«وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب» ماتوا - أو أكثرهم - قبيل مبعثه ﷺ، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب مبدل، أو منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول، وبعضه متروك. وإما أمي: من عربي، وعجمي، مقبل على عبادة ما استحسنه، وظن أنه ينفعه؛ من نجم، أو وثن، أو قبر، أو تمثال، أو غير ذلك؛ والناس في جاهلية جهلاء: من مقالات يظنونها علمًا، وهي جهل؛ وأعمال يسحبونها صلاحًا، وهي فساد
فهدى الله الناس بنبوة محمد ﷺ، وبما جاء به من البينات والهدى:
هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، وفتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، وجمعهم على دين الإسلام؛ دين التوحيد، والملة الإبراهيمية الحنيفة بعد تشتت تام وعداوة كاملة، وانهيار خلقي، وانحلال ديني وفساد عقدي، وألف به بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمته إخوانًا، وكسرت الأصنام، والأوثان، وطمست التماثيل، وسويت القبور المشرفة، وأزيل كل ما يعبد من دون الله؛ من قبر وشجر وحجر ونصب وصنم ووثن، وأبطل، وصار الدين كله لله.
وصار الناس مسلمين موحدين يعبدون الله وحده مخلصين له الدين، إلا من شاء الله تعالى من المشركين والمنافقين والكتابيين.
[ ١ / ٢٠ ]
وانقشعت ظلمات الإشراك بالله، ورفرفت رايات التوحيد في البلاد * والعرب والعجم من العباد.
وتوفى الله تعالى رسوله ﷺ والإسلام في تقدم وشوكة تامة وغلبة كاملة، ليظهر على الدين كله.
فواصل خلفاؤه الراشدون سيرهم إلى أن صارت الدولتان العظيمتان * والقوتان الماديتان * الفرس والروم في ذلة وهوان * وخوف بعد أمان * إلى أن جعل قيصر مقصورًا محصورًا * وكسرى مكسورًا مقهورًا * ولما رأى أعداء الإسلام * من اليهود والنصارى والمشركين: من عبدة القبور والأوثان والأصنام * أنه لا يمكن القضاء على هذا التيار * جند الإسلام الكرار * اندس كثير من جواسيسهم في المسلمين * متبرقعين بالإسلام لإحداث القلاقل والزلازل والفتن وبث وثنية الوثنيين * تحت خطط مدبرة سرية * يهودية نصرانية ومجوسية وثنية * فتمكنوا من تمهيد الطريق لإعادة الجاهلية الأولى * واليهودية الخرقاء، والنصرانية الحمقاء، والمجوسية الجهلاء * عن طريق الغلو في الصالحين وتعظيم قبورهم بما لم يأذن به الله ﷿.
فابتليت هذه الأمة بملحد زنديق مشرك منافق يهودي يدعى عبد الله بن سبأ وابن السوداء (٤٠هـ)؛ فادعى ألوهية علي بن أبي طالب ﵁، وأحدث عقيدة رجعته بعد موته ورجعة النبي ﷺ أيضًا، وحياة الأموات الأولياء حياة دنيوية،
[ ١ / ٢١ ]
وكانت له جمعية سرية تعرف بالسبئية، إلى أن تطورت وعرفت بالروافض، ثم الإسماعيلية القرمطية، والنصيرية، وغيرهم من الباطنية.
فكانوا يعبدون القبور وأهلها ويبنون عليها المساجد والقباب، فأحيوا بذلك سنن اليهود والنصارى والمشركين.
فظهرت في هذه الأمة فرقة قبورية وثنية في صورة هؤلاء الروافض؛ فعمروا المشاهد وعطلوا المساجد.
هذه من ناحية
[ ١ / ٢٢ ]
ومن ناحية أخرى: أنه عربت كتب الفلاسفة اليونانية القبورية الوثنية، وعكف عليها كثير ممن تفلسفوا في الإسلام:
أمثال الفارابي الكافر (٣٣٩هـ)، وابن سينا الحنفي القرمطي (٤٢٨هـ)، ونصير الكفر والشرك الطوسي (٦٧٢هـ)، وغيرهم ممن لعبوا بالإسلام كما لعب بولس (٦٥م) بالنصرانية، فتأثروا بآرائهم الفلسفية، ومنها العقائد القبورية، فصاروا دعاة للقبورية الوثنية بتفلسفهم.
