في جهود علماء الحنفية في إبطال شبهات القبورية التي تشبثوا بها لتحقيق زعمهم: أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخالقية والمالكية والربوبية والرازقية ونحوها
للقبورية شبهات كثيرة استندوا إليها لتحقيق أن المشركين السابقين ولا سيما مشركي العرب في الجاهلية إنما كانوا مشركين آلهتهم بالله تعالى في الخالقية والمالكية والربوبية والرازقية.
بل سووا آلهتهم بالله سبحانه وعدلوهم به تعالى، بل كانوا يرجحون آلهتهم على الله تعالى، بل كانوا يسبون الله تعالى إعظامًا لآلهتهم.
وفيما يلي بعض أهم شبهاتهم أعرضها للقراء الكرام، مع بعض جهود علماء الحنفية في إبطالها وقمعها، إتمامًا للحجة وإيضاحًا للمحجة، فأقول مستعينًا بالله تعالى:
الشبهة الأولى: تشبث القبورية بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] .
قالت القبورية مستدلين بهذه الآية: إن المشركين كانوا دهرية منكرين للخالق.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قلت:
لقد أجاب علماء الحنفية عن هذا الاستدلال بجوابين:
الأول: أن هذه الآية ليس فيها إنكار مشركي العرب للخالق، بل الآية سيقت لبيان اعتقادهم وغلوهم في إنكار البعث، وإنكار قبض ملك الموت أرواحهم بإذن الله، فأنكروا البعث وقالوا: إن الدهر يهلكنا لا ملك الموت.
فالحصر هاهنا في الآية حصر بالنسبة لملك الموت، لا أنهم ينكرون وجود الله تعالى.
ومع ذلك كان فيهم من يثبت نوعًا من التصرف للدهر.
قال الزمخشري (٥٣٨هـ) والنسفي (٧١٠هـ) والعمادي (٩٨٣هـ) والآلوسي (١٢٧٠هـ) واللفظ له:
(وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله ﷿، وكانوا يسندون الحوادث مطلقًا إليه لجهلهم أنها مقدرة من عند الله، وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر، وهؤلاء معترفون بوجود الله فهم غير الدهرية؛ فإنهم - أي الدهرية - مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر لا يقولون بوجود الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، والكل يقول باستقلال الدهر بالتأثير) .
الجواب الثاني: أن هذا اعتقاد بعض الجاهلية الذين كانوا زنادقة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
قلت: لا شك أن الزنادقة لا دين لهم فهم إن أنكروا خالقية الله تعالى وربوبيته ونسبوا الحوادث إلى الدهر، فهذا منهم مكابرة وعناد.
فهذه الآية لا تناقض ما حكى الله عنهم من اعترافهم بتوحيد الربوبية، فهم يقولون ذلك بالألسنة مع أن قلوبهم تشهد بخلاف ذلك.
الشبهة الثانية: تشبثهم بقول الشاعر:
أشاب الصغير وأفنى الكبي ر كر الغداة ومر العشي
قالوا: هل يعقل أن يقول عاقل: إن أصحاب هذا الكفر كانوا يقرون بتوحيد الربوبية؟ .
والجواب: أن هذه الشبهة في غاية من الحماقة والبلادة؛ لأن هذا الشاعر كان مسلمًا؛ فكيف يتصور أنه كان ملحدًا دهريا زنديقًا منكرًا لخالق الكائنات ورب البريات؟ .
والظاهر أنه عنى: أن البلايا في الدهر أشابت الصغير وأفنت الكبير.
ولا يعبد أن يكون قوله هذا في شدة تلك المصائب، مثل ما في قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧]، ولو سلم أنه كان كافرًا فجوابه ما سبق في الجواب عن الشبهة السابقة وبالله التوفيق.
الشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]،
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] .
قالوا: هذه الآيات صريحة في إنكار المشركين للخالق ﷾، فدل أنهم كانوا مشركين في خالقية الله تعالى.
وأجاب الحنفية بأجوبة ثلاثة:
الأول: أن المراد من الكفر في هذه الآيات كفر النعمة، والمعنى: كيف تكفرون نعم الله؟ .
والثاني: أن المراد من كفرهم بالله هو كفرهم بكتاب الله؛ فعبر عن ذلك بكفرهم بالله.
والجواب الثالث: أن المراد من الكفر بالله كفرهم بتوحيد الله، فمعنى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾: كيف تعبدون معه غيره. فكفرهم بالله اتخاذ الأنداد والشركاء له سبحانه. ولذا قال الآلوسي في بيان الربط بين الجملتين في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ -: (لأن الأولى متحدة بقوله تعالى ﴿تَكْفُرُونَ﴾ بمنزلة إعادتها) .
الشبهة الرابعة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠] .
[ ١ / ٢٤٨ ]
قالوا: فلم يجعلوه ربًا.
بل هو صريح في أنهم كانوا منكرين للخالق ﷾.
أقول: إن الحنفية قد أجابوا عن هذه الشبهة بأجوبة ثلاثة:
الجواب الأول: ما مر في الجواب عن الشبهة الثانية.
أن المراد بالكفر بالرحمن هاهنا هو الكفر بتوحيده.
قال العلامة الجاجروي:
(قال ابن جرير: يقول: وهم يجحدون وحدانية الله ويكذبون بها) .
والجواب الثاني: ما مر أيضًا في الأجوبة عن الشبهة الثالثة من أن المراد كفر النعمة، وهي إرسال الرسول وإنزال القرآن لهدايتهم.
قال الآلوسي:
(فلم يشكروا نعمة الله سبحانه لا سيما ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية عليهم، بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر) .
الجواب الثالث: أن المراد أنهم أنكروا هذا الاسم لله تعالى كما ورد ذلك في سبب نزول هذه الآية، فأنكروا تسمية الله بالرحمن، لا أنهم أنكروا الله تعالى؛ وهذا نوع من الإلحاد في توحيد الأسماء والصفات. وكثير من
[ ١ / ٢٤٩ ]
المشركين لا يعرفون الله تعالى باسمه «الرحمن»؛ كما روي أن سهيل بن عمرو قال يوم صلح الحديبية: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة.
وروي «أن أبا جهل سمع رسول الله ﷺ يقول: يا الله يا رحمن.
فقال: إن محمدًا ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين، فنزلت هذه الآية» .
قلت: الجواب الصحيح هو الأول: ولذا ضعف الآلوسي الجواب الثاني.
والحاصل: أن الآية ليس فيها ما يدل على أن المشركين كانوا منكرين لوجود الله تعالى وخالقيته، فبطلت شبهة القبورية.
الشبهة الخامسة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] .
قالوا: (فلم يكن مشركو العرب مؤمنين بالأحدية والربوبية) .
وقالوا: «فهل نرى صاحب هذا الكلام موحدًا أو معترفا» .
