في جهود علماء الحنفية في إبطال عقيدة
القبورية باتحاد وتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية
لعلماء الحنفية جهود في الرد على عقيدة القبورية، وإبطال جعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية، وجعل توحيد الربوبية هو الغاية؛ ويحسن أن أعرض بعض جهود علماء الحنفية في الجواب عن جعل القبورية توحيد الربوبية هو الغاية، وإبطال عقيدتهم في جعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية في وجوه؛ ليكون كل وجه جوابًا عن قولهم وإبطالًا لعقيدتهم؛ فأقول وبالله التوفيق.
الوجوه: الأول إلى الثالث عشر:
لقد سبق أن ذكرت جهود علماء الحنفية في بيان أهمية توحيد الألوهية وعرضت كلامهم في ثلاثة عشر وجهًا؛ كلها تدل على الفروق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية وهذه الوجوه كل واحد منها برهان قاطع وسلطان باهر على أن توحيد الألوهية غير توحيد الربوبية وكل هذه الوجوه حجج ساطعة على أن المقصود الأعظم والغاية العظمى والهدف الأسمى والمطلب الأسنى الأعلى من خلق الجن والإنس، ومن إنزال الكتب وإرسال الرسل - هو توحيد العبادة المتضمن لتوحيد الربوبية.
[ ١ / ١٩٧ ]
فلا حاجة إلى إعادة تلك الوجوه هنا.
الوجه الرابع عشر:
أن الرب والإله مفهومان متغايران لغة؛ وليسا مترادفين حتى يكونا بمعنى واحد ويتحدا مفهومًا:
وفيما يلي كلام علماء اللغة من الحنفية:
أ- أما لفظ: «الرب»:
فهو ينبئ عن القيام بالشيء وإصلاحه، وحفظه، وتنميته، وكون الشيء مالكًا لآخر ومتصرفًا له وسيدًا له وسائسًا له، ومصلحًا، حافظًا وقائمًا بأموره.
ب- وأما لفظ: «الإله»:
فهو فعال بمعنى مفعول؛ أي «مألوه» بمعنى: «معبود»؛ كإمام: بمعنى: مؤتم به:
من أله يأله إلهة وتألهًا:
أي: عبد يعبد عبادة وتعبدًا.
ومنه قول رؤبة بن العجاج (١٤٥هـ):
لله در الغانيات المده سبحن واسترجعن من تألهي
[ ١ / ١٩٨ ]
أي: من تعبدي.
و«المده» جمع «ماده» كركع جمع راكع، من «المده» وهو المدح.
ومنه قراءة ابن عباس ﵄: «ويذرك وإلهتك» [الأعراف: ١٢٧]: أي: عبادتك.
قلت: لقد تبين من نصوص هؤلاء الحنفية من أهل اللغة:
أن «الرب» و«الإله» مفهومان متغايران لغة.
إذن لا يصح أن يكون «الرب» و«الإله» من المترادفات.
وأما تغايرهما اصطلاحا فبيانه في الوجه الآتي.
الوجه الخامس عشر:
أن: «الإله» و«الرب» مفهومان متغايران اصطلاحا كما أنهما متغايران لغة:
لقد تبين في الوجه السابق أن «الرب» و«الإله» مفهومان متغايران لغة؛ وأريد أن أذكر كلام الحنفية لتحقيق أنهما متغايران اصطلاحا أيضًا ليتبين أن جعل القبورية توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية باطل لغة واصطلاحًا:
أ- فأما «الإله» اصطلاحا فهو لا يختلف معناه عما كان معناه لغة؛
[ ١ / ١٩٩ ]
فالإله اصطلاحا - كما صرح به الحنفية -:
«كل معبود سواء كان حقا أم باطلا»، بخلاف «الله»؛ فإنه لا يطلق إلا على «الإله الحق»، وهو الله ﷾.
وقد اعترف بهذه الحقيقة بعض أئمة القبورية أيضًا:
ب- وأما «الرب» معرفًا باللام مطلقًا عن الإضافة؛ فلا يطلق إلا على الله ﷾، وهو الاصطلاح المعروف المشهور؛ بخلاف «الإله» .
