(الفقه في الدين أفضل من الفقه في الأحكام، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير) .
٢ - وقال الإمام أبو الليث السمرقندي (٣٧٥) في شرح كلام الإمام أبي حنيفة هذا:
(لأن الفقه في الدين أصل، والفقه في العلم فرع؛ وفضل
[ ١ / ٦٤ ]
الأصل على الفرع معلوم) .
٣ - وقال القاضي كمال الدين البياضي (١٠٩٨) في شرح كلام الإمام أبي حنيفة أيضًا:
(وأشار إلى اسمه الدال على شرف مسماه، وكونه أصلًا لما سواه، سماه الفقه الأكبر لعظم موضوعه) .
٤ - ومثله كلام للشيخ عبيد الله المفتي. في شرح قول الإمام المذكور.
٥ - وقال الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى (٧٩٢) محققًا أهمية شأن العقيدة عامة والتوحيد خاصة:
(أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف
[ ١ / ٦٥ ]
العلوم بشرف المعلوم؛ وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع ولهذا سمي الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: «الفقه الأكبر»؛ وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف معبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه) .
٦ - وقال ﵀ أيضًا مبينًا أهمية التوحيد:
(اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ) .
ثم قال: (فالتوحيد أول ما يدخل (المرء) به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا) .
ثم قال: (وهو أول واجب وآخر واجب) .
٨ - وقال رحمه الله تعالى أيضًا وتبعه العلامة القاري (١٠١٤) محققًا أن الموضوع المركزي للقرآن إنما هو التوحيد، واللفظ للأول:
[ ١ / ٦٦ ]
(وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد؛ بل كل سورة من القرآن الكريم، فالقرآن إما خبر عن الله ﷾ وأسمائه وصفاته وأفعاله وهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.
وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا ويحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) .
٩ -وقال الناصري: (٦٥٢) مبينًا سبب تقديم الإمام الطحاوي (٣٢١) التوحيد على غيره:
(إنما ابتدأ بالتوحيد؛ لأنه أول خطاب يجب على المكلفين وإليه دعت الرسل ﵈ وبه نزلت الكتب السماوية)؛ ثم ذكر الأدلة من
[ ١ / ٦٧ ]
الكتاب والسنة على هذه المطلوب في كلام طويل) .
١٠ - وقال السمرقندي (٦٩٠):
(أما بعد فإن العلوم وإن تنوع أقسامها وتفرع انقسامها لكن أشرفها رتبة وأعلاها منزلة هو العلم الإلهي الباعث بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة عن أحوال الألوهية وأسرار الربوبية التي هي المطالب العليا والمقاصد القصوى من العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية إذ بها يتوصل إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وتصور صنعه ومصنوعاته) .
١١ - ١٥ - وقال التفتازاني الملقب عند الحنفية بالعلامة الثاني (٧٩٢هـ) والخيالي (٨٦٢هـ) والكستلي (٩٠١هـ)، والبهشتي
[ ١ / ٦٨ ]
(٩٧٩هـ)، والفريهاري (١٢٣٩هـ)، واللفظ للأول:
(وبعد: فإن مبنى علم الشرائع والأحكام * وأساس قواعد الإسلام * هو علم التوحيد والصفات) .
١٦ - وقال التفتازاني عن الحنفية أيضًا:
(وسموا العلم باسم الفقه، وخصوا الاعتقاديات باسم الفقه الأكبر، والأكثرون خصوا العمليات باسم الفقه، والاعتقاديات بعلم التوحيد والصفات) .
١٧ - وقال أيضًا:
(قال: «فهو أشرف العلوم»؛ أقول: لما تبين: أن موضوعه أعلى الموضوعات * ومعلوماته أجل
[ ١ / ٦٩ ]
المعلومات * وغايته أشرف الغايات *، مع الإشارة إلى شدة الاحتياج إليه * وابتناء سائر العلوم عليه*) .