[ ١ / ٢٥٠ ]
الجواب:
لقد أجاب المفسرون من الحنفية بأن قصد المشركين إنكار تسمية الله تعالى «الرحمن» ولم يكن قصدهم إنكار مسماه، وهو الخالق الرازق الرب؛ لأنهم لا يعرفون الله باسمه «الرحمن» .
وذكر الآلوسي:
(وقيل سألوا عن ذلك لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله كما يطلقون الرحيم والرحوم والراحم عليه، أو لأنهم ظنوا أن المراد غيره ﷿، فقد شاع فيما بينهم تسمية مسيلمة برحمن اليمامة) .
وكانوا ينكرون أن يسمى الله تعالى باسمه «الرحمن» كما أنكروا ذلك يوم الحديبية.
الشبهة السادسة: تشبث القبورية بقوله تعالى: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨] .
قال الدجوي (١٣٦٥هـ): انظر إلى قولهم، فهم سووا آلهتهم بالله في جعلهم أربابًا كما هو ظاهر لغير المتعسف.
الجواب: أنه قد صرح علماء الحنفية في تفسير هذه الآية: أن المراد من التسوية هاهنا عند الكفار التسوية في العبادة واستحقاقها.
[ ١ / ٢٥١ ]
ولا شك أن من عبد غيره تعالى فقد جعله ندا لله سبحانه، وسواه به تعالى في العبادة، وليس المراد من التسوية هاهنا تسويتهم لآلهتهم بالله تعالى في الخلق والإيجاد والربوبية والخالقية والرازقية والتصرف في الكون والمالكية، لما سبق تحقيقه مرارًا وتكرارًا على لسان الحنفية: من أن المشركين كافة لم يكونوا يعتقدون في آلهتهم ذلك بل كانوا يعتقدون: أن آلهتهم عباد معظمون عند الله مملوكون له محترمون عنده وهم شفعاؤهم عند الله تعالى.
ولا تنس ما ذكره الحنفية من تلبيتهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك» . وقد سبق تخريجها وتفسير علماء الحنفية لها.
وأقول: إن هذه الآية بمثابة آية أخرى: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١، ١٥٠]، مع قوله تعالى: ﴿أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] .
فهذه الآية الأخيرة مفسرة لهاتين الآيتين، وتبين المراد بأنهم كانوا مشبهة يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم والخضوع والمحبة، وأن المراد التسوية والعدل في المحبة والطاعة والتعظيم والعبادة، لا في الخالقية والمالكية والرازقية والتصرف في الكون ونحوها.
[ ١ / ٢٥٢ ]
الشبهة السابعة: استدلال القبورية بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] .
قال الطباطبائي أحد أئمة القبورية مستدلًا بهذه الآية:
(ثم إنه سبحانه حكم بشركهم لاتخاذهم تلك الأصنام شريكًا لله في الخلق وتدبير العالم وجوزوا عبادتها خلافًا لله تعالى ) .
ثم تشبث بهذه الآية ثم قال:
(وأين هذا ممن لا يعتقد في الأنبياء والصلحاء الخلق والتدبير ولا يعتقد عبادتهم) .
قلت: منشأ الشبهة في هذه الآية هو أن الله تعالى نهاهم عن جعل الأنداد لله، والأنداد جمع ند، وند الشيء مشارك له في جوهره، فهو أخص من المثل؛ فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت؛ فكل ند مثل، وليس كل مثل ندا.
وفرق آخر بينهما: هو أن الند هو المثل المخالف.
فدلت الآية على أن المشركين كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها مساوية
[ ١ / ٢٥٣ ]
لله في الربوبية، كما قالوا ذلك في الشبهة التي قبلها.
ولكن أجاب المفسرون من علماء الحنفية بأن المشركين لم يعتقدوا في آلهتهم أنها مساوية لله أو مشاركة له في الربوبية والخالقية؛ لأن الآية خرجت مخرج التهكم والسخرية منهم، يدل عليه قوله تعالى في آخر الآية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
قال الزمخشري (٥٣٨هـ) والعمادي (٩٨٣هـ) والآلوسي (١٢٧٠هـ) ما حاصل كلامهم:
فإن قلت: كيف سموا آلهتهم التي كانوا يعبدونها أندادًا؟ مع أنهم لم يكونوا يزعمون أنها تخالف الله أو تساويه أو تماثله في ذاته تعالى وفي صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله، وإنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى.
قلت: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات مثله قادرة على مخالفته ومضادته، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله ﷿، وتمنحهم ما لم يرد الله تعالى لهم من خير. فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم؛ فتهكم بهم وتشنع عليهم بأن جعلوا أندادًا لمن يستحيل أن يكون له ند واحد فضلًا عن أنداد كثيرة على سبيل الاستعارة التهكمية؛ حيث استعير النظير للمناسب المقرب؛ كما استعير التبشير للإنذار، والأسد للجبان، فإن المشركين جعلوا آلهتهم بحسب أفعالهم وأحوالهم مماثلة له تعالى في العبادة، وهي صفة شنعاء وصفة حمقاء، في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم.
ولله در موحد الفترة؛ زيد بن عمرو بن نفيل ﵁ حيث يقول في ذلك:
أربًا واحدًا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
[ ١ / ٢٥٤ ]
تركت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الرجل البصير
وقوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال عن ضمير (لا تجعلوا)؛ أي والحال أنكم تعلمون أن آلهتكم لا تماثل الله تعالى، وأنها لا تفعل مثل أفعاله تعالى، ولا تقدر على مثل ما يفعل سبحانه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] .
وقال العلامة محمود شكري الآلوسي (ت ١٣٤٢):
(فالمشركون كانوا مشبهة يشبهون آلهتهم بالله تعالى في الإلهية؛ حيث غلوا في تعظيمهم وحبهم، وإن لم يشبهوهم بالله تعالى في كل وجه؛ فكل مشرك مشبه. وهذا التشبيه هو أصل عبادة الأصنام المشركين المشبهين العادلين بالله غيره. قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾، فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلًا للخالق. والند: الشبه؛ يقال: فلان ند فلان، وند ونده أي شبهه ومثله. ومنه قول حسان:
أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء
وقال جرير:
[ ١ / ٢٥٥ ]
أين ما تجعلون إلي ندا وما يتم لذي حسب نديد
فتبين أن المشبهة هم الذين يشبهون المخلوق بالخالق في العبادة والتعظيم والخضوع والحلف به والنذر له والسجود له والعكوف عند بيته وحلق الرأس له والاستعانة به والتشريك بينه وبين الله تعالى في قولهم:
ليس إلا الله وأنت، وأنا متكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما شاء الله وشئت، وهذا لله ولك، وأمثال ذلك، فهؤلاء هم المشبهة. فمن تدبر هذا الفصل حق التدبر تبين له كيف وقعت الفتنة في الأرض بعبادة الأصنام، وتبين له سر القرآن في الإنكار على هؤلاء المشبهة الممثلة) .
الشبهة الثامنة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
استدل الدجوي (١٣٦٥هـ) بهذه الآية على بطلان الفرق بين توحيدي الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين لم يكونوا مقرين بتوحيد الربوبية.