فإنه يطلق على «المعبود» بالحق وعلى «المعبود» بالباطل، وأما إذا أضيف «الرب» وصار مقيدًا فيطلق على غير الله نحو «رب الدار»، نعم أطلق «الرب» بدون الإضافة على غير الله تعالى في الشعر لا في النثر، ولكنه نادر شاذ فلا اعتبار له؛ لأنه لم يصدر إلا مرة واحدة من شاعر واحد.
الوجه السادس عشر:
أنه قد تبين من الوجهين السابقين اللذين ذكرت فيهما كلام علماء الحنفية من أهل اللغة في بيان معنى «الرب» و«الإله» لغة واصطلاحًا؛ ومن النصوص التي ذكرت عن علماء الحنفية في فصل أهمية توحيد الألوهية:
أن كلمة الإسلام هي: «لا إله إلا الله»؛ وأنه لا يمكن لأحد أن
[ ١ / ٢٠٠ ]
يدخل في دين الإسلام إلا بكلمة:
«لا إله إلا الله» .
وأما غيرها من الكلمات مثل:
١ - «لا رب إلا الله» .
٢ - «لا خالق إلا الله» .
٣ - «لا رازق إلا الله» .
٤ - «لا موجود إلا الله» .
٥ - «لا مقصود إلا الله» .
٦ - «الله موجود» .
٧ - «الله إله» .
ونحو ذلك من الكلمات.
فلا يدخل بها المرء في الإسلام البتة؛ لأن هذه الكلمات لا تفرق بين الإسلام والكفر؛ وليست هي مفترق الطرق بين المسلمين والكافرين؛ لأن جميع الكفار يعترفون بهذه الكلمات.
بل بعضها من كلمات الملاحدة الصوفية الاتحادية الوجودية والحلولية.
قلت: هذا كله حجة قاطعة على أن توحيد الألوهية غير توحيد الربوبية، إذن لا يصح جعل توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية.
يوضحه الوجه الآتي.
[ ١ / ٢٠١ ]
الوجه السابع عشر:
أنه كما تبين من الوجوه السابقة ولا سيما كلام الحنفية في الوجهين:
الرابع عشر والخامس عشر:
أن «الإله» غير «الرب» لغة واصطلاحًا، وأنهما مفهومان متغايران، وليسا اسمين مترادفين؛ كذلك تبين أنه لا يصح أن يكون معنى كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله»: «لا رب إلا الله»؛ فلو كان معنى «توحيد الربوبية» بعينه معنى «توحيد الألوهية» لصح أن يكون معنى «لا إله إلا الله» هو: «لا رب إلا الله»؛ لكن التالي باطل فالمقدم مثله، وإذا لم يجز أن يكون معنى «لا إله إلا الله» هو «لا رب إلا الله» لزم أن لا يصح كون «توحيد الألوهية» عينًا لتوحيد الربوبية؛ لكن المقدم حق فالتالي مثله.
بل قد صرح علماء الحنفية أن المعنى الصحيح لكلمة «لا إله إلا الله» هو: «لا معبود بحق إلا الله»، ولا يصح معنى آخر لهذه الكلمة العظيمة.
كما لا يصح أن يقال في معناها:
«لا إله موجود إلا الله»، أو «لا إله في الوجود إلا الله»؛ لأنه يكذبه الواقع؛ لأن الله تعالى قد أخبر عن وجود آلهة كثيرة متعددة غير الله تعالى ولا يمكن التخلص عن هذا الإشكال إلا إذا قلنا: إن معناها: «لا إله بحق
[ ١ / ٢٠٢ ]
إلا الله»؛ لأن تلك الآلهة كلها باطلة وإنما الإله الحق هو الله وحده» .
الحاصل: أنه قد تبين من كلام الحنفية في الوجهين البالغين، وغيرها من الوجوه السابقة أن الفرق بين «الرب» وبين «الإله» واقع واضحًا لغة واصطلاحًا، فهما مفهومان متغايران لا أنهما اسمان مترادفان بمعنى واحد؛ وهذه كلها حجج باهرة وبراهين قاهرة على أن جعل القبورية توحيد الألوهية عينًا لتوحيد الربوبية باطل أيما بطلان.
