في بيان شروط صحة توحيد العبادة
إن علماء الحنفية - كما اهتموا ببيان ركني التوحيد - كذلك اهتموا ببيان شروط صحة التوحيد، فذكروا لتوحيد العبادة عدة شروط، وصرحوا بأنه لا صحة للتوحيد إلا بعد توفر تلك الشروط، وكل ما أذكره عن الحنفية فهو رد على القبورية فإنهم قد أخلوا بتلك الشروط، بارتكابهم الشرك بسبب عبادتهم القبور وأصحابها فلم يصح توحيدهم. وفيما يلي بيانها:
الشرط الأول:
فهم معنى توحيد العبادة، والعلم به المنافي للجهل؛ فمن قال: «لا إله إلا الله» ولم يفهم معناها - لا يدخل في الإسلام، ولا يصح توحيده، ففهم معنى كلمة التوحيد من أعظم شروط صحة توحيد العبادة وأهمها ولما لم يعرف القبورية معناها، وما هو الإله، وما هي العبادة؟ لم يعرفوا ما يضاد التوحيد من الشرك بالله تعالى، فعبدوا القبور وأهلها بأنواع من العبادات.
فناقضوا كلمة التوحيد، وأشركوا بالله بأنواع من الإشراك.
وفيما يلي بعض نصوص علماء الحنفية في أهمية العلم بمعنى كلمة التوحيد:
[ ١ / ١٦١ ]
١ - قال الإمام البدر العينتابي (٨٥٥هـ) في شرح قول الإمام البخاري (٢٥٦هـ):
(باب العلم قبل القول والعمل؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأ بالعلم) .
(أي هذا باب في بيان أن العلم قبل القول والعمل: أراد أن الشيء يعلم أولًا، ثم يقال، ويعمل به؛ فالعلم مقدم عليهما بالذات، وكذا مقدم عليها بالشرف؛ لأنه عمل بالقلب، وهو أشرف أعضاء البدن ؛ وقال ابن المنير: أراد: أن العلم شرط في صحة القول والعمل؛ فلا يعتبران إلا به؛ فهو متقدم عليهما؛ لأنه مصحح النية المصححة للعمل؛ فنبه البخاري على ذلك) .
٢ - وقال الملا علي القاري (١٠١٤هـ):
(يتعين على كل موقن أن يعتني بشأنها [كلمة التوحيد] مبنى ومعنى، لينقل من إفادة مبناها * إلى إعادة معناها *؛ فإنها مفتاح الجنة * وعن النار بمنزلة الجُنة * للناس والجِنة * وقد نص الأئمة * من سادات الأمة *:
[ ١ / ١٦٢ ]
أنه لا بد من فهم معناها * المترتب على علم مبناها *؛ ليخرج عن ربقة التقليد، ويدخل في رفعة التحقيق والتأييد؛ وقد قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] .
٣ - وقال العلامة اللكنوي (١٣٠٤هـ)، ﵀.
٤ - (وفي النوازل الفقهية، لأبي الليث السمرقندي [٣٧٥هـ):
٥ - سئل أبو القاسم:
في رجل لا يحسن العربية، وقد تعلم في صغره.
آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره
[ ١ / ١٦٣ ]
وشره؛ ويعلم أن هذا هو الإيمان.
إلا أنه إذا سئل عن تفسيره لا يحسن تفسيره!
أهو مؤمن؟
قال: هذا حافظ كلامًا لا يدري ما هو؟) .
٦ - ٧ - ولقد صرح كثير من علماء الحنفية أن مجرد التلفظ بكلمة التوحيد؛ ومجرد قولها باللسان بدون فهم معناها والاعتقاد بها من عمق القلب لا يفيد شيئًا.
واستدل كثير من الحنفية على اشتراط العلم بمعنى كلمة التوحيد بحديث: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» .
فهذا الحديث صريح في أنه لا يكفي مجرد التلفظ بكلمة التوحيد دون فهم معناها والاعتقاد بها من عمق القلب.
٨ - وقال العلامة الخجندي (١٣٧٩هـ) محققًا أن التلفظ بكلمة التوحيد بدون فهم معناها وبدون العلم بالمراد منها - لا يفيد شيئًا:
(واعلم: أن «لا إله إلا الله» - هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام، وليس المراد قولها باللسان فقط، مع الجهل بمعناها، ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب والإذعان لها) .
ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك ثم قال:
[ ١ / ١٦٤ ]
(إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة) .
ثم قال:
(واعلم: أن لا إله إلا الله هي الكلمة الفارقة بين الكفر والإسلام؛ فمن قالها - عالمًا بمعناها، ومعتقدًا إياها - فقد دخل في الإسلام * وصار من أهل دار السلام *) .