وقال المالكي مستدلًا بهذه الآية على أن المشركين لم يعترفوا بربوبية الله تعالى، بل جعلوا الله أقل منزلة من أصنامهم:
(فلولا أن الله تعالى في نفوسهم من تلك الحجارة ما رجحوها
[ ١ / ٢٥٦ ]
عليه هذا الترجيح الذي تحكيه هذه الآية) .
الجواب:
أقول: تسمية هذا المالكي القبوري آلهة المشركين بـ «الأحجار» غفلة فاحشة وكذب مكشوف؛ لأن المشركين كانوا يعبدون الأنبياء والصالحين، ولم يكونوا يعبدون الأحجار، غير أنهم جعلوا صور الأنبياء والصالحين قبلة لعبادتهم كما تقدم.
وأما صنيعهم الذي ذمهم الله به في الآية، فلا شك أنهم في ذلك على ضلال، إذ لا شك أنهم رجحوا ما نذروه لآلهتهم على ما نذروه لله تعالى، ولكن هذا ليس لأجل أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم أرفع مكانة من الله، وليس فيه أنهم جعلوا آلهتهم شركاء لله في الخلق وتدبير العالم، غاية ما في الأمر أن المشركين كانوا ينذرون لله تعالى، وينذرون لآلهتهم الباطلة أيضًا، فما نذروه لآلهتهم لا ينفقونه على المساكين وأبناء السبيل والضيوف وغيرهم من الوجوه، وما نذروه لله ينفقونه على آلهتهم، وسدنتها وعاكفيها، ويعللون صنيعهم هذا بأن الله تعالى غني غير محتاج، وإنما ذلك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها.
صرح بذلك جمع من المفسرين الحنفيين.
وقال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥هـ) أحد أئمة الحنفية:
(روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يسمون لله جزءًا من
[ ١ / ٢٥٧ ]
الحرث، ولآلهتهم جزءًا، فما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه، وما ذهبت به الريح من الجزء الذي سموه لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وقالوا إن الله غني عن هذا) .
وقال السدي:
(ما خرج عن نصيب الأصنام أنفقوه عليها، وما خرج عن نصيب الله تصدقوا به، فإذا هلك الذي لشركائهم وكثر الذي لله قالوا لا بد من النفقة، فأخذوا الذي لله وأنفقوه على الأصنام، وإذا هلك الذي لله وكثر الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى له، فلا يزيدون عليه شيئا. فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ) .
وقال القاضي الباني بتي أحد كبار الحنفية (١٢٢٥هـ) في تفسير هذه الآية:
(حيث كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه له دون العكس. قال قتادة: كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جعلوه لله وأكلوا منه ووفروا ولم يأكلوا ما جعلوه للأوثان) .
وقال الإمام ولي الله إمام الحنفية (١١٧٦هـ):
(كانوا ينفقون ما نذروه لله على المساكين والضعفاء، وينفقون ما نذروه لآلهتهم على سدنتها وعاكفيها، ولكن إذا اختلط بنذر آلهتهم شيء من نذر الله ضموه إلى نذر آلهتهم دون العكس، وقالوا: إن الله غني لا
[ ١ / ٢٥٨ ]
يحتاج إليه وآلهتنا في حاجة إلى ذلك) .
وكانوا يرجحون جانب نذر آلهتهم على جانب نذور الله تعالى خوفًا من آلهتهم لئلا تصيبهم بلية لو قصروا في حقهم.
قلت: ونظير صنيع هؤلاء المشركين صنيع كثير من فسقة القبورية، فترى أحدهم لا يؤتي الزكاة المكتوبة، ولكن يهتم اهتمامًا بالغًا بإخراج ما ينذره لأهل القبور خوفًا من أن تصيبه بلية في ماله أو نفسه أو أهله أو ولده.
الحاصل:
أنه ليست أية إشارة في هذه الآية إلى أن المشركين كانوا بصنيعهم الفاحش هذا منكرين لخالقية الله ومشركين به آلهتهم في الخالقية والرازقية والربوبية، بل كانوا يعبدون الله وغيره من آلهتهم؛ فلا يصح التمسك بها.
وهكذا ترى القبورية إذا أحاطت بهم بلية في البر أو البحر يدعون أهل القبور ولا يكادون يدعون الله حتى في تلك الحالة بخلاف مشركي العرب، فإنهم كانوا يخلصون في دعاء الله تعالى وينسون ما كانوا يعبدونهم من دون الله كما سيأتي تفصيله على لسان علماء الحنفية.
بل تجاوز بعض القبورية إلى حد صار شركهم أشنع من شرك مشركي العرب، حيث يزعمون أن الولي أسرع إجابة من الله تعالى
انظر إلى هذا النتن والغلو والإسراف.
فإن كان صنيع مشركي العرب يقتضي الإشراك بالله في الخالقية
[ ١ / ٢٥٩ ]
والرازقية والربوبية، فالقبورية أيضًا أشركوا بالله في الربوبية بالطريق الأولى.
ولهذا قال الآلوسي ردا على القبورية وكشفًا لعوراتهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥]:
(وقد رأينا كثيرًا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين، يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده، ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ﷿، وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات، وينادي يا فلان أغثني. فقلت له: قل يا الله، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء. وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله ﷿. وهذا من الكفر بمكان نسأل الله أن يعصمنا من الزيغ والطغيان) .
الشبهة التاسعة: تشبثهم بقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨] .
فقد استدل بعض أئمة القبورية بهذه الآية على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى بطلان أن المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله
[ ١ / ٢٦٠ ]
تعالى.
فقد قال الدجوي (أحد أئمة القبورية) (١٣٦٥هـ):
(هذه الآية أدل الأدلة على هذا، فهل ترى للمشركين توحيدًا بعد ذلك. أما التيميون فيقولون بعد هذا كله: إنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية) .
وقال المالكي أحد رؤساء القبورية في صدد أن المشركين لم يعترفوا بأن الله هو الخالق وحده، وإثبات أن المشركين أشركوا آلهتهم في خالقية الله تعالى مستدلًا بهذه الآية:
(وإذا غضبوا قابلوا المسلمين بالمثل فيسبون الله تعالى غيرة على تلك الأحجار التي كانوا يعبدونها يعتقدون أنها تنفع وتضر، فيرمون الله بالنقائص. وهذا واضح جدا في أن الله تعالى أقل منزلة في نفوسهم من تلك الأحجار التي كانوا يعبدونها. ولو كانوا يعتقدون حقا أن الله تعالى هو الخالق وحده، وأن أصنامهم لا تخلق لكان على الأقل احترامهم له تعالى فوق احترامهم لتلك الأحجار) .
أقول: هذه الآية لا تدل بحال على أن المشركين كانوا ينكرون خالقية الله وربوبيته أو أنهم كانوا يشركون آلهتهم بالله في الخالقية والرازقية والربوبية، بل لا تدل أيضًا على أنهم كانوا يسبون الله تعالى تدينًا غيرة على آلهتهم.