١٨ - وقال الإمام البدر العيني (٨٥٥هـ)، مبينًا وجه تقديم الإمام البخاري (٢٥٦هـ) رحمه الله تعالى - كتاب الإيمان - على غيره من الكتب في جامعه الصحيح:
(وقد قدم كتاب الإيمان؛ لأنه ملاك الأمر كله؛ إذ الباقي مبني عليه، مشروط به، وبه النجاة في الدارين) .
١٩ - وقال العلامة القاري (١٠١٤هـ):
(اعلم أن علم التوحيد الذي هو أساس بناء التأييد أشرف العلوم تبعًا
[ ١ / ٧٠ ]
للمعلوم ) .
قلت: هذا النص وما تقدم مما كان في معناه؛ يدل على فضل التوحيد وأهميته؛ كما أن لله ﷾ فضلًا على غيره؛ فللعلم فضل على قدر فضل المعلوم.
٢٠ - وقال الإمام ولي الله الدهلوي الملقب عند الحنفية بشيخ الإسلام وحجة الهند، وحجة الله، ومسند الوقت (١١٧٦هـ):
(باب التوحيد: أصل أصول البر وعمدة أنواعه - هو التوحيد؛ وذلك؛ لأنه يتوقف عليه الإخبات لرب العالمين الذي هو أعظم الأخلاق الكاسبة للسعادة، وهو أصل التدبير العلمي الذي هو أفيد التدبيرين
[ ١ / ٧١ ]
وقد نبه النبي ﷺ على عظم أمره، وكونه من أنواع البر - بمنزلة القلب، إذا صلح صلح الجميع، وإذا فسد فسد الجميع؛ حيث أطلق القول فيمن مات لا يشرك بالله شيئًا:
«إنه دخل الجنة أو حرمه الله على النار»، وحكى عن ربه ﵎:
«من لقيني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بالله شيئًا - لقيته بمثلها مغفرة» ) .
٢١ - وقال الشيخ أبو الحسن الندوي:
[ ١ / ٧٢ ]
(إن من ميزات الإسلام التركيز على العقيدة؛ لأن جميع الأنبياء قد دعوا إلى عقيدة واحدة؛
[ ١ / ٧٤ ]
ولا يمكن الإصلاح بدونها؛ فإن أعلى العلوم وأهمها - ما يتعلق بالله تعالى وصفاته؛ لأنه مرجع سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة؛ وبه النصر والتمكين في الأرض؛ وهو غاية استخلاف الإنسان في الأرض؛ ألا وهو التوحيد الخالص المنزه عن كل شائبة؛ وعبادة الله تعالى وحده؛ كما قال سبحانه:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥]؛ والعلماء الربانيون ورثة الأنبياء؛ فهم يهتمون بتنظيف الأرض من الشرك بجميع أشكالها؛ ليهيئوا حقلًا صالحًا لزرع التوحيد فيه؛ وإن استدعى ذلك تحمل الشاقات ) .
وقال أيضًا:
(إن أهم علم أخذ عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هو علم توحيد الله تعالى وصفاته، وهو علم فوق قياس البشر والآلات والتجربة؛ وهو أجل إلى هذا الحد.
تتوقف عليه سعادة البشر؛ ولذلك عظم الاعتناء به في كل جيل وعصر وطبقة؛
[ ١ / ٧٥ ]
لأن جهلهم يؤدي إلى الشقاء الذي ليس بعده شقاء، وتجاهله وقوع في الهاوية التي ليس لها قرار) .
قلت: هذه كانت أمثلة من نصوص علماء الحنفية - في أهمية شأن العقيدة عامة وأمر التوحيد خاصة وهي واضحة في مبانيها، ومعانيها، لا تحتاج إلى تعليق.
وبعد أن عرفنا أهمية شأن العقيدة - ننتقل إلى الفصل الثاني؛ لنعرف التوحيد وأنواعه، وبالله التوفيق.
******
[ ١ / ٧٦ ]