في أركان توحيد الألوهية وشروط صحته
وفيه مبحثان:
- الأول: في بيان أركان توحيد الألوهية.
- الثاني: في بيان شروط صحة توحيد الألوهية.
[ ١ / ١٤٩ ]
المبحث الأول
في بيان أركان توحيد العبادة
بعد أن عرفنا أهمية توحيد العبادة وميزاتها لا بد أن نعرف أركانه لنعلم أن توحيد العبادة مركب من جزئين هما ركنان له وليكون هذا كله أبلغ رد على القبورية فإنهم قد أخلوا بأركان توحيد العبادة وأشركوا بالله تعالى.
فأقول: إن علماء الحنفية قد صرحوا أن توحيد العبادة متركب من ركنين أساسيين وجزئين مهمين، لا يمكن وجوده إلا بهما ولا قوام له إلا بوجودهما معًا؛ وهما كما يلي:
الركن الأول: النفي؛ أي نفي جميع ما يعبد من دون الله، باعتقاد أن كل إله غير الله، فهو باطل؛ فلا يستحق العبادة أحد غير الله تعالى؛ وإذا لم يتحقق هذا الركن الأول لم يتحقق توحيد العبادة البتة.
الركن الثاني: الإثبات؛ أي إثبات أن الله تعالى هو وحده إله حق، مستحق للعبادة وحده لا شريك له فكلمة الإسلام مركبة من جزئين هما ركنان لها.
الأول: «لا إله» وهو النفي، والثاني: «إلا الله»، وهو الإثبات.
ووجه تقديم النفي على الإثبات ما قاله العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) بعد ذكر أن الأغذية لا تنفع ما دام المرض موجودًا:
[ ١ / ١٥١ ]
(فكذلك الإنسان ما دام مبتلى بمرض القلب بالشرك ونحوه لا تنفعه عبادة وطاعة أصلًا.
ولهذا أجمعوا على أن التخلية مقدمة على التحلية، وهذا هو معنى «لا إله إلا الله» .
تنفي أولًا الآلهة الأنفسية والآفاقية، ثم تثبت الإله الواحد الأحد الحق الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد) .
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية لتحقيق هذا المطلوب:
١ - قال الإمام ابن أبي العز (٧٩١هـ)، في شرح قول الإمام الطحاوي (٣٢١هـ) .
٢ - والعلامة القاري (١٠١٤هـ)، واللفظ للأول: «ولا إله غيره» بعد قوله: «إن الله واحد»:
(هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم؛ كما تقدم ذكره؛ وإثبات التوحيد لهذه الكلمة، باعتبار النفي والإثبات - المقتضي للحصر فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال؛ ولهذا - والله أعلم-.
لما قال الله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني:
هب أن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره؛ فقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
[ ١ / ١٥٢ ]
٣ - ١٥ - وقريب منه كلام لكثير من علماء الحنفية في تفسير هذه الآية وتحقيق أن توحيد العبادة قائم على الركنين مؤسس على دعامتين ومركب من جزئين، وهما النفي والإثبات.
١٦ - وقال القاري (١٠١٤هـ) في بيان أهمية الركن الثاني:
(والمقصود الأعظم - هو إثبات الإلهية لله تعالى - بعد نفيها عن غيره) .
١٧ - ثم قال في بيان أهمية الركن الأول: (لا نزاع في ثبوت إلهية مولانا - جل وعز - لجميع العقلاء وإنما كفر من كفر بزيادة إله آخر؛ فنفى ما عداه - تعالى؛ على هذا هو المحتاج إليه، وبه يحصل التوحيد) .
١٨ - وقال الشيخ أحمد السرهندي الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني، ومجدد الألف الثاني (١٠٣٤هـ)، في بيان أهمية الركن الأول وهو النفي:
[ ١ / ١٥٣ ]
(والمتشبث بمجوع أحكام الإسلام والكفر - مشرك؛ والتبرؤ من الكفر شرط الإسلام؛ والاجتناب عن شائبة الشرك - توحيد؛ والاستمداد من الأصنام، والطواغيت - في دفع الأمراض والأسقام - كما هو الشائع فيما بين جهلة أهل الإسلام - عين الشرك، والضلالة؛ فيكفرون من حيث لا يشعرون؛ ونذر الحيوان للمشايخ، وذبحه عند قبورهم - داخل في الشرك؛ ولا يجوز إشراك أحد به تعالى في عبادة من العبادات، وطلب الحاجات من غير الله - عين الضلالة وتسويل الشيطان الرجيم) .
