في جهود علماء الحنفية في الجواب عن شبهة القبورية
التي تشبثوا بها في إنكار وجود الشرك في هذه الأمة
لقد سبق أن ذكرت عدة شبهات للقبورية وسقت أجوبة علماء الحنفية عنها، منها شبهتهم في تعريف التوحيد.
ومنها ست شبهات لجعلهم توحيد الألوهية عين توحيد الربوبية.
ومنها أربع عشرة شبهة لزعمهم أن المشركين كانوا مشركين في توحيد الخالقية والرازقية والمالكية والربوبية.
ومنها شبهة في تعريف العبادة.
ومنها شبهة في حصرهم للعبادة في عدة أعمال.
ومنها شبهة في عدم جعل القبور أوثانًا.
وقد سبق جواب الحنفية عنهما فصار كأن لم يغن بالأمس، بحمد الله وتوفيقه.
[ ١ / ٤٨٥ ]
وللقبورية شبهات كثيرة سأذكرها مع أجوبة علماء الحنفية عنها إن شاء الله تعالى:
منها ما يتعلق بالشرك.
ومنها ما يتعلق بعلم الغيب.
ومنها ما يتعلق بالتعرف في الكون.
ومنها ما يتعلق بالاستغاثة بالأموات.
ومنها ما يتعلق بسماع الأموات.
ومنها ما يتعلق بالحياة البرزخية.
ومنها ما يتعلق بالتوسل.
ومنها ما يتعلق بالنذر للقبور.
وغيرها من الشبهات القبورية الوثنية.
وفي هذا المبحث أذكر أولًا شبهة القبورية التي تشبثوا بها في زعمهم أن الشرك لم يقع في هذه الأمة، ثم أذكر ثانيًا جواب علماء الحنفية عنها لإتمام الحجة وإيضاح الحجة.
[ ١ / ٤٨٦ ]
أولًا: عرض هذه الشبهة:
لقد حاولت القبورية على عادتهم السيئة إخفاء وثنيتهم وستر إشراكهم الأكبر وتبرير عبادتهم لأموات ولا سيما عند الكربات بالتشبث بعدة شبهات قد سبق ذكر بعضها وسيأتي ذكر بعضها، ومن تلك الشبهات:
زعمهم أن الشرك لم يقع في هذه الأمة وتشبثوا بقول النبي ﷺ:
«إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» .
وغيره من الأحاديث التي وردت في هذا المعنى، واستدلت القبورية بها، على أن الشرك غير واقع في جزيرة العرب ليأس الشيطان أن يعبده المسلمون.
وقد فسرت القبورية جزيرة العرب بأنها:
جنوبًا وشمالًا: من عدن إلى ديار بكر.
وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر.
فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر.
قال الشيخ سليمان بن عبد الوهاب (توفي حوالي سنة ١٢١٠هـ)،
[ ١ / ٤٨٧ ]
في صدد تقرير استدلاله بهذا الحديث وأمثاله، ما حاصل كلامه:
إن هذا الحديث يقرر أن الشيطان لا يعبد في جزيرة العرب، مع أن ما تعدونه كفرًا وشركًا وعبادة القبور والأوثان، من الاستغاثة بالأولياء والنذر لهم ونحوها - ملأت مكة، والمدينة، واليمن، والحجاز، والعراق من سنين متطاولة.
ودل على أن الشرك لم يقع في الجزيرة فما بالك بغيرها.
الجواب:
ولقد أجاب علماء الحنفية بأجوبة:
منها: أن المراد من قوله ﷺ: «المصلون» في هذا الحديث: هم المؤمنون الكاملون العارفون للتوحيد والشرك المصلون صلاة صحيحة أمثال الصحابة ﵃ ومن تبعهم بإحسان من أهل السنة والحديث والأثر، وليس المراد من يصلي فقط وينتمي إلى الإسلام مع ارتكابه الشرك والكفر.
قال العلامة شكري الآلوسي:
[ ١ / ٤٨٨ ]
(إن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدقون بما جاء به الرسول ﷺ من عند ربه المذعنون له الممتثلون لأوامره المنتهون عما نهى عنه.
ولا شك: أن من كان على هذه الصفة - فهو على بصيرة ونور من ربه.
فلا يطمع فيه الشيطان أن يعبده.
وأما من تسمى باسم الإسلام، وتعاطى كل ما نهى عنه النبي ﷺ فيما يسر ويعلن - فهو باسم المنافق أحق منه باسم المؤمن، وإن صام وصلى.
فمن التجأ إلى غير الله، وتوكل على غيره، ودعاه * في سره ونجواه * - لم يكن مؤمنًا برب العالمين * ولا مقرا بوحدانية إله السماوات والأرضين *
فوجود مثل هذا في جزيرة العرب - لا ينافي الحديث الصحيح * كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل رجيح * وإطلاق المصلين على المؤمنين * كثير في كلام العارفين*) .
وقال: (ويحتمل: أن يراد بالمصلين: «أناس معلومون»؛ بناء على أن تكون «ال» للعهد، وأن يراد بهم الكاملون فيها، بناء على أن تكون للكمال: وهم خير القرون، ويؤيد ذلك قوله ﷺ في آخر الحديث:
[ ١ / ٤٨٩ ]
«ولكن في التحريش بينهم» ) .
ولابن آصف الفنجفيري الملقب عند الحنفية بشيخ القرآن (١٤٠٧هـ) كلام قريب من هذا.
الحاصل: أن الشرك قد وقع في القبورية من هذه الأمة، وهذا الحديث لا ينافي ذلك بحمد الله تعالى، وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الثالث؛ لنعرف جهود علماء الحنفية في الرد على شبهات القبورية الأخرى.
*****
[ ١ / ٤٩٠ ]