في جهود علماء الحنفية في تعريف العبادة، وبيان أركانها، وأنواعها، وشروط صحتها، وإبطال عقيدة القبورية في ذلك كله
وفيه ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: في عرض عقيدة القبورية في العبادة، وتعريفهم لها.
- المبحث الثاني: في تعريف العبادة عند علماء الحنفية، وردهم على تعريف القبورية للعبادة.
- المبحث الثالث: في أركان العبادة، وأنواعها، وشروط صحتها عند علماء الحنفية، وردهم على القبورية في ذلك كله.
[ ١ / ٢٨٧ ]
المبحث الأول
في عرض عقيدة القبورية في العبادة وتعريفهم لها.
لقد انحرفت القبورية عن الجادة الصحيحة المستقيمة في مفهوم «العبادة» كما انحرفت في مفهوم «التوحيد» كما عرفت.
وكذا انحرفت في مفهوم «الشرك» كما عرفت أيضًا. وكما ستعرف إن شاء الله.
فحرفوا مصطلحات شرع الله تعالى ومفهومات دينه ﷿ فغيروها وبدلوها؛ لتطابق عقائدهم الفاسدة، ويبرروا ما يرتكبونه من الشرك بالله ﷿، بعبادة القبور وأهلها، فقالوا:- في كل ما يسمى عبادة شرعًا -: إنه لا يكون عبادة إلا باعتقاد الربوبية في المعبود؛ واعتقاد أنه مستقل بالنفع والضر، ونافذ المشيئة بذاته لا محالة بدون حاجة إلى الغير.
وبناء على ذلك يرون: أن نداء الأموات * والاستغاثة بهم عند الكربات، والنذر لهم ونحو ذلك من أنواع العبادات * والأفاعيل الشركيات * ليست من قبيل العبادة لغير الله سبحانه؛ ولا من باب الإشراك
[ ١ / ٢٨٩ ]
بالله تعالى.
وبذلك قد برروا جميع أنواع إشراكهم بالله ﷿.
كما جوزوا ارتكاب عدة أنواع من العبادات لغير الله جل وعلا.
وبناء على ذلك أنكروا وجود الشرك في المنتسبين إلى الإسلام.
بل يعتقدون في القبورية الوثنية الصرحاء: أنهم مؤمنون موحدون أبرياء من الشرك.
ويحسن أن أسوق بعض نصوص القبورية المتعلقة بتعريفهم للعبادة؛ ليعرف المسلمون مدى انحرافهم عن الحق وتحريفهم لمصطلحات الشرع وجهلهم بأعظم المعارف الدينية المهمة:
١ - قالوا: (إن مسمى العبادة شرعًا لا يدخل فيه شيء من التوسل والاستغاثة وغيرهما؛ بل لا يشتبه بالعبادة أصلًا؛ فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم؛ أو صفة من صفاتها الخاصة بها) .
[ ١ / ٢٩٠ ]
٢ - وقالوا: (إن الدعاء بمعنى النداء إن كان لمن لا يعتقده ربا فليس من العبادة في شيء ؛ وإن كان لمن يعتقد ربوبيته أو استقلاله بالنفع والضر، أو شفاعته عند الله بغير إذن الله، فهو عبادة لذلك المدعو؛ وقد يطلق الدعاء على العبادة. وقد علمت أن معناها: الخضوع التام لمن يعتقد فيه ربوبية أو خاصة من خواصها) .
٣ - وقالوا: (أي دليل بل أية شبهة فيها رائحة من دليل تجعل التوسل والاستغاثة بالعباد من جملة العبادات التي يكفر من فعلها؛ مع ما علمت: من أن العبادة شرعًا لا تكون إلا ممن اعتقد الربوبية فيمن عظمه وخضع له؛ والمسلمون بحمد الله بريئون من اعتقاد الربوبية بغير مولاهم ﷿) .
٤ - ٥ - وقال القضاعي أحد مشاهير أئمة القبورية (١٣٧٦هـ)؛ وتبعه ابن مرزوق، واللفظ للأول والغين في أغراض شيخ الإسلام وأئمة السنة الأعلام.