فقد أجاب عن هذه الشبهة علماء الحنفية جوابين:
حاصل الأول: أن المراد من سبهم الله سبهم رسول الله ﷺ بحيث
[ ١ / ٢٦١ ]
يفضي سبهم إلى الله من دون قصد وعلم، يدل عليه قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ لأنهم كانوا يقرون بعظمة الله، وإنما عبدوا آلهتهم لتكون شفعاء لهم عنده.
وحاصل الجواب الثاني: أنهم كانوا يسبون الله صريحًا وقت الغضب فالحمية الجاهلية تحملهم على ذلك لا لأجل التدين والاعتقاد، ومثل هذا قد يحدث عن المسلم أيضًا، فتحمله شدة الغيظ على التكلم بالكفر. فمثل هذا إن صدر عن شخص لا يصدر منه تدينًا واعتقادًا، بل فسقًا وحمية وغضبًا.
قال الإمام الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (١٢٧٠هـ) والعلامة حسين علي (١٣٦٢هـ)، واللفظ للأول:
(ومعنى سبهم لله ﷿ إفضاء كلامهم إليه كشتمهم له ﷺ ولمن يأمره. وقد فسر ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بذلك أي فيسبوا الله تعالى بغير علم أنهم يسبونه، وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده سبحانه فكيف يسبونه؟ ويحتمل أن يراد سبهم له عز اسمه صريحًا ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك. ألا ترى أن المسلم قد تحمله شدة غيظه على التكلم بالكفر. ومما شاهدناه أن بعض جهلة العوام، أكثر الرافضة سب الشيخين - رضي الله تعالى عنهما - عنده فغاظه ذلك جدا، فسب عليا - كرم الله تعالى وجهه -، فسئل عن ذلك فقال: ما أردت إلا إغاظتهم، ولم أر شيئًا يغيظهم مثل ذلك. فاستتيب عن هذا الجهل العظيم.
وقال الراغب: إن سبهم لله تعالى ليس أنهم يسبونه جل شأنه صريحًا، ولكن يخوضون في ذكره تعالى ويتمادون في ذلك بالمجادلة
[ ١ / ٢٦٢ ]
ويزداون في وصفه سبحانه بما ينزه تقدس اسمه عنه. وقد يجعل الإصرار على الكفر والعناد سبا، وهو سب فعلي. قال الشاعر:
وما كان ذنب بني مالك بأن سب منهم غلام فسب
بأبيض ذي شطب قاطع يقد العظام ويبري العصب
ونبه به على ما قاله الآخر:
ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقيل: المراد بسب الله سب الرسول ﷺ، ونظير ذلك من وجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] .
قلت: احتمال سبهم الله لأجل الغضب والانتقام والحمية دون التدين والاعتقاد واضح يدل عليه قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ .
قال الإمام بيان الحق أحد كبار علماء الحنفية (ت ٥٥٥هـ):
(العدو والعدوء والعدوان والعداء والاعتداء واحد) .
أقول: وعلى هذا مشى الأستاذ المودودي ﵀ (١٩٧٩م) .
قلت: لقد شاهدنا كثيرًا من فسقة المسلمين إذا غضبوا يسبون الله ورسوله والإسلام والقرآن، نعوذ بالله من كيد الشيطان، فليس معنى ذلك أنهم ينكرون وجود الله أو يسوون غيره به تعالى في الخالقية والمالكية
[ ١ / ٢٦٣ ]
والرازقية والربوبية.
الحاصل: أن هذه الآية لا تدل على أن المشركين كانوا منكرين لخالقية الله وربوبيته، أو أنهم كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخلق وتدبير الكون.
فسقط استدلال القبورية بهذه الآية على عدم الفرق بين توحيدي الربوبية والألوهية. والله المستعان، وعليه التكلان.
الشبهة العاشرة: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله﴾ [التوبة: ٣١] .
قلت: لقد استدل القضاعي أحد أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) بهذه الآية على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الربوبية.
وقال الدجوي أحد أعناقهم (١٣٦٥هـ):
(وإني لأعجب لتفريقهم بين توحيد الألوهية والربوبية مع قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فكيف يقولون إن عندهم توحيد الربوبية) .
الجواب:
لقد فسر علماء الحنفية هذه الآية بأن المراد من «الرب» في هذه الآية ليس «الرب» بمعنى مالك الكون وما فيه وخالقه والمتصرف فيه كيف شاء، بل إطلاق «الرب» في هذا السياق ونحوه يراد به «المعبود»، وليس المراد به «المعبود مطلقا» أيضًا، بل المراد «المعبود المقيد» الذي يعبد بطاعته في
[ ١ / ٢٦٤ ]
التحليل والتحريم في الأحكام الشرعية.
وقد يعبد الشخص إمامه وشيخه ورئيسه بطاعته في التحريم والتحليل وهو لا يشعر أنه يعبده بهذه الطاعة.
فالآية لا دليل فيها على أن اليهود والنصارى اعتقدوا في أحبارهم ورهبانهم أنهم شركاء لله في خلق هذا الكون وتدبيره وترتيبه.
وإليكم بعض نصوص المفسرين من الحنفية في تفسير هذه الآية:
١ - قال الزمخشري (٥٣٨هـ):
(اتخاذهم أربابًا: أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي، وتحليل ما حرم الله وتحريم ما حلله كما تطاع الأرباب في أوامرهم ونواهيهم) .
٢ - وقال العمادي (٩٨٣هـ):
(اتخذ كل واحد من الفريقين علماء لهم لا الكل الكل ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، بأن أطاعوهم في تحريم ما أحله الله تعالى وتحليل ما حرمه الله أو بالسجود لهم ونحوه ) . ثم ذكر حديث عدي بن حاتم) .
٣ - وقال البروسوي (١١٣٧هـ):
(والمعنى أطاعوا علماءهم وعبادهم فيما أمروهم به طاعة العبيد للأرباب فحرموا ما أحل الله وحللوا ما حرم الله. ومثاله: من اعتقد أن اللبس حرام يكون كمن اعتقد أن الخمر حلال. ومن اعتقد أن لحم الغنم حرام يكون كمن اعتقد أن لحم الخنزير حلال) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
٤ - وقال الآلوسي (١٢٧٠هـ):
(والمراد في الآية: اتخذوا كل من الفريقين علماءهم لا الكل الكل ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله تعالى، وتحليل ما حرم سبحانه، وهو التفسير المأثور عن رسول الله ﷺ؛ فقد روى الشعبي وغيره عن عدي بن حاتم قال: «أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فقلت له: يا رسول الله لم يكونوا يعبدونهم، فقال ﵊: أليسوا يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله فيستحلون. فقلت: بلى. قال: ذلك عبادتهم» .