الوجه الثامن عشر:
أن علماء الحنفية الرادين عقائد القبورية قد صرحوا وحققوا بنصوص الكتاب والسنة واستنادًا إلى تاريخ الوثنية وسبر عقائد المشركين:
أن المشركين كافة بألوانهم وأصنافهم، ولا سيما مشركي العرب لم ينكروا توحيد الربوبية والخالقية والرازقية لله سبحانه؛ بل كانوا يعترفون ويقرون:
بأن الله تعالى هو وحده: الرب الخالق الرازق المالك المدبر للأمور المتصرف في العالم نافذ المشيئة في الكون، وهو يحيي ويميت ويجيب المضطر، وحده لا شريك له، فلا راد لقضائه ولا دافع لأمره.
وقد ذكر كثير من علماء الحنفية كثيرًا من الآيات القرآنية التي تنص على اعتراف المشركين وإقرارهم:
بأن الله تعالى هو وحده الخالق الرازق المالك المحيي المميت المدبر للأمور المتصرف في الكون، ونحوها من المعارف التي تتعلق
[ ١ / ٢٠٣ ]
بتوحيد الربوبية.
قال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) موردًا عدة للبرهنة على اعتراف المشركين؛ محققًا الفرق بين التوحيدين، قاطعًا دابر القبورية الجهلاء في ذلك:
(ومن بلغت به الجهالة والعماية * إلى هذه الغاية * فقد استحكم على قلبه الضلال والعناد * ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد *، ومن له أدنى نهمة في العلم والتفات إلى ما جاءت به الرسل يعرف: أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم التي عبدوها مع الله تعالى إلا التسبب والتوسل والتشفع؛ ليس إلا؛ ولم يدعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله) .
ثم ذكر عدة آيات على ذلك ثم قال:
(ولم يريدوا منهم تدبيرًا ولا تأثيرًا ولا شركة ولا استقلالًا؛ يوضحه قوله تعالى:
[ ١ / ٢٠٤ ]
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]؛ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] وقوله: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦١-٦٣]، فتأمل هذه الآيات * وما فيها من الحجج والبينات * تطلعك على جهل هذا العراقي وأمثاله، وأنهم ما عرفوا شرك المشركين * وما كانوا عليه من القصد والدين *؛ ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله وأتباعهم من توحيد رب العالمين *) .
وقال رحمه الله تعالى أيضًا مبينًا جهل القبورية بحقيقة التوحيد والشرك، محققًا الفرق بين التوحيدين: (إنه [ابن جرجيس] لم يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ فلذا خبط خبط عشواء؛ وإذا بسطنا ذلك يتبين فساد قوله وبطلانه حتى لصغار المتعلمين؛ - فنقول - وبالله التوفيق *
[ ١ / ٢٠٥ ]
وبيده أزمة التحقيق *: توحيد الربوبية: هو الذي أقرت به الكفار جميعهم؛ ولم يخالف أحد منهم في هذا الأصل إلا الثنوية وبعض المجوس؛ وأما غيرهما من سائر فرق الكفر والشرك - فقد اتفقوا على أن خالق العالم، ورازقهم، ومدبر أمرهم، ونافعهم، وضارهم، ومجيرهم واحد، لا رب، ولا خالق، ولا رازق ولا مدبر، ولا نافع ولا ضار، ولا مجيد غيره كما قال ﷾: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، ولا يستقيم التوحيد للربوبية فضلًا عن توحيد الألوهية إلا بتوحيد الصفات المترتب على الذات؛ لأن صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، وأهل الكلام يسمون هذا النوع من التوحيد توحيد الأفعال؛ لما ذكره بعض المحققين: أن صفة الربوبية تستلزم جميع صفات الفعل؛ وصفة الألوهية تستلزم جميع أوصاف الكمال والجلال؛ إلى آخر ما قال.
