنما جاء الأنبياء ﵈ لبيان التوحيد، وتبيان التفريد؛ ولذا أطبقت كلمتهم، وأجمعت حجتهم على كلمة «لا إله إلا الله»، ولم يؤمروا بأن يأمروا أهل ملتهم بأن يقولوا: «الله موجود»؛ بل قصدوا إظهار أن غيره ليس بمعبود؛ ردا لما توهموا وتخيلوا؛ حيث قالوا:
﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
و﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ) .
الوجه الثالث عشر:
أن توحيد العبادة مستلزم ومتضمن لتوحيد الربوبية دون العكس.
فمن لم يحقق توحيد العبادة، واكتفى بتوحيد الربوبية - كان كافرًا من الكافرين * ومشركًا من المشركين * وقد صرح بذلك علماء الحنفية:
١ - قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ):
(فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية الذي يقر به هؤلاء النظار؛ ويفنى فيه كثير من أهل التصوف؛ ويجعلونه غاية السائلين، وهو مع ذلك لم يعبد الله وحده، و[لم] يتبرأ من عبادة ما سواه كان مشركًا من جنس أمثاله من المشركين) .
[ ١ / ١٤٧ ]
٢ - وقد سبق كلام الإمام ابن أبي العز والعلامة نعمان الآلوسي في أن توحيد العبادة متضمن ومستلزم وقوعًا لتوحيد الربوبية دون العكس.
٣ - وقال العلامة القاري (١٠١٤هـ):
الحاصل: أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية، دون العكس في القضية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
وقوله سبحانه حكاية عنهم:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ) .
قلت: هذه كانت أحد عشر كوكبًا؛ والشمس والقمر:
ميزات وخصائص كبرى لتوحيد العبادة وهي تدل على أهميته إلى الغاية؛ وأنه هو الغاية العظمى والمقصد الأسنى، والهدف الأسمى والمطلب الأعلى، الجامع المتضمن لتوحيد الربوبية، المستلزم لتوحيد الأسماء والصفات.
وهذا يدل على أن القبورية الذين عبدوا القبور وأهلها بأنواع من العبادات من الاستغاثة بهم والنذر لهم، والغلو فيهم ونحوها قد أخلوا بأعظم الغاية على الإطلاق، وأشركوا بالله في أهم المطالب بالاتفاق.
وبعد أن عرفنا أهمية توحيد العبادة - ننتقل إلى الفصل الآتي لنعرف أركان توحيد العبادة وشروط صحته وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٤٨ ]