(وإنما جر هذا المبتدع [ابن تيمية!] ومن انخدع بأباطيله: أنه لم يحقق معنى «العبادة» شرعًا ؛ فظن أن التوسل برسول الله ﷺ وسائر الصالحين، والاستغاثة بهم ظن أن ذلك وما إليه من الشرك المخرج عن الملة. ومن رافقه التوفيق، وفارقه الخذلان، ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف، علم يقينًا لا تخالطه ريبة: أن مسمى «العبادة» شرعًا لا يدخل فيه شيء مما عده [ابن تيمية] من توسل واستغاثة وغيرهما؛ بل لا يشتبه بالعبادة أصلًا؛ فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من «العبادة»
[ ١ / ٢٩١ ]
إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم، أو صفة من صفاتها الخاصة بها) .
٦ - وقالا: (ولا يكون به [أي بالسجود لغير الله] كافرًا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له) .
٧ - وقال القضاعي:
(والمشركون إنما كفروا بسجودهم لأصنامهم ونحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع والضر ونفوذ المشيئة لا محالة مع الله) .
٨ - ثم القبورية قد صرحوا بحصر العبادة في بعض أمور الإسلام، حسب ما جاء في حديث جبريل الذي فيه تعليم لأركان الإسلام والإيمان، كل ذلك لإخراج عبادة القبور وأهلها كالاستغاثة والنذور ونحوها من تعريف العبادة، ليبرروا أعمالهم الوثنية.
٩ - وقالوا في معنى العبادة:
(لا يخفى أن العبادة كما هو الظاهر من لفظها: هي الطرق المخصوصة لخضوع العبد لمن يعتقده إلهًا؛ وكذلك خضوع المملوك لمالكه والولد لوالده والتلميذ لأستاذه والجاهل للعالم لا يسمى عبادة.
ولكن خضوع المجوسية للنار والوثنية للأصنام والثنوية للشمس عبادة عند
[ ١ / ٢٩٢ ]
سائر أهل العرف، وإذا علم أن كل خضوع وتعظيم ليس بعبادة بل العبادة هو الخضوع مع اعتقاد الألوهية [يعني الربوبية]؛ فنقول: إن المسلمين الذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويعظمونها ويقبلونها ويطوفون حولها ويتمسحون بها لا يخطر ببال أحد منهم أن هؤلاء الأنبياء والصالحين أو قبورهم آلهة يجب عبادتهم، أو شركاء لله سبحانه، أو أرباب من دون الله، بل يجدون من نفوسهم يقينًا لا مزيد عليه أنهم عباد مكرمون أطاعوا أحكامه وامتثلوا أوامره وبذلوا في سبيله وإعلاء كلمته نفوسهم وأموالهم، فأكرمهم بجنته وأعزهم بجوار قدسه فلذلك هم مستحقون منا بالتعظيم ومستأهلون للخضوع لهم والاستكانة، فهذا التعظيم في الحقيقة راجع إلى الله وهو عين التوحيد والاستسلام لعزة الله. وكذلك دعاؤهم ليس دعاءهم بالذوات بأن يحسبوا كافيين في قضاء الحاجة وإنجاح المأمول، بل لما علمنا أن لهم جاهًا ومنزلة عند الله ﷿ بسبب طاعتهم وعبادتهم له واتباع سننه والجهاد في سبيله، فنسألهم أن يدعو الله لنا فيقضي الله حاجاتنا بواسطة دعائهم لنا ، وليس في ذلك من الكفر والشرك شيء) .
١٠ - وقالوا - هاذين في أئمة السنة وأعلام هذه الأمة - على طريقة «رمتني بدائها وانسلت»:
(فمن أراد الله موالاته وسعادته ووقاه شر أولئك المبتدعة، وحفظه من الوقوع في شرائكهم وحبالهم، وبصره بما يحفظ عليه دينه، ووجهه وأرشده إلى كشف النقاب عن كل وصف مناقض للعبودية، مخالف للتوحيد والتفرد بالوحدانية؛ وإذا لاحظته عناية الله ولازمه التوفيق الرباني جعله لا
[ ١ / ٢٩٣ ]
يفهم من معنى «العبادة» شرعًا إلا أنها الإتيان بأقصى الخضوع قلبًا باعتقاد الربوبية في المخضوع له أو قالبا مع ذلك الاعتقاد؛ و«أو» هنا بمعنى «الواو»؛ فإذا انتفى ذلك الاعتقاد، ثم لم يكن ما أتى به من الخضوع الظاهر عبادة شرعًا. ومثل اعتقاد الربوبية اعتقاد خصيصة من خصائصها؛ كالاستقلال بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة لا محالة، ولو كان عن طريق الشفاعة لعابد عند ذلك الرب الذي هو أكبر من ذلك المعبود. وإنما كفر المشركون وخرجوا عن الحنيفية بسجودهم لأصنامهم وأوثانهم؛ لاعتقادهم ربوبية ما خضعوا له، واستقلالهم بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة مع الله تعالى. فالتكريم والخضوع لأولياء الله الصالحين مجردا عن الاعتقاد المذكور لا يعتبر عبادة شرعًا) .
