غلو القبورية في حياته ﷺ البرزخية
لقد غالت القبورية جميعا حتى الديوبندية ولا سيما البريلوية في حياته ﷺ بعد موته؛ فأنكروا حياته البرزخية، وجعلوها حياة دنيوية تماما، بل أقوى منها، يصلي في قبره، حتى قالت البريلوية إنه ﷺ يجامع زوجاته.
وهكذا جميع الأنبياء يصلون ويحجون، وينكحون، ويقاتلون الكفار ويأكلون ويشربون؛ وإليكم بعض نصوصهم التي قالوها جهارا دون إسرار ولا حياء من العباد* ولا من رب العباد*.
١ - قال جميع أئمة الديوبندية وعلى رأسهم السهارنفوري (١٣٤٦هـ) الذي قد شرحت بعض قبورياته: مبينا عقيدة جميع الديوبندية بلا استثناء:
(الجواب: عندنا وعند مشايخنا حضرة [صاحب] الرسالة ﷺ حي في قبره الشريف، وحياته ﷺ دنيوية من غير تكليف؛ وهي مختصة به ﷺ، وبجميع الأنبياء صلوات الله عليهم، والشهداء؛
[ ٢ / ٧١١ ]
لا برزخية كما هي حاصلة لسائر المؤمنين؛ بل لجميع الناس؛ كما نص عليه العلامة السيوطي في رسالته:
" أبناء الأذكياء بحياة الأنبياء "، حيث قال: " قال الشيخ تقي الدين السبكي: حياة الأنبياء والشهداء في القبر كحياتهم في الدنيا "؛ فثبت بهذا أن حياته دنيوية برزخية لكونها في عالم البرزخ؛ ولشيخنا شمس الإسلام والدين محمد قاسم العلوم على
[ ٢ / ٧١٢ ]
المستفيدين، - قدس الله سره العزيز-.
في هذا المبحث رسالة مستقلة دقيقة المأخذ- بديعة المسلك لم ير مثلها، قد طبعت، وشاعت في الناس، واسمها " آب حيات ": أي ماء الحياة) .
قلت: هذه كانت عقيدة الديوبندية قاطبة، وقد عرفت ما فيها من الدعوة السافرة إلى القبورية.
٢ - والآن استمع لما يقوله إمام الديوبندية على الإطلاق ذلكم النانوتوي (١٢٩٧هـ)، وغيره من كبائر أئمة الديوبندية: أمثال الجنجوهي الملقب عندهم بالإمام الرباني (١٣٢٣هـ)،
[ ٢ / ٧١٣ ]
والكشميري الملقب عندهم بإمام العصر (١٣٥٢هـ)، والتهانوي الملقب عندهم بحكيم الأمة (١٣٦٢هـ) أمة الخرافات، والعثماني (١٣٦٩هـ)، وحسين أحمد الملقب عندهم بشيخ الإسلام إسلام القبورية (١٣٧٧هـ):
إن النبي ﷺ حيٌّ الآن في قبره، فهو كمن انعزل عن الناس واعتكف أربعين يوما؛ فهو حي حياة دنيوية بجسده العنصري حياة مستمرة؛ وحياة حقيقية جسمانية لا روحانية بل هي حسية جسمانية ولذا لا تورث تركته ولا تنكح أزواجه، لأنه حي فلا معنى لتوريث الأحياء، وإنه يصلي في قبره بأذان وإقامة، ولذا يسمع ﷺ صلاة الناس عليه وسلامهم، وهذه عقيدة جمهور الأمة وعقيدة أهل السنة بالاتفاق، وعقيدة جميع أكابرنا وأئمتنا كما هو المذكور في المهند، خلافا للوهابية؛
[ ٢ / ٧١٤ ]
فإنهم منكرون لحياته ﷺ على هذه الصورة.
قلت: إن الديوبندية قد ورثوا هذه الخرافة القبورية عن شيخهم وإمامهم الذي لقبوه ببيهقي الوقت ذلكم القاضي ثناء الله الباني بتي (١٢٢٥هـ)؛ فقد صرح بأن النبي ﷺ حي في قبره ولذلك لم يورث ولم يتأيم أزواجه، فلا يحل نكاحهن لأحد لأجل ذلك.
بل قالوا: إن الأولياء لا يموتون، ولكن ينقلون من دار الفناء إلى دار البقاء فما ظنك بالأنبياء ﵈.
