في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية التي تشبثوا بها للقول باتحاد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وجعلهم توحيد الربوبية هو الغاية
للقبورية شبهات تشبثوا بها للاستدلال على أن توحيد الربوبية هو عين توحيد الألوهية لغة واصطلاحا، وأنهما شيء واحد، لا شيئان متغايران، وأن الإيمان بأحدهما إيمان بالآخر، والاعتراف بأحدهما اعتراف بالآخر، وأن توحيد الربوبية كاف للمرء في الدخول في الإسلام، إلى غير ذلك من الطامات.
وفيما يلي عرض أهم تلك الشبهات مع بيان جهود علماء الحنفية لإبطالها وقمعها وقلعها، فأقول وبالله التوفيق.
الشبهة الأولى: شبهة «برهان التمانع»:
وإنما سمي به: لأنه مبني على فرض التمانع؛ لأنه يتبين فيه تمانع كل واحد من الصانعين الآخر عن الصنع، أي أن هذا يمنع ذاك وذاك يمنع هذا عن تنفيذ إرادته.
وتقرير برهان التمانع الدال على وحدانية الصانع الخالق هو: (أنه لو
[ ١ / ٢٢٩ ]
أمكن إلهان لأمكن بينهما تمانع، بأن يريد أحدهما حركة زيد والآخر سكونه ؛ وحينئذ إما أن يحصل الأمران؛ فيجتمع الضدان؛ أو لا؛ فيلزم عجز أحدهما) .
أي: يبطل أحد الإلهين ويبقى الآخر حقا، فثبت توحيد الصانع.
وهذا البرهان أشهر براهين المتكلمين في إثبات وحدانية الصانع؛ ومع ذلك قد طعن فيه بعض المتكلمين والمتفلسفين: كأبي هاشم عبد السلام بن محمد الحنفي إمام الهاشمية من المعتزلة (٣٢١هـ)، وأبي نصر الفارابي الضال الكافر (٣٣٩هـ)، والتفتازاني الحنفي فيلسوف الماتريدية (٧٩٢هـ)، وغيرهم.
ولكن لقوة هذا الدليل عند المتكلمين وشهرته عندهم قد كفر بعضهم التفتازاني وأبا هاشم لطعنهما فيه.
والحق أن هذا الدليل حجة عقلية قاطعة صحيحة لا مطعن فيها؛
[ ١ / ٢٣٠ ]
كما صرح بذلك شيخ الإسلام.
ولكن القبورية كدأب إخوانهم المعطلة المتكلمين من الماتريدية والأشعرية؛ جعلوا برهان التمانع دليلًا على اتحاد الرب والإله؛ فكلهم قد حملوا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ على برهان التمانع بين الصانعين.
أما المتكلمون: من الماتريدية والأشعرية فأمرهم أوضح في استخدام برهان التمانع وجعله دليلًا على وحدانية الصانع؛ وزعمهم أن هذه الآية الكريمة تفيد وحدانية الصانع على طريقة برهان التمانع، وجعلهم «الإله» في هذه الآية بمعنى الخالق الصانع.
وأما القبورية: فيقول ابن جرجيس (١٢٩٩هـ)، والقضاعي (١٣٧٦هـ)، واللفظ للأول:
(ويدل أيضًا على أن «الإله» هو «الرب» الآيات الدالة على التمانع، وهو نفي الشريك؛ فإن الله تعالى علم المؤمنين ورد على الكافرين المشركين؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾؛ أي لو كان في السماوات والأرض أرباب غير الله لفسدتا؛ لأن كل رب يريد ما لا يريد
[ ١ / ٢٣١ ]
الآخر؛ فيلزم فساد هذا النظام الموجود؛ فلما لم تفسد؛ دل أن الرب لهذا الوجود واحد في ربوبيته) .
قلت: هذا النص مشتمل على أمور:
الأول: أن المراد من «الإله» هو الرب الخالق الصانع، وأن «الإله» هو بعينه الرب والخالق والصانع.
والثاني: أن هذه الآية فيها حجة تسمى ببرهان التمانع.
والثالث: أن المراد من الفساد في هذه الآية هو الفساد بمعنى التدمير والهدم الظاهري.
الجواب:
لقد صرح علماء الحنفية الرادين على أهل الكلام وعلى القبورية بأن هذه المقدمات كلها فاسدة؛ فإن «الإله» في هذه الآية ليس المراد منه هو الرب الخالق الصانع؛ لأن هذه الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين أو أكثر للعالم؛ بل اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله؛ ولم يعتقدوا فيها أنها خالقة أرباب صانعة؛ بل اعتقدوا فيها أنها عباد مقربون عند الله ويشفعون لهم عند الله. إذن حمل الآية على برهان التمانع صار باطلًا أيضًا، كما أن المراد من «الفساد» التخريب والهدم الظاهر أيضًا باطل هاهنا؛ لأنه لو كان الأمر على برهان التمانع لقال الله تعالى: «لم تخلقا»، ولم يقل: «لفسدتا»؛ لأن برهان التمانع يقتضي أن لا توجد السماوات والأرض إن فرض وجود صانعين فأكثر؛ لا أن تفسدا بعد خلقهما.