ونظير ذلك قولهم: «فلان يعبد فلان» إذا أفرط في طاعته فهو استعارة بتشبيه الإطاعة بالعبادة. أو مجاز مرسل بإطلاق العبادة وهي
[ ١ / ٢٦٦ ]
طاعة مخصوصة على مطلقها. والأول أبلغ. وقيل: اتخاذهم أربابًا بالسجود لهم ونحوه مما لا يصلح إلا للرب ﷿، وحينئذ لا مجاز، إلا أنه لا مقال لأحد بعد صحة الخبر عن رسول الله ﷺ.
والآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه وإن أخطأ اجتهاد مقلده) .
٥ - ولقد ساق العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) هذه الشبهة، ثم أجاب عنها بما حاصله:
أن هذه الآية ليس فيها أنهم كانوا يقولون في أحبارهم ورهبانهم أنهم أرباب من دون الله، وإنما فيها أنهم اتخذوهم أربابًا.
ثم قال:
(وإنما في بعضها [أي بعض هذه الآيات] اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصا على أنهم مقرون بربوبيتهم؛ بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب من صرف شيء من العبادة إليهم، أو بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام، لا أنهم كانوا يطلقون لفظ «الرب» عليهم) .
الحاصل: أن اليهود والنصارى لم يتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله بمعنى أنهم خالقون لهذا الكون مدبرون له متصرفون فيه حيث
[ ١ / ٢٦٧ ]
يشاءون بدون إذن من الله، بل اتخذوهم أربابًا بمعنى أنهم كانوا يعبدونهم في التشريع من التحليل والتحريم.
ومثل هذا يوجد بكثرة كاثرة في هذه الأمة، ولا سيما في المقلدة المتعصبة للأئمة الغلاة فيهم الذين رفعوا شأن الأئمة إلى منصب الرسالة بل إلى منزلة الألوهية، فيقعون في عبادة الأئمة بسبب هذه الطاعة المطلقة في التحليل والتحريم ويشركون بالله تعالى هؤلاء الأئمة بسبب تقليدهم الشركي، ويردون نصوص الكتاب الصريحة والسنة الصحيحة؛ كأن الإمام نبي أرسل إليهم، أو إله يعبدونه وهم لا يشعرون.
ولذلك نرى الإمام الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في دهره (١١٧٦هـ) تصدى للرد على مثل هؤلاء المقلدة الغلاة، وكشف الستار عن أسرارهم، وجعلهم مصداق هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ حيث قال:
(فما ذهب إليه ابن حزم حيث قال: «التقليد حرام» .
إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة، وفيمن ظهر عليه ظهورًا بينا أن النبي ﷺ أمر بكذا ونهى عن كذا وأنه ليس بمنسوخ
فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي ﷺ إلا نفاق خفي أو حمق جلي.
وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال: «ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلده فيه ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودًا على تقليد إمامه، بل يتحيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مقلده» .
وقال: «لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد لمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين؛ فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدًا له فيما قال كأنه نبي أرسل» .
وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب، لا يرضى به أحد من أولي الألباب
وفيمن يكون عاميا ويقلد رجلًا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ، وأن ما قاله هو الصواب ألبتة، وأضمر في قلبه أن لا يترك تقليده، وإن ظهر الدليل على خلافه، وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن حاتم؛ أنه قال: «سمعته - يعني رسول الله ﷺ - يقرأ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه» .
[ ١ / ٢٦٩ ]
وفيمن لا يجوز أن يستفتي الحنفي مثلًا فقيهًا شافعيا وبالعكس، ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام شافعي مثلًا، فإن هذا قد خالف إجماع القرون الأولى وناقض الصحابة والتابعين
فإن بلغنا حديث من الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا طاعته بسند صالح يدل على خلاف مذهبه وتركنا حديثه واتبعنا ذلك التخمين، فمن أظلم منا وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين) .
فإن قيل: ما النكتة في إطلاق كلمة «الرب» على من يتخذ مطاعًا مطلقًا في التحليل والتحريم؟
قلت: كلمة «الرب» تدل على السيادة والمالكية والتصرف في الملك، فمن أطاع مخلوقًا طاعة مطلقة بدون أمر الله تعالى بطاعته وأذعن لتحليله وتحريمه فقد جعله متصرفًا في التشريع متصفًا بصفات الله معبودًا بطاعته المطلقة، فصح إطلاق «الرب» عليه.
قال الإمام ولي الله مبينًا هذه النكتة اللطيفة:
(وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت أن الشيء الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به، فيكون هذا التكوين سببا للمؤاخذة وتركها، وهذا في صفات الله تعالى) .
قلت: لا شك أن من أطاع أحدًا دون الله تعالى طاعة مطلقة بدون أمر من الله تعالى بطاعته المطلقة وأذعن له في التحليل والتحريم وحد
[ ١ / ٢٧٠ ]
الحدود وفرض الفرائض فقد أشركه بالله تعالى في التشريع وعبده، كما قال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ [الشورى: ٢١] .
قال الأستاذ المودودي ﵀ (١٩٧٩م) في تفسير هذه الآية:
(ليس المراد من الشركاء في هذه الآية الشركاء الذين يدعونهم وينادونهم في الكربات وينذرون لهم في البليات، بل المراد من الشركاء في هذه الآية المطاعون الذين جعلوا أفكارهم وعقائدهم وضوابطهم وطرقهم ومذاهبهم شريعة يطاعون فيها بدون إذن من الله تعالى، فهذا العمل لا شك أنه شرك كما أن السجود لغير الله ودعاء غير الله شرك) .
قلت: مثل قول هؤلاء الأجلة من الحنفية صرح كثير من أئمة السنة بأن من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله، لأن مثل هذه الطاعة المطلقة من أنواع العبادة.
وصرحوا أيضًا أن هذا النوع من الشرك موجود في هذه الأمة حيث إن كثيرًا من المقلدة المتعصبة يعبدون الأئمة باسم الفقه والعلم؛ لأن من أطاع مخلوقًا غير رسول الله ﷺ في التحليل والتحريم فهو مشرك.
وقد سبق فتوى جمع من الحنفية بأن هذا النوع من المقلد مشرك كافر يستتاب وإلا قتل.
[ ١ / ٢٧١ ]
الشبهة الحادية عشرة: تشبثهم بقوله تعالى حكاية عن يوسف ﵊: ﴿يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩] .
استدل بهذه الآية الدجوي أحد أئمة القبورية (١٣٦٥هـ) على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين بالله في الخالقية والمالكية والتدبير والربوبية، ثم قال:
(فإذا ليس عند هؤلاء الكفار «توحيد الربوبية» كما قال ابن تيمية وما كان يوسف ﵇ يدعوهم إلا إلى توحيد الربوبية؛ لأنه ليس هناك شيء يسمى توحيد الربوبية وشيء آخر توحيد الألوهية عند يوسف ﵇. فهل هم أعرف بالتوحيد منه أو يجعلونه مخطئًا في التعبير بالأرباب دون الآلهة) .