قلت: هذه كانت خلاصة عقيدة الديوبندية وغلوهم في حياة رسول الله ﷺ في البرزخ؛ وهذا من البراهين القاطعة على أنهم قبورية خرافية إلا من رحم ربك منهم.
ما امتازت به البريلوية:
لقد امتازت البريلوية بشيء لم أجده عند الديوبندية وهو أن النبي ﷺ
[ ٢ / ٧١٥ ]
يجامع أزواجه أيضا؛ فقد قال أحمد رضا خان الأفغاني إمام البريلوية الوثنية (١٣٤٠هـ):
إن حياة النبي ﷺ في القبر حياة دنيوية، وقد طرأ عليه الموت لآن واحد (ثانية أو أقل) تحقيقا للوعد، ثم أعيدت إليه الحياة فورا، كما هي كانت في الدنيا، ولذا تربت عليها أحكام الدنيا كعدم توريث التركة وعدم حل نكاح أزواجه ﷺ وعدم طروء العدة عليهن، بل قال سيدي محمد بن عبد الباقي الزرقاني:
إن الأنبياء ﵈ تعرض عليهم أزواجهم فهم يبيتون معهن، ويجامعونهن في قبورهم، وإنهم يصلون ويحجون.
لطيفة: لقد رد أحد الديوبندية على البريلوية فقال: إن القول بجماع الأنبياء بأزواجهم توهين واستخفاف بهم وبهن.
فأجابه: أحد البريلوية بجواب معقول أفحم ذلك الديوبندي، بل أسكت الديوبندية جميعا؛ حيث قال: إذا كانت حياة الأنبياء حياة دنيوية جسمانية حسية حقيقية- فأي مانع من استلذاذ الأنبياء بهذه النعمة العظيمة، كما كانوا يجامعون أزواجهم في حياتهم الدنيوية فأي توهين في ذلك!؟!
[ ٢ / ٧١٦ ]
أقول: القول بخرافة جماع الأنبياء ﵈ في قبورهم أزواجهم يوجد عند القبورية قبل الديوبندية؛ فقد قال بهذه الخرافة الزرقاني (١١٢٢هـ) كما شهد عليه خلفه أحمد رضا خان الأفغاني إمام البريلوية الوثنية (١٣٤٠هـ) كما سمعته آنفا، وقال بها علوي بن أحمد بن الحسن الحداد الحضرمي (١٢٣٢هـ)، وابن جرجيس الحنفي إمام القبورية البغدادية العراقية (١٢٩٩هـ)، وغيرهما من القبورية، وهذا نصهم: (أما الأنبياء- فلأنهم أحياء في قبورهم- يأكلون ويشربون، ويصلون ويحجون؛ بل ينكحون؛ كما وردت بذلك الأخبار؛ وتكون الاستغاثة معجزة منهم؛ والشهداء أيضا أحياء عند ربهم، شوهدوا نهارا جهارا، يقاتلون الكفار ) .
الحاصل: أن القبورية يعتقدون أن العارفين لا يموتون.
وقالوا: إن الحياة البرزخية أقوى من الحياة الدنيوية؛ بل الحياة الدنيوية موت بالنسبة إلى الحياة البرزخية؛ فهم يقتدرون على السمع والبصر* والعلم والاقتدار على النفع
[ ٢ / ٧١٧ ]
والضر*.
هكذا ترى القبورية والوثنية يجعلون عقيدة حياة الأنبياء والشهداء بل الأولياء عامة- تمهيدا لجواز الاستغاثة بهم عند الملمات؛ حيث قالوا: إنهم إذا كانوا أحياء في قبورهم حياة حقيقية حسية فأي مانع من الاستغاثة بهم.
قلت: أشهر سلف القبورية في جعل الحياة البرزخية كالحياة الدنيوية تمهيدا لجواز الاستغاثة بالأموات- هو السبكي (٧٥٦هـ)؛ فقد أفرد لهذه الخرافة الباب التاسع، وجعل الفصل الأول في حياة الأنبياء ﵈، والفصل الثاني في حياة الشهداء، والفصل الثالث في حياة سائر الموتى وسماعهم، وتبعه القبورية بعده إلى يومنا هذا؛ فهم يرددون صدى هذا السبكي ويبوبون في كتبهم ويعقدون فصولا في حياة الأنبياء والشهداء وكذا الأموات عامة؛ لجواز الاستغاثة بالأموات* عند إلمام الملمات* فيجعلون حياة الأموات* دليلا على جواز الاستغاثة بهم عند الكربات*.
[ ٢ / ٧١٨ ]