[ ١ / ٢٣٢ ]
بل المراد من «الفساد» في الآية: الفساد بمعنى الظلم والعدوان؛ لأن التوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم.
قال الإمام ابن أبي العز الحنفي أحد أئمة الحنفية ﵀ (٧٩٢هـ)، وتبعه العلامة نعمان الآلوسي (١٣١٧هـ)، واللفظ للأول؛ مبطلًا جميع هذه المقدمات، ومزيفًا استدلالهم بهذه الآية على جعل توحيد الألوهية عينًا لتوحيد الربوبية؛ وجعل هذه الآية مشتملة على برهان التمانع:
(وكثير من أهل النظر يزعمون: أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ لاعتقادهم: أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الإلهية الذي بينه القرآن؛ ودعت إليه الرسل ﵈؛ وليس الأمر كذلك؛ بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية؛ وهو عبادة الله وحده لا شريك له؛ فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد؛ كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٥]؛ ومثل هذا كثير في القرآن؛ ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام: أنها مشاركة لله في خلق العالم؛ بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر، وغيرهم؛ تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله؛ وهذا أصل شرك العرب) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
وقال رحمه الله تعالى أيضًا بعد ذكر قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]:
(وقد ظن طوائف: أن هذا دليل التمانع الذي تقدم ذكره: وهو أنه لو كان للعالم صانعان إلخ، وغفلوا عن مضمون الآية؛ فإنه سبحانه أخبر: أنه لو كان فيهما آلهة غيره؛ ولم يقل: «أرباب»؛ وأيضًا؛ فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا؛ وأيضًا؛ فإنه قال: «لفسدتا»، وهذا فساد بعد الوجود؛ ولم يقل لم يوجدا؛ ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة؛ بل لا يكون الإله إلا واحدًا؛ وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله ﷾؛ وأن فساد السماوات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة؛ ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره؛ فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه كله؛ فإن قيامه إنما هو بالعدل؛ وبه قامت السماوات والأرض؛ وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك؛ وأعدل العدل التوحيد؛ وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية؛ دون العكس) .
قلت: الحاصل: أن استدلال القبورية وكذا إخوانهم المعطلة المتكلمة بهذه الآية على جعل توحيد العبادة عينًا لتوحيد الربوبية باطل أي بطلان، ولله الحمد.
الشبهة الثانية: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
[ ١ / ٢٣٤ ]
[الأعراف: ١٧٢] .
قالوا: «لم يقل ألست بإلهكم فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية. ومن المعلوم أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر له بالألوهية إذ ليس الرب غير الإله، بل هو بعينه» .
الشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠، الأحقاف: ١٣] .
قالوا: لم يقل «إلهنا»؛ فهذا يدل على أن توحيد الربوبية كاف في النجاة والفوز لاستلزامه توحيد الألوهية، فهذا دليل على أن القول بأحد التوحيدين قول بالآخر.
الشبهة الرابعة: استدلالهم بحديث سؤال الملكين في القبر: «من ربك» .
قالوا: لم يقولا له: «من إلهك»، فدل على أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية.
وقال الدجوي: (وأما السنة فسؤال الملكين للميت عن ربه لا عن إلهه لأنهم [لا] يفرقون بين الرب والإله؛ فإنهم ليسوا تيميين ولا
[ ١ / ٢٣٥ ]
متخبطين، وكان الواجب على مذهب هؤلاء أن يقولوا للميت «من إلهك» لا «من ربك»، أو يسألوه عن هذا وذلك» .
وقال القضاعي أحد أئمة القبورية: (ولا يقولان له: إنما اعترفت بتوحيد الربوبية، وليس توحيد الربوبية كافيًا في الإيمان) .
الشبهة الخامسة: استدلالهم بحديث: «قل ربي الله ثم استقم» .
استدل به عدة من القبورية.
وتقرير استدلالهم مر في الشبهة الثالثة.
الجواب عن هذه الشبه الأربع:
لقد تصدى العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) لجواب هذه الشبه بذكر تمهيد طويل وجواب مختصر فقال:
(أقول: لا مرية أننا مأمورون باعتقاد أن الله وحده ربنا ليس لنا رب غيره، وباعتقاد أن الله وحده هو معبودنا، ليس لنا معبود غيره، ولا نعبد إلا إياه.
والأمر الأول: هو الذي يقال: «توحيد الربوبية» .
والأمر الثاني: هو الذي يقال: «توحيد الألوهية» .