واستدل بها أيضًا القضاعي أحد رؤساء القبورية (١٣٧٦هـ) حيث قال:
(وقول هؤلاء المغرورين \ يعني السلفيين \: «إن الكافرين الذين بعث لهم الرسول كانوا قائلين بتوحيد الربوبية وأن آلهتهم لا تستقل بنفع ولا ضر، وإنما كان شركهم بتعظيمهم لغير الله بالسجود له والاستغاثة به والنداء له والذبح له»:
إنما قول من لم يعرف التوحيد ولا الإشراك ولا المعقول ولا المنقول في كتاب الله وسنة رسوله، ولا ألم بتاريخ الأمم قبل البعثة. ألم يحك الله
[ ١ / ٢٧٢ ]
في كتابه عن يوسف ﵊ قوله في إرشاد صاحبي السجن: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، هل يقال ذلك إلا لمن اعتقد أربابًا؟ ألا يكون هذا كفرًا بتوحيد الربوبية ) .
الجواب:
لقد وقف العلامة السهسواني لقمع هذه الشبهة بمرصاد فذكرها ثم جعلها كأن لم تغن بالأمس حيث قال:
(وهذا ليس فيه تصريح أنهما كانا يطلقان لفظ الأرباب على الأصنام حتى يلزم إنكار «توحيد الربوبية»، بل يحتمل أن يكون المقصود بيان بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام بأن القول بالأرباب المتفرقة باطل قطعًا لا يتأتى إنكاره من أحد عند أهل العقل، وما لا يصلح للربوبية لا يصلح للعبودية، دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ) .
قلت: لا يبعد أن يكون قول زيد بن عمرو بن نفيل:
أربًا واحدًا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الجلد الصبور
[ ١ / ٢٧٣ ]
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا غنمًا أدين وكان ربا لنا في الدهر إذ حلمي يسير
من قبيل قول يوسف ﵊؛ فيكون هذا وذاك حجة يعترف بها المشركون فيكون حجة عليهم حجة مفحمة مسكتة وملزمة لهم وتضطرهم إلى أن يعترفوا بتوحيد الألوهية.
الشبهة الثانية عشرة: استدلالهم بالبيت الآتي:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب
[ ١ / ٢٧٤ ]
على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وعلى أن المشركين كانوا مشركين بالله في الربوبية.
قال القضاعي أحد أعناق القبورية (١٣٧٦هـ) مستدلا بهذا البيت:
(فانظر إلى قوله: «أرب»، ولم يقل: أإله) .
الجواب:
أنه قد تقدم في كلام العلامة السهسواني (١٣٢٦هـ) أن المراد من «الرب» في مثل هذا السياق هو «الإله» لا الخالق الرازق المدبر لهذا الكون.
فلا يصح تمسك القبورية بهذا البيت.
وقال الشيخ الرستمي:
(قال القرطبي: الرب بمعنى المالك والسيد والمصلح والمدبر والقائم والمعبود، كما قال موحد الجاهلية) .
ثم ذكر البيت.
قلت: ولا يبعد أيضًا أن يكون هذا البيت لبيان ذكر الحجة على المشركين، كما سبق في الجواب عن الشبهة السابقة.
الشبهة الثالثة عشرة: استدلالهم بقوله تعالى حكاية عن المشركين العاديين حيث قالوا لرسول الله هود ﵊: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] .
[ ١ / ٢٧٥ ]
قال القضاعي أحد أئمة القبورية (١٣٧٦هـ) مستدلا بهذه الآية:
(فهذا صحيح اعتقادهم باستقلالها بالضر والنفع) .
وقال الدجوي أحد أعناق القبورية (١٣٦٥هـ) متشبثًا بهذه الآية:
(فكيف يقول ابن تيمية إنهم يعتقدون: «أن الأصنام لا تضر ولا تنفع» إلى آخر ما يقول) .
الجواب:
أن هؤلاء القبورية مفترون في تقرير استدلالهم بهذه الآية على الله تعالى وعلى كتابه وعلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وعلى المشركين من قوم هود ﵊؛ فإن الله لم يشر إلى أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم الاستقلال بالضر والنفع فضلًا عن التصريح.
كما أن شيخ الإسلام لم يقل قط: إن المشركين كانوا يعتقدون أن آلهتهم لا تضر ولا تنفع.
غاية ما في هذه الآية أن المشركين كانوا يعتقدون في آلهتهم أنها تضر وتنفع.
ولكن تقدم عدة نصوص لعلماء الحنفية، ولا سيما الإمام ولي الله دالة على أن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو الخالق لهذا الكون المدبر للأمور العظام والرازق وحده. ولم يعتقدوا في آلهتهم أنها تنفع وتضر استقلالًا، وإنما كانوا يعتقدون أن الله تعالى فوض إليهم تدبير أمورهم وجعلهم متصرفين في بعض الأمور الخاصة والجزئية في غير الأمور العظام.
[ ١ / ٢٧٦ ]
فليس في هذه الآية أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم الاستقلال بالنفع والضر.
فلم يقل أحد من المفسرين ولا سيما الحنفية أنهم كانوا يعتقدون في آلهتهم الاستقلال بالنفع والضر والانتقام.
ومن هذا التصرف الجزئي عقيدة المشركين من عاد هذه وقولهم هذا لرسول الله هود ﵊.
ومثله عقيدة مشركي العرب من تخويفهم رسول الله ﷺ من أن تضره آلهتهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ٣٦] مع اعترافهم بأن الله هو الخالق المدبر للكون وأن الله إذا أراد بأحد ضرا أو نفعًا فآلهتهم لا تكشف الضر ولا تمسك النفع.
ونظيره ما سمعنا ونسمع كثيرًا من القبورية يقولون في حق الموحدين: إن الولي الفلاني قد أصابهم بكذا وكذا.
وفي كلام العلامة محمود شكري الآلوسي إشارة إلى ذلك.
بل القبورية قد فاقوا المشركين السابقين وتجاوزوا حدهم في الإشراك بالله تعالى وإثبات التصرف لأهل القبور كما صرح بذلك علماء الحنفية.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الحاصل:
أن استدلال القبورية بهذه الآية على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية منهار * لأنه مبني على شفا جرف هار*.
الشبهة الرابعة عشرة:
تشبثت القبورية بقول أبي سفيان يوم أحد: (اعل هبل) .
قال الدجوي أحد أئمة القبورية (١٣٦٥هـ) مستدلا به:
(فانظر إلى هذا ثم قل لي ماذا ترى في ذلك التوحيد الذي ينسبه إليهم ابن تيمية ويقول: «إنهم فيه مثل المسلمين سواءً بسواء، وإنما افترقوا بتوحيد الألوهية») .