وأما توحيد الألوهية فهو إفراد العبادة لله الواحد الصمد؛ لأن «الإله» من يقصد للعبادة ويعامل بما يجب على المكلفين ؛ وإذا علمت هذا تبين لك: أن المعركة بين أهل التوحيد والمشركين في الألوهية فقط ؛ فقد تبين لك أن أكثر المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ وإنما أشركوا في الألوهية؛ وعلى ذلك كتب العقائد السلفية والحديث والتفسير؛ والحكم باتحاد التوحيد نشأ من جهل هذا العراقي لكتاب الله وسنة رسوله [ﷺ]؛ وتقليده الأعمى للذين زعموا أنفسهم علماء ومؤلفين من المقلدين أمثاله الذين كل مؤلفاتهم أو أكثر ما فيها ضلال وبعد عن الهدى؛ أو نشأ من حبه لضلاله واتباعه لهواه) .
[ ١ / ٢٠٦ ]
الوجه التاسع عشر:
أن علماء الحنفية قد صرحوا استنادًا إلى نصوص الكتاب والسنة وحقيقة الشرك والتوحيد ومعرفة تاريخ الوثنية: أن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم التي كانوا يعبدونها: أنها خالقة، رازقة مالكة لهم، مدبرة لأمورهم، متصرفة في شئونهم ولم يعتقدوا فيها القدرة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر، بدون إذن من الله وبدون عطاء من الله سبحانه؛ فلم يجعلوا آلهتهم شريكة مع الله سبحانه في الخلق والرزق والتدبير والتصرف في الكون والربوبية للعالم، والإحياء والإماتة ونحوها من المعارف.
قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) والعلامة نعمان الآلوسي (٣١٧هـ) واللفظ للأول بعد ذكرهما عدة نصوص قرآنية على اعتراف المشركين:
(ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم؛ بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا كان أصل شرك العرب ) .
الوجه العشرون:
أن المشركين لم يعبدوا آلهتهم - لأجل اعتقادهم فيهم:
[ ١ / ٢٠٧ ]
أنهم قادرون على النفع والضر والتدبير بذاتهم استقلالًا دون الحاجة إلى الله تعالى ودون إذن الله سبحانه، ودون عطاء الله تعالى لهم.
الوجه الحادي والعشرون:
أن المشركين لم يعبدوا الأحجار والأشجار لذاتها ولا اعتقدوا فيها الألوهية فضلًا عن الربوبية؛ فإن هذا لم يصدر عن عاقل قط؛ إذ لا يتصور أن ينحت الشخص حجرًا ونحوه ويجعله صنمًا ثم يعتقد فيه أنه إلهه فضلًا عن أن يعتقد فيه أنه خالقه ورازقه وربه.
الوجه الثاني والعشرون:
أن المشركين إنما أشركوا بالله تعالى شرك الشفاعة والتوسل إلى الله تعالى بعباده الصالحين؛ فظنوا أنهم لا يمكن لهم الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة الصالحين الذين لهم مكانة عند الله، وأن الله تعالى لا يرد شفاعتهم لمنزلتهم عنده؛ وكانوا يقيسون الله تعالى بملوك الدنيا؛ فزعموا أنه كما لم يكن يمكن الوصول لعامة الناس إلى الملوك إلا بواسطة الأمراء والوزراء؛ فكذلك عامة العباد لا يمكن لهم الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة عباد الله المقربين عنده، وعلى هذا الأساس صوروا لهم الصور ونحتوا لهم التماثيل تذكارًا لهم وجعلوها قبلة للتوجه إلى هؤلاء الصالحين المقربين، فكانوا على هذا الأساس يدعونهم ويستغيثون بهم في المهمات وينذرون لهم ويعبدونهم بأنواع العبادات؛ وهذه العقيدة الفاسدة في التوسل والواسطة والاستشفاع بعينها هي عقيدة القبورية اليوم
[ ١ / ٢٠٨ ]
حذو القذة بالقذة.
وقد ذكرت كثيرًا من نصوص علماء الحنفية بنصها وفصها متفرقة في عدة مواضع من هذه الرسالة؛ فلا حاجة لسردها هاهنا.
وسأذكر كثيرًا منها في هذه الرسالة لمس الحاجة إلى ذكرها عند المناسبة كما سأذكر نصوص علماء الحنفية على أن القبورية في توسلهم الشركي وواسطتهم الشركية على طريقة أسلافهم المشركين السابقين حذو
[ ١ / ٢٠٩ ]
النعل بالنعل.
