فقد كانت لهم جهود عظيمة في الرد على القبورية، وكشف عوراتهم، وقطع دابرهم، وقمع شبهاتهم، وكسر جموعهم، وبيان فضائحهم، بنصوص دامغة صارمة قاطعة.
فإن أصل مذهب الحنفية كله قضاء على القبورية من أصلها: فقد قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى مقالة حنفية حنيفية قاطعة لدابر القبورية في القديم والحديث وهي مقالة سارت بها الركبان * وصارت لأهل التوحيد من أعظم البرهان * على القبورية عامة * والقبورية الحنفية خاصة * وهي قولته المشهورة المستفيضة: «لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به» .
وهذه المقالة الحنفية الحنيفية في باب توحيد العبادة؛ كالمقالة المالكية الملكية للإمام مالك: «الاستواء معلوم والكيف مجهول » في باب توحيد الصفات.
كما أن هذه قمعت الجهمية كذلك تلك دمغت القبورية.
وهكذا كثير من مسائل الفقه الحنفي وقواعدها رد بالغ على القبورية وقمع لهم ولشبهاتهم؛ كنفي سماع الموتى، وتحريم البناء على القبور، وأحكام الارتداد، وكلماته، وغيرها من المطالب المدونة في
[ ١ / ٣١ ]
فقه الحنفية.
لذلك تتابعت جهود علماء الحنفية في الرد على القبورية ونشطوا لبيان فضائحهم، ولا سيما الحنفية الذين تتلمذوا على كتب شيخ الإسلام واطلعوا على تحقيقات أئمة السنة الأعلام، بعد شيخ الإسلام، فوقفوا للقبورية بمرصاد، وألفوا في الرد عليهم وقمعهم وقلع شبهاتهم، كتبًا كثيرة أفردوها، غير تلك المباحث القيمة التي ضمنوها في كتبهم الأخرى.
فمن أبرز هؤلاء العلماء من الحنفية الرادين على القبورية المبطلين لعقائدهم الوثنية: الإمام ابن أبي العز (٧٩٢هـ)، والإمامان: البركوي (٩٨١هـ)، وأحمد الرومي (١٠٤٣هـ)، وصنع الله الحلبي (١١٢٠هـ)، والإمام ولي الله الدهلوي (١١٧٦هـ)، وأسرته من أبنائه وأحفاده وأسباطه، ولا سيما العلامة إسماعيل المجاهد (١٢٤٦هـ)، والأسرة الألوسية ابتداء من الألوسي الأب (١٢٧٠هـ)، ثم الابن (١٣١٧هـ)، وانتهاء بالحفيد (١٣٤٢هـ) .
[ ١ / ٣٢ ]
وبعض الديوبندية، ولا سيما الفنجفيرية، وغيرهم من علماء الحنفية الذين سترى نصوصهم اللامعة كالأنوار الكاشفة للظلمات، القاطعة للقبورية كالصوارم، فلله درهم، وعليه شكرهم.
فقد حكموا على القبورية بأنها فرقة مشركة وثنية عبدة القبور والأنصاب التي جعلوها أوثانًا، وأنصابًا بعبادتهم لها أنواعًا من العبادات، مع التصريح بعدم تكفيرهم قبل إيضاح المحجة وإقامة الحجة كما هو منهج أهل السنة.
وقد شددوا في الرد على المعاندين من القبورية، نكاية فيهم وكشفًا لفضائحهم بكلمات كالسهام النافذة إلى الأفئدة، وجروح كالصوارم المهندة القاطعة لأقفيتهم، ولينوا مع العوام الجهلة من القبورية عدلًا وحكمة كما هو منهج أهل السنة.
ولا أطيل على السامعين
بل أحيلهم إلى رياض هذه الرسالة التي غرست فيها أزهار جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية؛ فليرجعوا إليها، وليرتعوا في
[ ١ / ٣٣ ]
بساتينها، وليشموا نفحات حدائقها، وليسرحوا في منتزهاتها؛ ليجدوا نصوص علماء الحنفية القواطع اللوامع في صعيد واحد؛ وليعلموا أن علماء الحنفية قد جازوا القبورية وفاقًا لبعض إجرامهم؛ ليتذكروا قول القائل:
ستعلم ليلى أي دين تداينت وأي غريم في التقاضي غريمها
(٩) - أسباب اختيار الموضوع:
لما كانت القبورية بهذه الكثرة الكاثرة، وضررها على الإسلام والمسلمين أعظم وأشد وأعم وأطم؛ حيث جروا ويلات على العقيدة السلفية طيلة هذه القرون، وكانت لعلماء الحنفية جهود عظيمة في إبطال عقائدهم وكشف فضائحهم، ثم كان أكثر القبورية المنتسبين إلى الأئمة هم الحنفية - أردت أن أضرب أعناق معانديهم بسيوف أهل مذهبهم تنكيلًا لهم، وأرشد جهالهم بنصوص أئمتهم نصحًا لهم؛ لذلك سميت كتابي هذا: «جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية» .
وقد حداني إلى اختيار هذا الموضوع عدة أسباب غير ما ذكر، أهمها ثلاثة:
الأول: أن كتابي الأول: «الماتريدية» بمرحلة الماجستير كان في تحقيق توحيد الأسماء والصفات وإبطال عقائد الماتريدية الحنفية الجهمية؛ فناسب ذلك أن يكون كتابي هذا في تحقيق توحيد العبادة بجهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية؛ ليتم الرد على الفرقتين: الجهمية
[ ١ / ٣٤ ]