وزعم المالكي: أن المشركين كانوا يعتقدون في تلك الأحجار التي كانوا يعبدونها أنها شريكة لله تعالى في الخلق وأن الله ليس الخالق وحده عندهم، وأنهم لم يكونوا جادين في قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، كما لم يكونوا جادين في قولهم: إن الله هو الخالق وحده، بل كان الله أقل منزلة عندهم من حجارتهم
ثم ذكر قول أبي سفيان هذا، ثم قال:
(ينادي صنمهم المسمى بهبل أن يعلو في تلك الشدة رب السماوات والأرض ويقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم. هذا مقدار ما كان عليه أولئك المشركون مع تلك الأوثان ومع الله
[ ١ / ٢٧٨ ]
رب العالمين؛ فليعرف حق المعرفة، فإن كثيرًا من الناس لا يفهمونه كذلك ويبنون عليه ما يبنون) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن هؤلاء القبورية كذابون أفاكون بهاتون في مزاعمهم هذه لوجوه:
أما الأول:
فهو أن شيخ الإسلام ابن تيمية ولا أحدًا غيره من أئمة الإسلام لم يقل: إن المشركين مثل المسلمين سواء بسواء وإنما افترقوا بتوحيد الألوهية. كيف؟ والمشركون كانوا منكرين لرسالة رسول الله ﷺ، كما كانوا كافرين بكتاب الله، وكثير منهم بالبعث أيضًا.
وإنما قال شيخ الإسلام وغيره من أئمة الإسلام: إن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت ومدبر الكون والأمور العظام. وكانوا يقرون بتوحيد الربوبية إلى حد أكبر.
وهذا ما حكاه الله تعالى عنهم واحتج عليهم باعترافهم بذلك مع إشراكهم في توحيد الألوهية وبعض جزئيات توحيد الربوبية وبعض تفاصيله.
ومما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قوله:
(لكن المتكلمون إنما انتصبوا لإقامة المقاييس العقلية على توحيد الربوبية، وهذا مما لم ينازع في أصله أحد من بني آدم؛ وإنما نازعوا في بعض تفاصيله
وأما توحيد الإلهية فهو الشرك العام الغالب الذي دخل من أقر أنه لا خالق إلا الله ولا رب غيره من أصناف المشركين، كما قال تعالى:
[ ١ / ٢٧٩ ]
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، كما بسطنا هذا في غير هذا الموضع) .
أقول: تقدمت نصوص علماء الحنفية وخلاصتها:
من المعلوم بالاضطرار أن المشركين مع اعترافهم بأن الله هو الخالق المالك الرازق وحده المدبر لهذا الكون المتصرف فيه كيف يشاء كانوا يعتقدون في آلهتهم أن لهم بعضًا من القدرة على النفع والضر وشيئًا من التصرف والتدبير، ولكن هذا كله بإذن الله تعالى، فالله هو الذي خلع عليهم هذه الخلعة، وأن الله قد فوض إليهم بعض التدبير، وجعلهم متصرفين في بعض الأمور الخاصة الجزئية غير الأمور العظام، ولم يعتقدوا قط في آلهتهم أنهم ينفعون أو يضرون أو يدبرون بالاستقلال من دون إذن من الله وبدون تفويض منه، وليس على سبيل مغالبتهم لله وقهرهم له.
كما أنهم لم يعتقدوا فيهم أيضًا أنهم شركاء مع الله في خلق هذا الكون وتدبيره والتصرف فيه حيث يشاءون.
ومثل هذا الشرك موجود في القبورية بل شركهم أشنع وأبشع من شرك مشركي العرب.
وصرح به كثير من علماء الخنفية.
فالقبورية مشركون في توحيد الربوبية فضلًا عن توحيد الألوهية.
وأما الثاني:
فهو أن المشركين كانوا معترفين بأن الله هو الخالق الرازق المدبر
[ ١ / ٢٨٠ ]
المحيي المميت وحده؛ كما حكى الله ذلك عنهم في عدة مواضع من كتابه واحتج عليهم بسبب اعترافهم وإقرارهم هذا حيث أفحمهم وأسكتهم، وقد كانوا يقولون: إن الله تعالى هو المالك لهم وهو المالك لآلهتهم وإن آلهتهم لا تملك شيئًا دون إذن من الله وتفويض منه، دل على ذلك تلبيتهم: «تملكه وما ملك» .
وقد سقنا كثيرًا من نصوص علماء الحنفية في بيان اعتقاد المشركين في آلهتهم أنهم كانوا يعتقدون أن الله تعالى هو الذي خلع عليهم خلعة وفوض إليهم تدبير بعض الأمور الصغيرة الجزئية وجعلهم متصرفين في غير الأمور العظام. وبسبب ذلك كانوا يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، ويتوسلون بهم عند الله، إلى آخر ما ذكرنا من نصوص علماء الحنفية التي فيها عبرة للقبورية.
فكيف يقول هذا المالكي إن المشركين لم يكونوا جادين في اعترافهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت وحده دون تلك الأحجار، ولم يكونوا جادين في قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وإنهم يقربونا إلى الله زلفى.
فتأويلات هذا المالكي ليست إلا تحريفات باطنية وتخريفات قرمطية.
وأما الثالث:
فهو أن هذا المالكي غير صادق في قوله: إن أبا سفيان إنما نادى صنمه هبلًا ليعلو رب السماوات ويقهره، بل هو كذاب أفاك في كلامه هذا
[ ١ / ٢٨١ ]
مفتر متقول على المشركين، مقول إياهم ما لم يقصدوا؛ لأن أحدًا من المشركين لم يعتقد في صنمه أنه يقتدر أن يغالب الله تعالى أو يمانعه أو يستطيع أن يغلب رب السماوات والأرض ويعلوه ويقهره لا أبا سفيان ولا غيره؛ كما سبق تحقيقه مرارًا وتكرارًا بنصوص علماء الحنفية الدامغة القامعة الساطعة القاطعة لأعناق القبورية ودابرهم.
بل المشركون كانوا يعتقدون أن الله تعالى خالق هذا الكون كله ومالكه ومدبره والمتصرف فيه حيث يشاء.
بل كانوا يعتقدون أن الله هو مالك آلهتهم وأن آلهتهم لا تملك شيئًا بالاستقلال بدون إذن من الله وتفويض منه، وأن آلهتهم مملوكة لله تعالى وأن الله تعالى مالكها، دل على ذلك قولهم في تلبيتهم المشهورة المعروفة: «تملكه وما ملك»، وقد خرجناها وذكرنا تفسير علماء الحنفية في معناها.
وقد ذكر كبار علماء الحنفية: أن المشركين كانوا يقولون: إن الله تعالى مالك الآلهة، ورب الأرباب، وإله الآلهة، وأن الله هو الإله الأكبر الأعظم، وأن آلهتهم شفعاء لهم عند الله ويقربونهم إلى الله زلفى. وقالوا: نحن نتقرب إليهم ونتقرب إلى الله بهم.