وأقول: الحاصل: أن المشركين لما كانوا معترفين بتوحيد الربوبية وإنما كان خلافهم في توحيد الألوهية؛ ثبت أن توحيد الربوبية غير توحيد الألوهية.
إذا بطل قول القبورية؛ في جعلهم توحيد الألوهية عينًا لتوحيد الربوبية وثبت أيضًا أن الرسل ما أرسلت والكتب ما أنزلت وأن الجن والإنس ما خلقوا إلا لتحقيق توحيد الألوهية، فتبين أن الغاية إنما هي توحيد الألوهية لا توحيد الربوبية، ولله الحمد.
الوجه الثالث والعشرون:
أن المشركين - كما صرح الحنفية - كانوا يدعون الله تعالى عند الشدائد ولا يدعون آلهتهم الباطلة عند إلمام الملمات والكربات.
وقد استدل كثير من الحنفية بكثير من تلك الآيات التي تدل على أن المشركين كانوا يستغيثون بالله وحده عند الكربات.
وقد ذكر الحنفية بهذه المناسبة عدة قصص للمشركين.
الأولى: قصة إسلام عكرمة:
فقد فر عند فتح مكة وركب البحر وأخذتهم الريح فجعل أهل
[ ١ / ٢١٠ ]
السفينة يدعون الله تعالى ويوحدونه وقالوا: إن هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى فقال عكرمة: فهذا إله محمد ﷺ الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا؛ فرجع فأسلم.
القصة الثانية: قصة التجاء قريش وعلى رأسهم عبد المطلب حينما غزا أبرهة الأشرم مكة لهدم الكعبة:
فلقريش عامة ولعبد المطلب خاصة عجائب في التضرع والاستغاثة بالله تعالى وقد ذكر الحنفية شطرًا من تضرع قريش والتجائهم إلى الله وحده.
ولهم في ذلك أشعار يستغيثون فيها بالله تعالى؛ منها أبيات لعبد المطلب:
لاهم إن المرء يم نع رحله فامنع رحالك
وانصر على آل الصلي ب وعابديه اليوم آلك
عمدوا حماك بكيدهم جهلًا وما رقبوا جلالك
يا رب لا أرجو لهم سواكا يا رب فامنع عنهم حماك
[ ١ / ٢١١ ]
إن عدو البيت من عاداك امنعهم أن يخربوا فناك
القصة الثالثة:
أن أهل مكة لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة وقالوا:
«اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى القبيلتين وأكرم الحزبين بأفضل الدين» .
الحاصل:
أن هذه النصوص التي ذكرها علماء الحنفية عن المشركين تدل دلالة قاطعة أنهم لم يكونوا مشركين في ربوبية الله تعالى وخالقيته ومالكيته وتدبيره للكون؛ وإنما كان إشراكهم في توحيد الألوهية؛ فتبين الفرق بين التوحيدين وبطل جعل أحدهما عين الآخر كما هو زعم القبورية الباطل.
الوجه الرابع والعشرون:
أن الحنفية ذكروا أن المشركين كانوا على بقية من بقايا الملة الإبراهيمية وكانوا يسمون أنفسهم الحنفاء؛ وكانوا يعبدون الله تعالى ببعض العبادات.
كالصلاة والحج والصوم ويعظمون الله تعالى بأفعال تعظيمية ولا سيما السجود وأقوال من الذكر والدعاء؛ والطهارة والغسل من الجنابة، وكان فيهم الزكاة، وقرى الضيف والاهتمام بابن السبيل وحمل الكل والصدقة على المساكين وصلة الأرحام والإعانة على نوائب الحق والذبح في الحلق واللبة وكانوا يحرمون المحارم كالأم والبنت والأخت وكان فيهم القصاص
[ ١ / ٢١٢ ]
والدية والقسامة، وعقوبات الزنا والسرقة ونحوها من بقايا الملة الإبراهيمية؛ بل كانوا يسلمون جواز بعثة الأنبياء ويقولون بالمجازاة ويعتقدون أصول أنواع البر وكثيرًا في الشعائر كالختان ونحوه.