١٩ - وللعلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ) كلام قيم في تحقيق الركن الأول، وهو النفي أي البراءة من أفعال الكفر والشرك وعدم ارتكاب ما ينافي كلمة التوحيد، وأن من ارتكب ما يوجب الكفر ولو أقر بكلمة التوحيد؛ فقد كفر وحبط عمله وتبين زوجته، وخرج من دين الإسلام.
٢٠ - وللعلامة شكري الآلوسي (١٣٤٢هـ) كلام مهم في تحقيق أن القبورية لا تنفعهم كلمة التوحيد ما داموا مرتكبين للشرك وعبادة غير الله، وإن هم زعموا أنهم لا يعبدون غير الله.
٢١ - وقال العلامة الخجندي - في تحقيق هذين الركنين - بعدما ذكر عدة قبور جعلت أوثانًا تعبد من دون الله - في بلاد ما وراء النهر:
[ ١ / ١٥٤ ]
بلخ، وبخارى، وسمرقند، وتركستان، وخجندة، وكاشغر، وقونية، والعراق، وكربلاء، ودمشق، ومصر، والقاهرة، وطنطا:
(أو غيرها من القبور التي يعظمونها ويعبدونها وينذرون لها ويتوجهون إليها..، فصارت كل هذه القبور كالتي ذكرها الله تعالى في كتابه؛ فلا يكون إيمان العبد صحيحًا حتى يكفر بهذه كلها؛ ويؤمن بالله وحده؛ وهذا معنى قوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]؛ وهذا معنى: «لا إله إلا الله»؛ فتنفي الآلهة كلها من كل الوجوه، وتثبت الإله الحق الواحد الأحد الصمد الذي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ فهذا التوحيد الخالص إنما هو مفتاح الجنة بلا ريب ولا شبهة ؛ فقائل: «لا إله إلا الله» يجب عليه أن يستمر عليه، وعلى موجبه؛ وأن لا يبطله بما ينافيه من الشرك، واتخاذ الأنداد، واعتقاد التصرف الغيبي لغير الله؛ وإلا بطل ولا تبقى له منفعة ؛ فلا بد من الاستمرار على التوحيد، وعلى كل ما يقتضيه التوحيد؛ ولا بد من الكفر
[ ١ / ١٥٥ ]
بالطاغوت، وكل آلهة دون الله كما لا يخفى؛ فمن يقول: «لا إله إلا الله»، ثم يقول: إن الأرواح تنصر، وتمد، أو يدعو غير الله، أو يرجو غير الله، فقد أبطل قوله: «لا إله إلا الله»؛ بل أشرك بالله شركًا جليا لا يغفره الله ﷿ فتنبه) .
٢٢ - وقال ﵀، في بيان أهمية هذين الركنين:
(وهذه الكلمة نفي، وإثبات: نفي الآلهة عما سوى الله تعالى من المخلوقات؛ حتى جبريل ومحمد ﵉، فضلًا عن غيرهم من الأولياء والصالحين؛ وهذه الألوهية - هي التي تسميها العامة في زماننا: «السر والولاية» ! و«الإله» معنا: «الولي الذي فيه السر»؛ وذلك أنهم يظنون: أن الله تعالى جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن يلتجئ الإنسان إليهم، ويرجوهم، وليستغيث بهم، ويجعلهم «واسطة» بينه وبين الله تعالى؛ فالذي يزعم أهل الشرك في زماننا: أنهم «وسائط» هم الذين يسميهم الأولون: «الآلهة» !!
و«الواسطة» هي «الإله»؛ فقول المؤمن: «لا إله إلا الله» إبطال للوسائل؛ وغالب الذين غلوا في تعظيم الأولياء، وشيوخ الطرق، وأئمة آل البيت من السادة قد عبدوهم بدعائهم حتى في الشدائد، والطواف بقبورهم، وذبح القرابين لهم؛ وكانوا يجهلون: أنهم بهذا قد اتخذوهم «آلهة» ) .
٢٣ - وقال في بيان أهمية هذين الركنين: النفي والإثبات:
(فالله فالله يا إخواني!
[ ١ / ١٥٦ ]
تمسكوا بأصل دينكم، وأوله وآخره ورأسه: ألا وهو شهادة أن «لا إله إلا الله»، واعرفوا معناها؛ واكفروا بالطواغيت وعادوهم ، ولا شك: أن أول ما فرض الله تعالى على عباده الإيمان بالله، والكفر بالطاغوت؛ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ؛ فصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها وتعاديهم؛ ومعنى الإيمان بالله:
أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده، دون من سواه، وتخلص كل أنواع العبادة لله وحده، وتنفيها عن كل معبود سواه، و«الطاغوت» عام في كل أنواع العبادة؛ فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة: من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله ﷺ.