١١ - قلت: بل وصلت القبورية إلى حد قالوا في كل ما يرتكبونه من الشرك البواح وعبادة القبور وأهلها:
- إنه ليس من الشرك، بل من باب التوحيد
- وليس من قبيل عبادة غير الله، بل هو من عبادة الله تعالى
- وإن كل ذلك مما أمر به الشارع، وإنه من سنن الأنبياء والمرسلين، وطريقة العلماء العاملين، ومسلك الأولياء المقربين.
١٢ - ومع هذا الجهل المركب المطبق المحيط بالقبورية لمعنى العبادة كجهلهم بمعنى التوحيد ومفهوم الشرك، ترى القبورية - من باب
[ ١ / ٢٩٤ ]
رمتني بدائها وانسلت - يقدحون في أئمة التوحيد والسنة، والنحارير الجهابذة في هذه الأمة أمثال شيخ الإسلام ومحمد بن عبد الوهاب الإمام، ويسفهون أحلامهم، ويرمونهم بالجهل بمعاني العبادة والتوحيد والشرك:
قال القضاعي أحد كبراء أئمة القبورية (١٣٧٦هـ)، وتبعه ابن مرزوق أحد المجاهيل القبورية:
(وإنما جرى هذا المبتدع [يعني شيخ الإسلام] ومن انخدع بأباطيله هذه أنه لم يحقق معنى العبادة شرعًا، فظن أن التوسل برسول الله ﷺ وسائر الصالحين والاستغاثة بهم مع استقرار القلب على أنهم أسباب لا استقلال لهم بنفع أو ضر، وليس لهم من الربوبية شيء، ولكن الله جعلهم مفاتيح لخيره ومنابع لبره وسحبًا يمطر منها على عباده أنواع خيره، ظن \ ابن تيمية \ أن ذلك وما إليه من الشرك المخرج عن الملة) .
١٣ - وقال أيضًا:
(وقول هؤلاء المغرورين \ يعني أهل التوحيد والسنة \: إن الكافرين الذين بعثت لهم الرسل كانوا قائلين بتوحيد الربوبية وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر، وإنما كان شركهم بتعظيمهم لغير الله بالسجود له والاستغاثة به والنداء له والنذر والذبح له - إنما هو قول من لم يعرف التوحيد ولا الشرك ولا المعقول ولا المنقول في كتاب الله وسنة رسوله ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة) .
١٤ - والقبورية - بناء على تعريفهم الفاسد للعبادة - شنوا الغارة على أئمة السنة أعلام هذه الأمة، بكلام بذيء فاحش شأن من لا حياء له من
[ ١ / ٢٩٥ ]
العباد ومن رب العباد، حتى قالوا جهارًا دون إسرار في تعريف شيخ الإسلام للعبادة:
(وقوله [أي شيخ الإسلام]: «العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والزاهرة»: هراء ليس بتعريف للعبادة) .
قلت:
الحاصل أن تعريف العبادة عند القبورية كما تبين من نصوصهم هو: غاية الخضوع لمن يعتقد فيه الربوبية والاستقلال بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة لا محالة بقدرته الذاتية بدون الحاجة إلى غيره.
وبعد أن عرفنا تعريف العبادة عند القبورية، ننتقل إلى المبحث الثاني لنعرف تعريف العبادة عند علماء الحنفية وردودهم على القبورية لإبطال تعريفهم العبادة، وبالله التوفيق.
*****
[ ١ / ٢٩٦ ]