الحاصل:
أن كل هذا يدل دلالة لا تحتمل النقيض:
أن المشركين كانوا يعبدون الله تعالى أيضًا بكثير من العبادات الظاهرة والباطنة؛ وأنهم لم يكونوا مشركين بالله آلهتهم في الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية؛ وهذا كله برهان أيما برهان على الفرق بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية؛ وحجة قاهرة على بطلان جعل هذين التوحيدين شيئًا واحدًا.
الوجه الخامس والعشرون:
أن علماء الحنفية قد ذكروا:
أن المشركين كانوا إذا حجوا يلبون لله ﷿ بهذه التلبية:
«لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»، وكانوا إذا «قالوا: «لبيك لا شريك لك»؛ قال لهم رسول الله ﷺ: ويلكم قد قد؛»
[ ١ / ٢١٣ ]
«فيقولون: «إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك» *» وقد ذكر بعض الحنفية تلبيتهم هذه في صورة الرجز:
* لبيك لا شريك لك * إلا شريكًا هو لك * تملكه وما ملك.
قال علماء الحنفية في شرح قول المشركين: «تملكه وما ملك» .
إن كلمة: «ما» تحتمل وجهين:
الأول: أن تكون نافية؛ فالمعنى: أنهم يعترفون بأن الله تعالى هو المالك وأن آلهتهم لا تملك شيئًا.
والثاني: أن تكون موصولة عطف على الضمير المنصوب المتصل؛ فيكون المعنى: أن الله تعالى هو مالك آلهتهم ومالك ما تملك آلهتهم أيضًا.
وقال العلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) في شرح هذه التلبية ردًّا على مزاعم القبورية ولا سيما ابن جرجيس العراقي:
(وهذا الأحمق زاد في غير موضع في كتابه قيدًا؛ فقال: «لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله» .
مع أن في تلبية المشركين في الجاهلية:
«لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك»؛ فهؤلاء لم يدعوا الاستقلال، وعلى زعم هذا [العراقي] فليسوا بمشركين) .
[ ١ / ٢١٤ ]
ولذلك قال الإمام ابن أبي العز في بيان عقائد المشركين وحقيقة شركهم:
(ولم يكونوا يعتقدون في أصنامهم أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم في مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم؛ تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا كان أصل شرك العرب ) .
قلت: الحاصل: أن القبورية في دعواهم: أن المشركين إنما كان إشراكهم لأجل اعتقادهم في آلهتهم الاستقلال بالنفع والضرر غير صادقين كما أنهم في قولهم باتحاد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية على باطل محض.
الوجه السادس والعشرون:
أن توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، ولا عكس؛ كما سبق تقريره في كلام الحنفية.
ولا شك أن المتضمن بصيغة اسم الفاعل غير المتضمن بصيغة اسم المفعول لأن الأول كل، والثاني جزء له.
ولا شك أن الكل غير الجزء، والجزء غير الكل؛ ومن لم يفرق بين
[ ١ / ٢١٥ ]
الكل والجزء وقال باتحادهما فقد هذى هذيان المحمومين * وانحط من عقلاء المجانين * وقد تبين من هذا أن توحيد الألوهية إذا وجد وجد توحيد الربوبية؛ لأن وجود الكل يستلزم وجود الجزء ولا عكس؛ فإن توحيد الربوبية قد وجد عند المشركين ومع ذلك هم مشركون في توحيد العبادة كما سبق تقريره غير مرة.
الوجه السابع والعشرون:
أن توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية مدلول لتوحيد الربوبية؛ كما صرح بذلك علماء الحنفية؛ وهذا حجة وبرهان ودليل وسلطان على أن توحيد الألوهية غير توحيد الربوبية؛ أنه لا شك أن الدليل غير المدلول والمدلول غير الدليل؛ ومن زعم أن الدليل والمدلول شيء واحد فقد حكم على نفسه بالجنون * ولكن الجنون أنواع وفنون *.
فقد صرح علماء الحنفية أن الله تعالى احتج على المشركين لأجل اعترافهم بربوبيته وخالقيته ومالكيته في مواضع لا تحصى من كتابه ليوحدوه في ألوهيته؛ لأنهم يسلمون في الأول دون الثاني؛ فاحتج الله تعالى بالأول على الثاني ليسكتهم ويفحمهم ويلجئهم إلى الاعتراف بالثاني، وهذه طريقة محكمة غاية الإحكام في باب المناظرة.