والإشراك في الأول: يسمى «الإشراك في الربوبية» .
والإشراك في الثاني: يسمى «الإشراك في الألوهية» .
[ ١ / ٢٣٦ ]
والآيات الدالة على الأمر الأول كثيرة) .
ثم ذكر كثيرًا منها، ثم قال:
(وأما الآيات الدالة على الأمر الثاني «يعني توحيد الألوهية» فأكثر من أن تحصى) .
ثم ذكر كثيرًا منها، ثم قال:
(ولا أظنك شاكا في أن مفهوم «الرب» ومفهوم «الإله» متغايران، وإن كان مصداقهما في نفس الأمر وفي اعتقاد المسلمين المخلصين واحد.
وذلك يقتضي تغاير مفهومي التوحيدين، فيمكن أن يعتقد أحد من الضالين «توحيد الرب» ولا يعتقد «توحيد الإله»، وأن يشرك واحد من المبطلين في «الألوهية»، ولا يشرك في «الربوبية» وإن كان هذا باطل في نفس الأمر. ألا ترى أن مصداق «الرازق» ومالك السمع والأبصار، والمحيي، والمميت، ومدبر الأمر، ورب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، والخالق، ومسخر الشمس والقمر، منزل الماء من السماء، ومصداق «الإله» واحد. ومع ذلك كان مشركو العرب يقرون بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار وغيرهما، ويشركون في «الألوهية» و«العبادة») .
ثم ذكر عدة آيات دالة على هذا المطلب، ثم قال:
(فكذلك عباد القبور الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه، يقرون بتوحيد الرازق والمحيي والمميت والخالق والمؤثر والمدبر والرب. ومع ذلك يدعون غير الله من الأموات خوفًا وطمعًا، ويذبحون لهم ويطوفون بهم ويحلقون لهم ويخرجون من أموالهم جزءًا لهم. وكون مصداق «الرب» عين مصداق «الإله» في نفس الأمر وعند المسلمين المخلصين لا يقتضي اتحاد مفهوم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، واتحاد مصداق الرب والإله عند
[ ١ / ٢٣٧ ]
المشركين من الأمم الماضية وهذه الأمة) .
ثم قال:
(الاحتمال الثالث: أن المراد بـ «الرب» «المعبود» قال القرطبي: «والرب المعبود» ) .
ثم ذكر عدة من النصوص أفادت أن المراد بالرب في هذه الآيات هو المعبود.
وقال في الجواب عن شبهات أخرى:
«(الوجه الثاني» أنه يحتمل أن يكون المراد بالرب في الآيات المذكورة «المعبود»، وقد عرفت بما تقدم أن «الرب» ربما يجيء بمعنى «المعبود») .
قلت:
حاصل الجواب: أنه لا شك في تغاير مفهومي «الرب» و«الإله» ولا ريب أيضًا أن «توحيد الربوبية» غير توحيد الألوهية، وأن الشرك في الأول غيره في الثاني. كما لا يرتاب ذو عقل سليم خبير بأحوال المشركين أنهم كانوا معترفين بالأول دون الثاني، ولكن لا يمنع ذلك أن تأتي كلمة «الرب» في بعض النصوص ويراد بها «الإله»، فكلمة «الرب» في هذه النصوص التي تشبثت بها القبورية هي بمعنى «الإله» . فالمعنى: «ألست بمعبودكم»، و«إن الذين قالوا معبودنا»، و«من معبودك»؛ لأن كثيرًا من الكلمات مع اختلاف معانيها قد تأتي إحداهما بمعنى «الأخرى» في بعض
[ ١ / ٢٣٨ ]
السياق، ومع ذلك لا يدل على أنهما شيء واحد؛ لأن الاتحاد في الصدق لا يستلزم الاتحاد في المفهوم فضلًا عن التساوي، كما صرح به العلامة محمود شكري الآلوسي.
وقد أوضح هذا المطلوب المجدد الإمام محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦هـ)، وأرى أن أذكر كلامه توضيحًا لكلام العلامتين السهسواني والآلوسي؛ قال ﵀:
(اعلم أن «الربوبية» و«الألوهية» يجتمعان ويفترقان. كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١-٣]، وكما يقال «رب العالمين»، و«إله المرسلين» . وعند الإفراد يجتمعان، كما في قول القائل: «من ربك» . مثاله: الفقير والمسكين نوعان في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] . ونوع واحد في قوله ﷺ: «افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» . إذا ثبت هذا؛ فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك، معناه: من إلهك؛ لأن توحيد الربوبية التي أقر بها المشركون ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] . فالربوبية في هذا هي «الألوهية» ليست قسيمة لها كما
[ ١ / ٢٣٩ ]
تكون قسيمة لها عند الافتراق، فينبغي التفطن لهذه المسألة) .
