وفيه فصول ثلاثة:
- الفصل الأول: في بيان غلوهم في رسول الله.
- الفصل الثاني: في بيان غلوهم في بعض الأولياء خاصة.
- الفصل الثالث: في بيان غلوهم في الأولياء عامة.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
القسم الأول
في عرض نماذج من غلو القبورية في الصالحين بل الطالحين
لقد غالت القبورية في تعظيم الصالحين* بل الطالحين* ومحبتهم ورفعهم فوق منزلتهم- كدأب الوثنية الأولى، بل أشد- فاعتقدوا فيهم عجائب من العلم بالمغيبات* وأثبتوا لهم غرائب من التصرفات في الكون، وغير ذلك من الصفات *؛ بحيث جعلوهم آلهة يعبدونهم خصوصا عند الكربات * وإلمام الملمات، لدفع المضرات، وجلب الخيرات* بل جعلوهم أربابا لهذا الكون يتصرفون فيه كيف يشاؤون* يدمرون ويعمرون، يمنعون ويعطون، يعلمون ويسمعون كما يريدون* كل ذلك تمهيدا للاستغاثة بهم عند الملمات* طلبا لحاجات ورفعا لمضرات* وفيما يلي بعض الأمثلة لغلو القبورية في الصالحين*، ووصفهم إياهم بصفات رب العالمين*:
ويقتضي هذا القسم أن يشتمل على فصول ثلاثة:
الفصل الأول: في بيان غلو القبورية في رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٦٨٩ ]
الفصل الثاني: في غلوهم في بعض الأولياء خاصة.
الفصل الثالث: في غلوهم في الأولياء عامة.
*********
[ ٢ / ٦٩٠ ]
الفصل الأول
في بيان غلو القبورية في رسول الله ﷺ
وفيه خمسة أقسام من الغلو:
- القسم الأول: في علم الغيب له ﷺ.
- القسم الثاني: في التصرف في الكون له ﷺ.
- القسم الثالث: في سماع أصوات المستغيثين به ﷺ.
- القسم الرابع: في حياته ﷺ حياة دنيوية في البرزخ.
- القسم الخامس: في جعلهم إياه ﷺ نورا لا بشرا.
[ ٢ / ٦٩١ ]
كلمة بين يدي هذا الفصل
لقد غالت القبورية في رسول الله ﷺ وأطروه بعدة أنواع من الغلو وأصناف من الإطراء - أجملها في خمسة أقسام:
- القسم الأول: غلوهم في علم الغيب لرسول الله ﷺ.
- القسم الثاني: غلوهم في تصرفه ﷺ في الكون.
- القسم الثالث: غلوهم في سماعه ﷺ لأصوات المستغيثين به ﷺ.
- القسم الرابع: غلوهم في حياته ﷺ البرزخية بجعلها دنيوية.
القسم الخامس: غلوهم من ناحية جعلهم رسول الله ﷺ نورا لا بشرا.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
القسم الأول
غلو القبورية في علم الغيب لرسول الله ﷺ
لقد غالت القبورية في علم الغيب لرسول الله ﷺ. فوصفوه بأنه عالم بجميع ما كان وما يكون أزلا وأبدا، وأنه يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ؛ بل هذا بعض علومه ﷺ؟ وأنه ﷺ يعلم ما في الضمائر والقلوب من الأسرار، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه لا يخرج من علمه شيء، والكلام ههنا في عدة أنواع:
النوع الأول: علم ما كان وما يكون:
تعتقد القبورية أن النبي ﷺ يعلم جميع ما كان وما يكون من المخلوقات والموجودات أزلا وأبدا لا تخفى عليه منها خافية، وهذه العقيدة من أعظم عقائد البريلوية خاصة، صراحة.
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وتوجد عند غيرهم أيضا، وقالوا:إن الله تعالى أعطى المصطفى ﷺ علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون وعلم ما في السماوات وما في الأرض؛ فمن اعتقد هذا فهو مؤمن ومن لم يعتقد هذا فهو كافر خارج عن دائرة الإسلام.
النوع الثاني: علم جميع ما في اللوح والقلم وزيادة:
تعتقد القبورية: أن النبي ﷺ يعلم جميع ما في اللوح والقلم، وأن هذا العلم جزء من بحر علومه ﷺ، قلت: وأول من عرفته قال بهذه الخرافة- هو البوصيري (٦٩٤هـ)؛ حيث قال:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وتبعه الكوثرية وزادت عليهم البريلوية: أن علم اللوح والقلم سطر من سطور علمه ﷺ ونهر من بحور علمه بل ذرة منها.
النوع الثالث: علمه ﷺ محيط بجميع الكون.
لم يحجب عن روح رسول الله ﷺ شيء، فهو المطلع على عرشه، وعلوه وسفله ودنياه وآخرته وناره وجنته؛ فعلمه محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية.
النوع الرابع: أنه ﷺ يعلم علم جميع علوم المخلوقين من الأولين والآخرين والجن والإنس والملائكة وغيرهم من العالمين.