[ ١ / ٢٣ ]
وسايرهم كثير من المتكلمين من الماتريدية الحنفية، والأشعرية الكلابية بسبب العكوف على كتبهم الفلسفية، فتأثروا بعقائدهم القبورية، حتى صاروا دعاة إلى القبورية والجهمية في آن واحد: أمثال:
التفتازاني الحنفي فيلسوف الماتريدية والقبورية (٧٩٢هـ)، والجرجاني الحنفي الصوفي الخرافي الكلامي (٨١٦هـ) .
ومن ناحية ثالثة: أنه قد ظهر ناس من المسلمين بمظهر التقشف، (وكان أخطر هؤلاء الأعداء * على الدهماء * وأبعدهم غورًا في الإغواء * أناس ظهروا بأزياء الصالحين: بعيون دامعة كحيلة * ولحى مسرحة طويلة * وعمائم كالأبراج * وأكمام كالأخراج * يحملون سبحات كبيرة الحبات * ويتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات * مع انطوائهم على مخاز ورثوها عن الأديان الباطلة * والنحل الآفلة * وكان من مكرهم الماكر * أن خلطوا الكذب المباشر * بالتزيد في تفسير مأثور * أو حديث صح أصله عند الجمهور * باعتبارهم ذلك أنجع في إفساد دلالة كتاب الله * وسنة رسوله) ﷺ.
[ ١ / ٢٤ ]
وقد عرف هؤلاء الملاحدة الزنادقة بالصوفية الحلولية والاتحادية القبورية الخرافية؛ أمثال الحلاج (٣٠٩هـ)، وابن الفارض (٦٣٢هـ)، وابن عربي (٦٣٨هـ)، وابن سبعين (٦٦٩هـ)، والمولوي
[ ١ / ٢٥ ]
الرومي الحنفي صاحب المثنوي (٦٧٢هـ)، والقونوي (٦٧٣هـ)، والتلمساني (٦٩٠هـ)، وخواجه نقشبند إمام النقشبندية (٧٩١هـ)، وعبد الكريم الجيلي (٨٧٢هـ)، والجامي الحنفي شارح الكافية والفصوص (٨٩٨هـ)، والشعراني (٩٧٣هـ)، والنابلسي الحنفي (١١٤٣هـ) .
فمن طريق هؤلاء الروافض والمتفلسفة والمتكلمة والصوفية الخرافية تسربت القبورية إلى كثير ممن ينتمون إلى الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى.
فأكثر القبورية في الحنفية؛ لكثرة عددهم، وكثرة الفرق المبتدعة فيهم، وكثرة الملوك والأمراء والقضاة القبورية فيهم، ثم في المالكية والشافعية ونزر قليل من الحنابلة.
مع أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة الإسلام برآء من قبوريتهم.
هكذا انتشرت القبورية في شرق الأرض وغربها، وجنوبها وشمالها، وهندها، وفارسها، وتركها، ورومها، وعربها، وعجمها.
[ ١ / ٢٦ ]
بل أصيب بهذا الداء العضال داء القبورية كثير من أهل العلم والفضل والفقه واللغة والأدب من العلماء الأعلام فضلًا عن الجهلة العوام، إلا من شاء الله تعالى من عباده الموحدين.
واشتد أمر القبورية في القرون الوسطى حيث كانت على مستوى الحكومات والشعوب، وظهرت القبورية في كثير من الطوائف بشكل واضح.
(٦) أشهر فرق القبورية:
والقبورية فرق كثيرة، ولكنها متفاوتة في دركاتها القبورية من حيث الغلو، ومتباينة في الأسماء من حيث انتمائهم إلى الأشخاص والمدارس: فبعضهم وثنية أقحاح، وبعضهم يعتقد بعض العقائد القبورية الشركية، وبعضهم متأثر ببعض البدع القبورية.
وهذه الفرق القبورية متمثلة في الروافض، بجميع فرقهم، والصوفية الحلولية والاتحادية، التي هم غلاة القبورية الوثنية، والقادرية، والرفاعية، والشاذلية المغربية المصرية، والميرغنية، والجلوتية،
[ ١ / ٢٧ ]