قلت:
نظير هذه المسألة: مسألة اتحاد الإيمان والإسلام وافتراقهما؛ فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، أي إذا ذكر الإيمان والإسلام في سياق واحد يكون المراد من الإيمان عقد القلب، ويكون المراد من الإسلام الإقرار باللسان، والعمل بالأركان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، وكما في حديث جبريل الذي فيه بيان أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة.
وإذا ذكر الإيمان دون الإسلام، يكون الإيمان شاملًا للإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] .
وإذا ذكر الإسلام دون الإيمان يكون الإسلام شاملًا للإيمان، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] .
ولقد حقق هذه القاعدة؛ قاعدة الافتراق والاجتماع وبسط القول فيها، وذكر لها نظائر كثيرة الإمام ابن أبي العز الحنفي، وقبله شيخ
[ ١ / ٢٤٠ ]
الإسلام؛ فراجعها.
الحاصل: أن مفهوم «الربوبية» غير مفهوم «الألوهية» بلا ريب؛ فهما مفهومان متغايران، أمران مستقلان اثنان، لكن قد يذكر أحدهما ويراد به الآخر في بعض السياق أحيانًا، فهذا لا يدل على اتحادهما.
فكلمة «الرب» الواردة في النصوص التي تشبث بها هؤلاء القبورية لإثبات الاتحاد بين «الربوبية» و«الألوهية» معناها «المعبود» فلا يصح استدلالهم بها على اتحاد مفهومها.
ولذا نرى العلامة محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢هـ) بعد بحث طويل في معنى الربوبية والألوهية، وأن الأول اعترف به المشركون، وأن المعركة كانت في الألوهية فقط، وأن الأول دليل على الثاني -، أجاب عن شبهة إمام القبورية ابن جرجيس «من أن الرب والإله متحدان في المفهوم» قائلًا:
(ثم إن العراقي - عامله الله بعدله - كأنه لم يشم رائحة العلم ولا قرأ مقدماته حتى حكم باتحاد الرب والإله في المفهوم توهمًا منه: أن الاتحاد في [الصدق] يستلزم الاتحاد في المفهوم، وأن الترادف [يعني إطلاق «الرب» على «الإله» في بعض المواضع] يستلزم التساوي. وهذا جهل بالنسب بين الألفاظ. وما كفاه هذا الخبط العظيم حتى أخذ يتكلم على أهل الحق بكلام لا يصدق إلا عليه ولا يثبت صفته المذمومة لغيره. فتبًا
[ ١ / ٢٤١ ]
لشيبته الضالة، وسحقًا له من رجل لم تحنكه التجارب) .
الشبهة السادسة: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٨٠] .
قال الدجوي أحد أئمة القبورية مستدلًا بهذه الآية الكريمة على اتحاد الرب والإله:
(فصرح بتعدد الأرباب عندهم، وعلى الرغم من تصريح القرآن بأنهم جعلوا الملائكة أربابًا يقول ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب: إنهم موحدون توحيد الربوبية، وليس عندهم إلا رب واحد، وإنما أشركوا في توحيد الألوهية) .
الجواب:
لقد ذكر هذه الشبهة العلامة السهسواني مع شبهات أخرى، ثم قال:
(قلت جوابه لوجوه:
الأول: أنه ليس في شيء من الآيات المذكورة أن مشركًا قال في حق غير الله إنه رب [أي إنه خالق ومدبر الكون ونحوه] ، وإنما في بعضها اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصا على أنهم مقرون بربوبيتهم [وخالقيتهم ونحوها]؛ بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب بمعنى صرف شيء من العبادة إليهم أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام..) .
[ ١ / ٢٤٢ ]
قلت: حاصل هذا الجواب: أنه ليس المراد من لفظة «الرب» في مثل هذا السياق «الخالق الرازق مدبر الكون» حتى يلزم ما زعمته القبورية، بل المراد من «الرب» في مثل هذا السياق هو «المعبود» .
وقد يرد في بعض السياق «الرب» ويراد منه «المعبود»، كما تقدم ذلك على لسان علماء الحنفية.
فلفظة «الرب» في هذه الآية بمعنى «المعبود» .
وأقول: يدل عليه أيضًا ما ذكره المفسرون من علماء الحنفية سببين لنزول هذه الآية:
الأول: أن بعض اليهود والنصارى قال للنبي ﷺ: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن نعبد غيره، أو أن نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني»، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
والثاني: أن رجلًا قال: «يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض؟ أفلا نسجد لك؟ قال: لا، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله، فإنه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله تعالى»، فنزلت.
فالحاصل:
أنه ليس في الآية إشارة ولا صراحة أن المشركين كانوا يشركون بالله في الخالقية والرازقية وتدبير الكون، فانهار استدلال القبورية.
[ ١ / ٢٤٣ ]