قلت: يدخل في ذلك علوم السحرة والكهنة والمغنين والمطربين والشعراء والعشاق، والمعشوقات والماجنين والشياطين والكافرين والمنجمين والمهندسين والفلاحين والصناعيين والبنائين وغيرهم؛ فرسول الله ﷺ يعلم جميع علوم هؤلاء أجمعين عند هؤلاء القبورية الخرقاء * الوثنية الحمقاء *؟!؟
النوع الخامس: أن النبي ﷺ يعلم جميع المخلوقات وجميع أحوالهم تماما وكمالا في الماضي والحال والمستقبل، فلا تخفى عليه خافية.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
النوع السادس: علمه بخفيات الأمور وضمائر القلوب.
قالوا: إن النبي ﷺ لو وضع يده على حيوان- لعلم الحاضر والغائب؛ فما ظنك بالولي الذي وضع عليه النبي ﷺ يده -؟! ألا يصير عالما بالشاهد والغائب، والذي يعلم أحوال قلوب الجمادات والحيوانات- ألا يعلم أحوال قلوب عشاقه؟!؟
تنبيه مهم: أقدم من عرفته ممن ارتكب هذه الخرافة الوثنية باهتمام وتفصيل الدعوة السافرة إليها- هو ابن الحاج (٧٣٧هـ)، فقد قال في بيان آداب زيارة قبره ﷺ، وشد الرحال إليه للاستغاثة به: (فصل: وأما في زيارة سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه- فكل ما ذكر يزيد عليه أضعافه أعني في الانكسار والذل والمسكنة؛ لأنه الشافع المشفع الذي لا ترد شفاعته، ولا يخيب من قصده،
[ ٢ / ٦٩٨ ]
ولا من نزل بساحته، ولا من استعان به أو استغاث به؛ إذ أنه ﵊- قطب دائرة الكمال، وعروس المملكة ؛ فمن توسل به، أو استغاث به أو طلب حوائجه منه فلا يرد، ولا يخيب ؛
وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم: " إن الزائر يشعر نفسه بأنه واقف بين يديه ﵊، كما هو في حياته؛ إذ لا فرق بين موته وحياته "؛ أعني في مشاهدته لأمته، ومعرفته بأحوالهم ونياتهم، وعزائمهم، وخواطرهم، وذلك عنده جلي، لا خفاء فيه ) إلى آخر خرافاته.
وقد تبعه في هذه الخرافات جمع من القبورية؛ فنقلوا كلامه هذا بنصه وفصه، واستدلوا به وعدوه رطبا جنيّا* ونعمة غير مرتقبة وغنيمة باردة ولحما طريّا* منهم القسطلاني (٩٢٣هـ) .
[ ٢ / ٦٩٩ ]
فقد وقع في طامتين:
الأولى: خرافة قبورية.
والثانية: خيانة علمية حيث نقل كلامه بالنص والفص بدون العزو إليه.
ومنهم الزرقاني (١١٢٢ هـ)، ومنهم النبهاني (١٣٥٠ هـ) وغيرهم من القبورية ولا سيما البريلوية، والكوثرية.
النوع السابع: قولهم إن النبي ﷺ حاضر وناظر في كل مكان وزمان وهو يشاهد العالم كله من المدينة.
لا تستقر نطفة في فرج أنثى إلا ينظر إليها.
وقولهم: إن السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ يرى جميع الناس في زمان واحد وفي جميع الأقطار المتباعدة بدون أي إشكال كما قيل:
كالشمس في كبد السماء وضوؤها يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
[ ٢ / ٧٠٠ ]
روح النبي ﷺ حاضر في بيوت أهل الإسلام، وإن القطب يملأ الكون ويكون حاضرا وناظرا وشاهدا في كل مكان في الكون فما بالك برسول الله ﷺ.
وقالوا: كل ما يحدث في الكون من المشرق إلى المغرب ومن السماء إلى الأرض حتى قبل إبراهيم بآلاف السنين فهو ﷺ يعلمه ويراه حيث إنه موجود في كل مكان وزمان.
النوع الثامن: أن النبي ﷺ كان يعلم الأمور الخمسة: وقت الساعة، وقت نزول الغيث، وما في الأرحام، وأوقات موت الأنفس، وأين تموت.
ولم يكن يعلم علوم هذه الأمور الخمسة فحسب، بل كان يعطي علوم هذه الخمسة من يشاء من خدمه.
النوع التاسع: أن النبي ﷺ كان يعلم علم كل شيء ويعلم كل شيء، لأن الله تعالى قال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
[ ٢ / ٧٠١ ]
قالوا: إن ضمير " هو " يرجع إلى النبي ﷺ، فهو ﷺ بكل شيء عليم.
وقد أعطي ﷺ علم كل شيء قبل أن يفارق الدنيا.
النوع العاشر: أنه ﷺ كان يعلم القرآن قبل ولادته لأنه كان يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ.
[ ٢ / ٧٠٢ ]