وقد ذكر علماء الحنفية من أشعار المشركين ما يدل على اعتقادهم أن الله عندهم هو أكبر الآلهة. فقد قال أوس بن حجر يحلف باللات:
[ ١ / ٢٨٢ ]
وباللات والعزى ومن دان دينها وبالله إن الله منهن أكبر
وهذه حقيقة اعترف بها كبار القبورية أيضًا:
فقد قال فضل رسول الحنفي القادري البدايوني أحد أئمة القبورية الهندية (١٢٨٩هـ) في بيان عقائد مشركي العرب:
(إن المشركين قالوا: يجب عبادة المحبوب والشفيع لصيرورته إلهًا، لا عبادة الله العلي الأكبر، فإنها لا تعبد لكونه في غاية التعالي) .
ولذلك لما قال رسول الله ﷺ في الجواب عن قول أبي سفيان هذا: «قولوا: الله أعلى وأجل» سكت أبو سفيان ومن معه من المشركين، وأفحموا، فبهت الذي كفر * حيث ألقي في فيه الحجر *.
فهذا دليل قاطع قامع ساطع على أن أبا سفيان لم يكن يقصد بقوله «اعل هبل» أن هبلًا يغلب الله تعالى ويقهر رب السماوات والأرض أو يغالبه ويمانعه؛ لأنهم كانوا يعترفون بأن الله هو رب الأرباب وإله الآلهة وأكبرها وأعلاها وأجلها ومالكها وهي مملوكة له ﷾، فلا يتصور التمانع والتغالب عندهم بينها وبين الله.
هاهنا نكتة لطيفة عقلية أخرى يجب التنبيه لها؛ - وتؤخذ من كلام الحنفية -:
وهي: أن هؤلاء المشركين كانوا يعتقدون أن رسول الله ﷺ وأصحابه على دين جديد باطل لا يرضاه الله تعالى ويرونهم خارجين عن الدين الحق
[ ١ / ٢٨٣ ]
ولذا يسمون النبي ﷺ صابئًا، والصحابة صباة وأنهم فقط على دين صحيح وأن عبادتهم لآلهتهم مما يرضاها الله تعالى وأن هذا من دين الله تعالى وأن آلهتهم تشفع لهم عند الله وتقربهم إلى الله زلفى وأن آلهتهم من محبوبي الله ﷿ والمقربين لديه كما سبق في نصوص علماء الحنفية.
فبظهور دينهم وغلبة جندهم يغلب دين الله ويغلب جند الله، وبانهزام محمد وذهاب دينه ينتصر دينهم الذي هو دين الله في زعمهم الباطل لأنهم لم يعتقدوا صدق رسالة رسول الله ﷺ ولو صدقوا ذلك لما قاتلوه كما قال سهيل بن عمرو يوم الحديبية، وإذا كان الأمر كذلك كيف يتصور أن أبا سفيان يقصد بقوله: «اعل هبل» أن هبلًا يغلب رب السماوات والأرض ويقهره ويعلو دينه دين الله ﷿؟
إذا لا يمكن عقلًا ولا نقلًا أن يقصد أبو سفيان التمانع والتغالب بين هبل وبين الله ﷿، بل كان قصد أبي سفيان أن «هبلا» رفع الله أمره وأعلى شأنه وأعز دينه وأظهره بهزيمة محمد وأصحابه.
صرح بذلك علماء الحنفية وغيرهم.
وإليك بعض نصوص علماء الحنفية في تفسير مقالة أبي سفيان هذه:
قال الإمام بدر الدين العيني إمام الحنفية في عصره (ت٨٥٥):
(قوله: «اعل هبل» ، قال ابن إسحاق: معناه: «ظهر دينك» . قال السهيلي: «معناه: زد علوا» .
[ ١ / ٢٨٤ ]
وفي التوضيح: «أي ليرتفع أمرك ويعز دينك فقد غلبت» .
قلت: كل هذا ليس معناه الحقيقي ولكن في الواقع يرجع معناه إلى هذه المعاني.
قال الكرماني: ما معنى: «اعل، ولا علو في هبل»؟ ثم أجاب بقوله: «هو بمعنى: العلي، أو المراد: أعلى من كل شيء» انتهى.
قلت: ظن أنه «أعلى هبل» على وزن أفعل التفضيل، فلذلك سأل بما سأل وأجاب بما أجاب. وهو واهم في هذا، والصواب ما ذكرنا) . انتهى كلام العيني وما نقله عن غيره.
الحاصل: أن أبا سفيان بل ومن معه من صناديد الكفر والشرك والأعداء الألداء لرسول الله ﷺ والإسلام والمسلمين لم يكونوا يقصدون بهذه المقالة «اعل هبل» المغالبة والتمانع بين هبل وبين الله.
ولا قصدوا بها أن معبودهم «هبلا» يقهر الله ويغلب رب السماوات والأرض بل كل هذا من ترخصات هذا المالكي الآفك الباهت الساقط المتهافت الذي يرتكب في تأويلات النصوص تحريفات قبورية وتخريفات باطنية لأجل تبرير شرك حزبه القبوري وعبادتهم للقبور وأهلها من دعائهم وندائهم والاستعانة منهم والاستغاثة بهم والنذر لهم وقت نزول النوازل وحلول القلاقل والزلازل، واعتقاد التصرف في الكون وعلم الغيب فيهم،
[ ١ / ٢٨٥ ]
وغيرها من الطامات الشركية والخرافات القبورية.
وبالجملة: إن القبورية لا دليل لهم ولا شبه دليل يدل على بطلان تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، ولا على أن المشركين كانوا مشركين آلهتهم بالله في الخالقية والرازقية والمالكية وتدبير هذا الكون، فإنهم لم يدعوا فيها أنها قادرة على النفع والضر بالاستقلال، بل كانوا يعترفون ويقدرون بأن الله تعالى هو الخالق لهذا الكون والمدبر له والمتصرف فيه كيف يشاء وأنه المحيي المميت الرازق والمالك وحده.
غير أنهم غلوا في تعظيم بعض الصالحين الذين ظنوا أنهم وسائط بينهم وبين الله يصلون إلى الله بسببهم وشفاعتهم كالوزراء والندماء للملوك، فعبدوهم بأنواع من العبادة كالنذر لهم والاستغاثة بهم وندائهم وقت الكربات والبليات ليشفعوا لهم عند الله ويقربوهم إلى الله زلفى.
واعتقدوا فيهم أن الله تعالى فوض إليهم تدبير بعض الأمور الخاصة وجعلهم متصرفين في بعض الجزئيات وأن الله مالكهم وأنهم لا يملكون شيئًا بدون إذن الله تعالى.
وهذه الوسيلة الشركية هي أصل شركهم، والقبورية شاركوهم في ذلك حذو النعل بالنعل.
وأقول: وبهذه الأجوبة راحت شبهات القبورية أدراج الرياح فصارت كأمس الدابر والحمد لله رب العالمين.
وبعد هذا ننتقل إلى الفصل الآتي، لنعرف العبادة وأركانها وأنواعها وشروط صحتها عند الحنفية؛ وردهم على القبورية في ذلك كله.
****
[ ١ / ٢٨٦ ]