وإليك نصين مهمين للعلامة الآلوسي (١٣٤٢) في ذلك.
[ ١ / ٢١٦ ]
١ - قال ﵀ في تحقيق أن الله تعالى احتج على المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية؛ ليعترفوا بتوحيد العبادة؛ وذلك بعد ذكره لعدة آيات فيها استدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية:
(تأمل كيف استدل ﷾ على توحيد إلهيته ووجوب عبادته وحده لا شريك له بما أقر به الخصم واعترف به من توحيد ربوبيته واستقلاله بالملك والخلق والتأثير والتدبير؛ وهذه عادة القرآن دائمًا: يعرج على هذه الحجة؛ لأنها من أكبر الحجج، وأوضحها، وأدلها على المقصود؛ فسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة، والفصاحة، والجلالة، والفخامة، والدلالة والظهور؛ فأي شبهة بعد هذا تبقى للمماحل المغرور) .
٢ - وقال رحمه الله تعالى: محققًا أن توحيد الربوبية دليل على توحيد الألوهية وأن الله تعالى قد احتج على المشركين بهذه الحجة القاهرة الباهرة:
(إنه [ابن جرجيس] لم يفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فلذا خبط خبط عشواء ؛ توحيد الربوبية هو الذي أقرت به الكفار جميعهم ؛ فقد اتفقوا على أن خالق العالم ورازقهم ومدبر أمرهم ونافعهم وضارهم ومجيرهم واحد؛ لا رب ولا خالق ولا رازق ولا مدبر ولا نافع ولا ضار ولا مجير غيره..؛ وأما توحيد الألوهية فهو إفراد العبادة لله الواحد الصمد؛ إذا علمت هذا تبين لك أن المعركة بين أهل التوحيد والمشركين في الألوهية فقط ؛ وجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم
[ ١ / ٢١٧ ]
دعوا إلى توحيد الله وعبادته، وقد رد الله سبحانه على من خالف هذا الأصل، وحكم على الوصل بحكم الفصل، وهم المشركون الذين وحدوه بالربوبية، وأشركوا به في الألوهية توحيدهم؛ فأقامه حجة بالغة وسلطانًا مبينًا قامعًا للشرك في الألوهية، موجبًا لإفراده فيها أيضًا، وأنه ينبغي أن لا يعبد غيره، كما أنه لا خالق غيره ولا رب سواه؛ فقد تبين لك أن أكثر المشركين كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وإنما أشركوا في الألوهية، وعلى ذلك كتب العقائد السلفية والحديث والتفسير.
والحكم باتحاد التوحيدين نشأ من جهل هذا العراقي لكتاب الله وسنة رسوله [ﷺ] .
الوجه الثامن والعشرون:
أن الفرق بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية، جوهري؛ لأن توحيد الربوبية توحيد بأفعال الله تعالى، مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الكون والتصرف في الخلق وإنزال المطر وإنبات النبات، وغيرها من أفعال الله تعالى الخاصة به ﷾.
أما توحيد الألوهية فهو توحيد بأفعال العبد؛ مثل الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والصوم والصلاة والحج والزكاة وغيرها من أنواع العبادات الظاهرة والباطنة وهذا التوحيد هو الذي وقع فيه النزاع في قديم العصر وحديثه، وأنكر المشركون قديمًا وحديثًا، وهذا التوحيد هو معنى:
«لا إله إلا الله» .
[ ١ / ٢١٨ ]
الوجه التاسع والعشرون:
أن الفرق بين توحيد الربوبية وبين توحيد الألوهية؛ وتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام:
توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات - موجودان - قبل شيخ الإسلام - عند أئمة الحنفية الكبار الأعلام؛ فكيف يصح زعم القبورية أن هذا التقسيم من بدع ابن تيمية، ومخترعاته؟
وإليك بعض نصوص هؤلاء الأئمة للحنفية في صحة هذا التقسيم وفي صحة الفرق بين هذين التوحيدين؛ إتمامًا للحجة وإيضاحًا للمحجة:
١ - ٤ - قال الإمام الطحاوي (٣٢١هـ) في بيان عقيدة الأئمة الثلاثة للحنفية على الإطلاق:
أبي حنيفة (١٥٠هـ) وأبي يوسف (١٨٢هـ) ومحمد (١٨٩هـ) رحمهم الله تعالى:
(نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره) .