فهو طاغوت ؛ فالإنسان لا يكون مؤمنًا بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] ) .
٢٤ - وقال ﵀ في بيان تحقيق هذين الركنين، ولا سيما الركن الأول: وهو «النفي»:
(فقد ثبت ثبوتًا بينًا: أن «لا إله إلا الله»:
مفتاح دار السلام؛ ولكن بشرط كونها خالصة مخلصة؛ فلا بد أولًا من الكفر [بالطاغوت]، والتبرؤ من كل الآلهة الآفاقية والأنفسية؛ ثم إثبات الواحد الأحد المعبود حقا؛ وأهم ما نفته هذه الكلمة - استحقاق العبادة
[ ١ / ١٥٧ ]
لغير الله نفيًا كليا؛ ولأجل هذا أرسلت الرسل، وجردت السيوف؛ ومن لوازمها - العمل بكل ما جاء به محمد رسول الله ﷺ من مقتضى هذه الكلمة؛ بلا تغيير، ولا تزييد: فمن المنفي: الربوبية والخالقية؛ فلا رب إلا الله، ولا خالق إلا الله؛ فمن اعتقد أن الملائكة، أو الأرواح تربي تربية بسلطة غيبية فقد أشرك بالله في الربوبية والخالقية؛ كما هو حال كثير من جهلة القبوريين والطرقيين.
ومن المنفي: القدرة؛ فلا قدرة لأحد إلا بالله؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ فمن اعتقد أن الملائكة، أو الأرواح تقدر على شيء بنفسها فقد أشرك بالله في صفة القدرة والقادرية.
ومن المنفي: التصرف في الكون، والإحياء والإماتة؛ فلا متصرف في الكون إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله؛ فمن اعتقد: أن الملائكة والأرواح تتصرف في الكون، أو تحيي أو تميت. فقد أشرك بالله.
ومن المنفي: الحكم والتحليل والتحريم؛ فالحاكم الحق حقيقة هو الله وحده، وهو المشرع وحده، وهو المحلل وحده، وهو المحرم وحده؛ فلا حاكم إلا الله، ولا مشرع إلا الله، ولا محلل إلا الله، ولا محرم إلا الله.
فمن حكم بحل شيء لم يحله الله، أو حكم بحرمة شيء لم يحرمه الله، أو شرع ما لم يأذن به الله فقد أشرك بالله.
ومن المنفي: العبادة، والمعبودية؛ وهذا هو الأصل الذي أنزلت
[ ١ / ١٥٨ ]
هذه الكلمة لأجله، وأرسلت الرسل لأجله؛ فلا معبود حقا إلا الله، ولا يعبد حقًّا إلا الله: بأي نوع من أنواع العبادة.
وبالجملة؛ هذا هو معنى: «لا إله إلا الله»؛ فمن قالها لفظًا، ولكنه غير معناها، وأفسد تفسيرها، وعبد غير الله. فقد أتى ببهتان * فلا شك أن يصير من أهل الخسران *) .
٢٥ - وقال ﵀ مبينًا أهمية هذين الركنين:
(واعلم أن مدلول: «لا إله إلا الله»: التزام بعبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دون الله؛ وهذا أصل دين الإسلام وقاعدته؛ ولهذا كانت هذه الكلمة الإسلام * ومفتاح دار السلام * والفارق بين المؤمنين والكافرين من الأنام *) .
قلت: هذه كانت أمثلة من نصوص علماء الحنفية في تحقيق الركنين لتوحيد العبادة: النفي، والإثبات، وهي أبلغ وأقمع للقبورية الذين أخلوا بهذين الركنين، وناقضوا التوحيد بعبادتهم القبور وأهلها أنواعًا من العبادات؛ فهذه النصوص تدل على أن التوحيد لا يمكن أن يوجد ويقوم إلا بهذين الركنين وهاتين الدعامتين، كما تصرح بأن القبورية ناقضوا التوحيد، فهم ليسوا من أهل التوحيد بل هم من أهل الشرك.
وإذا عرفنا ذلك ننتقل إلى المبحث الآتي لنعرف شروط صحة توحيد العبادة والله المستعان.
****
[ ١ / ١٥٩ ]