٩ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا؛ محققًا أن التلفظ بكلمة التوحيد بدون فهم معناها لا يجدي ولا ينفع:
(و«لا إله إلا الله» هي كلمة الإخلاص المنافية للشرك، وكلمة التقوى التي تقي قائلها من الشرك بالله؛ ولكن لا تنفع قائلها عند الله، وفي دار الآخرة إلا بشروط:
الأول: العلم بمعناها: نفيا وإثباتًا.
والثاني: اليقين، وهو كمال العلم بها، المنافي للشك.
والثالث: الإخلاص المنافي للشرك؛ فمن يقول: «لا إله إلا الله»، ولكن لا يفهم معناها، ولا يعمل به فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]؛ فالعلم مقدم على القول والعمل ) .
١٠ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا - مبينًا أن المشركين السابقين كانوا يعرفون معنى كلمة التوحيد بخلاف القبورية:
(فإذا عرفت ما ذكرنا، فاعلم أن المشركين الذين دعاهم النبي ﷺ
[ ١ / ١٦٥ ]
إلى الإيمان كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ كما بين الله تعالى في كتابه؛ ولم يدخلهم ذلك التوحيد في الإسلام؛ بل قاتلهم رسول الله ﷺ إلى أن يقروا بتوحيد الألوهية، وهو معنى: «لا إله إلا الله»؛ والمراد من هذه الكلمة: معناها، لا مجرد لفظها؛ والكفار الجهال كانوا يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالعبادة، والتبرؤ مما يعبد من دون الله، والكفر به؛ فإنه لما قال لهم: «[يا أيها الناس!] قولوا: لا إله إلا الله [تفلحوا]» - قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص٥]؛ وقد عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك؛ فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار!؛ بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم يظن: أن معناها: «لا يخلق، ولا يرزق إلا الله»، و«لا يدبر الأمر إلا الله» .
فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى «لا إله إلا الله»؛ وقد ذكر الله تعالى في كتابه: أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم بالملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] ، فمن قال «لا إله إلا الله»، ومع ذلك يفعل الشرك الأكبر:
كدعاء الموتى والغائبين وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات،
[ ١ / ١٦٦ ]
والتقرب إليهم بالنذر والذبائح فهذا مشرك شاء أم أبى) .
١١ - قلت: يدل هذا النص أن المشركين السابقين وهؤلاء القبوريين كلهم في الحقيقة غير مؤمنين بكلمة التوحيد؛ غير أن المشركين السابقين كانوا يعرفون معناها، ويعلمون أن هذه الكلمة تمنعنا من عبادة آلهتنا من الاستغاثة والنذور ونحوها.
فلذا كانوا يأبون التلفظ بها ولم يكونوا يقولونها قطعًا.
وأما هؤلاء القبوريون فهم لأجل أنهم لا يعرفون معناها، ولا يعلمون أنها تضاد ما هم عليه من عبادة القبورية وأهلها من الاستغاثة والنذور ونحوها يتلفظون بها ويقولونها مئات المرات بل الآلاف، ولكن إذا فسر لهم معناها، وأنها تنهاهم عن عبادة الصالحين فهم حينئذ يأبون معناها؛ ولو كان هؤلاء القروية عارفين بمعنى هذه الكلمة - كالمشركين السابقين - لكانوا أشد الناس إباء عن التلفظ بها وامتناعًا عن قولها باللسان؛ كإخوانهم المشركين السابقين. والله المستعان على ما يصفون.
١٢ - وقال ﵀ مبينًا أنه لا عبرة بالتلفظ بالكلمة بدون فهم المعنى:
(وغالب من يقول: «لا إله إلا الله» وإنما يقولها تقليدًا؛ ولم تخالط بشاشة الإيمان قلبه، فلا يعرف ما تنفيه، وما تثبته؛ ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يصرف عنها عند الموت؛ وفي القبور أمثال هؤلاء يقولون - كما في الحديث الصحيح: «سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته»
[ ١ / ١٦٧ ]
الحديث) .
قلت: لا يخشى عليهم عند الموت فقط؛ بل يخشى عليهم قبل الاحتضار في حياتهم اليومية، بل ليس الأمر إلى حد الخشية فحسب؛ بل الحقيقة أن هؤلاء قد صرفوا عن كلمة التوحيد فعلًا، وناقضوها بأنواع من الإشراك بالله سبحانه، وأبطلوها بأنواع من العبادات للقبور وأهلها.
الشرط الثاني: اليقين المنافي للظن والشك.
[ ١ / ١٦٨ ]
١ - قلت: اشتراط اليقين قد تقدم في نفس كلام العلامة الخجندي.