قلت: تدبر رحمك الله كلام هؤلاء الأئمة؛ فإن قولهم: «إن الله واحد لا شريك له» توحيد إجمالي ونفي الشرك، وقولهم: «ولا شيء مثله» هو توحيد الأسماء والصفات، وقولهم: «ولا شيء يعجزه» هو توحيد
[ ١ / ٢١٩ ]
الربوبية، وقولهم: «ولا إله غيره» هو توحيد الألوهية.
أو يقال: إن الجملة الأولى: توحيد الربوبية؛ والجملتين بعدها: توحيد الأسماء والصفات، والجملة الأخيرة: توحيد العبادة.
قال الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ) ﵀ في شرح الجملة الأخيرة محققًا أن هذه توحيد العبادة:
(قوله: «ولا إله غيره» هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم كما تقدم ذكره ) .
٥ - وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ (١٥٠هـ) أيضًا:
(من قال: «لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض» فقد كفر؛ وكذا من قال: «إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أو في الأرض؟» والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء) .
ثم ذكر ﵀ حديث الجارية في البرهنة على صفة العلو
[ ١ / ٢٢٠ ]
والاستواء.
قلت: والشاهد أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد صرح بالتوحيدين في هذا النص: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؛ حيث عطف الثاني على الأول، وهذا دليل قاطع على تغايرهما وأنهما ليسا شيئًا واحدًا.
٦ - وقال أبو منصور الماتريدي (٣٣٣هـ) في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]:
(أي ما لكم من إله تثبت ألوهيته وربوبيته بالدلائل والحجج، والبراهين غيره تعالى) .
٧ - ونقله الناصري (٦٥٢هـ) وأقره.
قلت: الشاهد أن الماتريدي ثم الناصري - وهما من كبار الحنفية قد صرحا بذكر الألوهية والربوبية، وقد عطفا الثانية على الأولى؛ فدل ذلك على أن الربوبية غير الألوهية؛ فثبت: أن توحيد الألوهية غير توحيد الربوبية، وأنهما ليسا شيئًا واحدًا، وهؤلاء الأئمة للحنفية كلهم كانوا قبل شيخ الإسلام بقرون متطاولة؛ فهل يصح هذيان القبورية أن الفرق بين هذين التوحيدين من بدع ابن تيمية ومخترعاته؟
بل نص الإمام ابن بطة على هذا التقسيم وهو توفي قبل شيخ الإسلام بقرون (٣٨٧هـ) .
[ ١ / ٢٢١ ]
الوجه الثلاثون:
أن الشيخ أبا غدة الكوثري الذي له ولاء وثقة بأئمة القبورية وهو من كبار علماء الحنفية قد صرح بأن تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن الفرق بينهما، وتحقيق أن المشركين كانوا يؤمنون بالأول دون الثاني كل ذلك ثابت بالكتاب والسنة؛ وهذا نص كلامه بحرفه ونصه * ولفظه وفصه *:
(وأما تقسيم التوحيد إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة:
شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية فهذا تقسيم اصطلاحي استقاه العلماء مما جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى:
مما رد الله تعالى به على المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية، دون توحيد الألوهية؛ وفي سورة الفاتحة التي يقرأها المسلم في صلاته مرات كل يوم دليل على ذلك؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) .
قلت: بعد أن شهد شاهد من أهلها - وقد كذبهم شاهدهم في طاماتهم - هل يمكن للقبورية أن يقولوا: إن تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية والفرق بينهما لا يدل عليهما الكتاب والسنة؟
ستعلم ليلى أي دين تدينت وأي غريم في التقاضي غريمها
[ ١ / ٢٢٢ ]
وبعد أن ثبت صحة هذا التقسيم والفرق بين التوحيدين وأن الغاية هي توحيد العبادة ننتقل إلى الفصل الآتي للرد على شبهات القبورية بحول الله.
*****
[ ١ / ٢٢٣ ]