٢ - ومن الأدلة القاطعة التي استدل بها الحنفية على اشتراط اليقين القلبي المنافي للظن والشك حديث أبي هريرة ﵁:
«من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة» .
فهذا الحديث صريح في اشتراط اليقين وهو يقيد تلك الأحاديث المطلقة الواردة في فضل كلمة التوحيد.
٣ - ٥ - قال العلامة القاري (١٠١٤هـ) في شرح هذا الحديث وتبعه العثماني (١٣٦٩هـ) واللفظ للأول: «مستيقنًا بها» أي بمضمون هذه الكلمة «قلبه» أي منشرحًا بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد؛ وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق:
أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون النطق عند الضرورة، أو عند الطلب، ولا النطق دون الاعتقاد بالإجماع؛ بل لا بد منهما) .
٦ - قلت: ويؤكد ذلك حديث: « «لا يلقى الله بهما عبد غير شاك» »؛ فهو نص صريح في أنه لا يكفي مجرد قولها باللسان؛ بل لا
[ ١ / ١٦٩ ]
بد من اليقين المنافي للظن والشك والتردد.
وأن هذا الحديث مقيد لتلك الأحاديث المطلقة الواردة في قول لا إله إلا الله، فلا حجة لأهل البدع في تلك الأحاديث المطلقة؛ لأن هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث التي ورد فيها قيود مع قول لا إله إلا الله تقيد تلك الأحاديث المطلقة.
الشرط الثالث: التصديق المنافي للتكذيب:
فلقد صرح علماء الحنفية باشتراط التصديق بمعنى كلمة التوحيد وأن المرء لا يكون مسلمًا عند الله بدون التصديق؛ وأنه لا يكفي مجرد قولها باللسان والإقرار بها بدون التصديق من عمق القلب.
١ - وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه من أهل السنة، فإن حقيقة الإيمان عندهم الإقرار باللسان والتصديق بالجنان بل يؤيده مذهب الحنفية الماتريدية المرجئة الجهمية المعطلة أيضًا.
٢ - فإن حقيقة الإيمان عندهم التصديق بالجنان فقط.
وأما الإقرار باللسان فهو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية وليس شرطًا
[ ١ / ١٧٠ ]
لحقيقة الإيمان ولا ركنًا له.
فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه فهو مؤمن ناج عندهم.
مع أن الحق في هذا هو مذهب أهل الحديث وأهل السنة المحضة من أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
٣ - ومن أصرح الحجج، وأقوى البراهين التي استدل بها علماء الحنفية على اشتراط التصديق بالجنان مع الإقرار باللسان حديث أنس ﵁.
«ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه على النار» .
٤ - ولعلماء الحنفية كلام في شرح هذا الحديث يؤكد ما سبق.
الشرط الرابع: الإخلاص المنافي للشرك والنفاق والرياء والسمعة:
فلا يصح توحيد الشخص وإقراره به والتظاهر بأنه موحد إلا إذا صدق
[ ١ / ١٧١ ]
به بقلبه مخلصًا لله ﷿ خائفًا من عقابه راغبًا في ثوابه راجيًا من الله الجنة وما أعده للموحدين من النعيم المقيم، وإلا يكون منافقًا مرائيًا مغرضًا من المغرضين ممرضًا من الممرضين.
١ - ولقد استدل علماء الحنفية على اشتراط الإخلاص بأدلة كثيرة منها قوله ﷺ في حديث محمود بن عتبان في قصة مالك بن دخشن ﵃:
«فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» .
وفي لفظ: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه الله إلا حرم الله عليه النار» .
وفي لفظ: «ألا تقولونه: يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله؛ قال: بلى، قال: فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار» .
٢ - ولعلماء الحنفية كلام مهم في شرح هذا الحديث يفيد أن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه فقد برئ من النفاق؛ وأن هذا الحديث وأمثاله يفيد تلك الأحاديث الواردة في إطلاق القول «لا إله إلا الله» .
وأن هذه الأحاديث المقيدة مفسرة لتلك الأحاديث المطلقة.
٣ - وقد تقدم كلام العلامة الخجندي في أن من شروط كلمة التوحيد
[ ١ / ١٧٢ ]
- الإخلاص المنافي للشرك.
وسيأتي مزيد تحقيق وتفصيل لهذا الشرط إن شاء الله تعالى.
وبعد أن عرفنا أهمية أركان توحيد العبادة وشروط صحته ننتقل إلى الباب الآتي لنعرف جهود علماء الحنفية في تحقيق أن توحيد العبادة غير توحيد الربوبية، وإبطال قول القبورية باتحاد الربوبية والألوهية. وبالله التوفيق * وبيده أزمة التحقيق *.
*****
[ ١ / ١٧٣ ]