وأما قوله: (وأما الأحاديث ففي الترمذي عن زيد بن أرقم قوله ﷺ: "إني تارك فيكم ما إن استمسكتم به لن تضلوا بعدي" ١ إلى آخره، وكذلك حديث أبي سعيد الذي أخرجه ابن أبي شيبة، وابن سعد وأحمد، وكذلك حديث أبي ذر: "مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه" إلى آخره، وكذلك حديث ابن الزبير، وكذلك حديث أبي سعيد وغيره مما ذكر) .
(فالجواب) أن يقال: قد تقدم الجواب عن حديث الثقلين، وما في معناه قريبا، وبينا أنها لا تدل على مقصود هذا المعترض، بل تدل على نقيض مقصوده، وإنما تدل على أن إجماع أهل البيت حجة، وأنهم لا يجمعون على باطل؛ لأن الله عصمهم من ذلك، كما عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيره، ذكره القاضي في المعتمد.
ومن العجب قوله: قال بعض أهل التحقيق: إن حديث الثقلين متلقى بالقبول،
_________________
(١) ١ الترمذي: المناقب (٣٧٨٨) .
[ ٩١ ]
والأمة مجمعة على صحة هذا الحديث. وهذا كذب ظاهر، فإن حديث زيد بن أرقم الذي في صحيح مسلم الذي فيه ذكر الثقلين، قد طعن فيه غير واحد من أهل العلم بالأحاديث والأخبار، كأبي حاتم الرازي، وأبي داود السجستاني، فأهل الحديث اختلفوا في صحته: فصححه بعضهم، وطعن فيه بعضهم، فضلا عن جميع الأمة
وأما الأحاديث الأخرى التي ذكرها فليست في دواوين الإسلام المعتمدة كالصحيحين والسنن الأربعة، وإنما يرويها بعض أهل الحديث المتأخرين الذين يروون الصحيح، والضعيف، والموضوع، وعلى تقدير صحتها، فليس فيها حجة على العصمة، ولا على الإمامة؛ لأنها عامة في جميع أهل البيت. ومعلوم أن بني العباس من أهل البيت، وهم عند هذا المعترض من أئمة الجور والظلم، فمدلول هذه الأحاديث يناقض مذهب هذا المعترض، وأشباهه من أهل البدع، والله أعلم.
فصل جدليات الشيعة في أهل السنة وآل البيت
وأما قوله: (فلنرجع إلى الكلام على السؤال والجواب، وإظهار ما فيه من خطأ وصواب)، وقوله في الجواب (اعلم أن قولنا في هذه الآيات وما أشبهها من آيات الصفات الواردة في القرآن العزيز والأحاديث الواردة في الصحاح، وغيرها هو مذهب السلف الصالح، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين إلى آخره.
ثم قال معترضا عليه: أقول: قد تحجرت واسعا، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ١، فقد جعلت سيد المرسلين الذي هو رحمة للعالمين، رحمة لك، ولأهل مذهبك، وللمتسمين بأهل السنة والجماعة خاصة، وأضفته إلى رسول الله ﷺ وأصحابه -﵃-، وجعلتهم سلفا لك ولأهل نحلتك، فيا ليت شعري، أين تضع أهل بيت رسول الله ﷺ وقد أخرجتهم عن أن يكون سلفهم جدهم ﷺ وأصحابه، وتابعيهم لما فسروا كتاب الله، وتأولوا صفات الله على ما تقتضيه لغة العرب، فقد قال -تعالى-:
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء آية: ١٠٧.
[ ٩٢ ]
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ١. فلقد فرقت بين النبي ﷺ وآله، وقطعت ما وصله الله ورسوله، وخالفت قوله ﷺ فيما قاله لعلي: "أما٢ تكون رابع أربعة: أول من يدخل الجنة أنا وأنت، والحسن والحسين، وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا، وذرياتنا خلف أزواجنا"أخرجه الثعلبي، وأحمد في المناقب، وفي رواية أخرى أخرجها بعد ذكر الذرية: "وأشياعنا عن أيماننا وشمائلنا"إلى آخره.
(فالجواب) أن يقال: في هذا الكلام من الكذب والزور والظلم أنواع كثيرة:
(الأول): قوله: قد تحجرت واسعا، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وقد جعلت سيد المرسلين الذي هو رحمة للعالمين، رحمة لك، ولأهل مذهبك، وهذا كذب ظاهر على المجيب؛ لأنه لم يخص أحدا معينا، بل أخبر أن مذهبه في هذه الآيات وما أشبهها من الأحاديث، مذهب السلف الصالح، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، فهذا كلامه صريحا في تكذيب هذا المعترض.
(الثاني): قوله: فقد جعلت سيد المرسلين الذي هو رحمة للعالمين، رحمة لك، ولأهل مذهبك، وهذا أيضا كذب ظاهر على المجيب؛ لأن ظاهر كلامه على صريحه يناقض ما ذكره هذا المعترض، وكل من اتبع كتاب الله وسنة رسوله من جميع الطوائف فهو عنده من أهل الرحمة الناجين، ولا يخالف في هذه المسألة أحد من أمته -ﷺ-؛ لا من أهل السنة، ولا من أهل البدعة، وإنما الشأن في تحقيق هذه الدعوى بالعمل، وقد قال -تعالى- في كتابه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ٣ الآية، فدلت هذه الآية الكريمة على أن كل من أطاع الله ورسوله من الأولين والآخرين، فهو من أهل الجنة الناجين.
(الثالث): قوله: وللمتسمّين بأهل السنة والجماعة خاصة. وهذا أيضا كذب على المجيب؛ لأن الذي ذكر المجيب -كما نقله هو عنه- أنه ما درج عليه رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٢٨. ٢ كذا في الأصل، ولعله "أما ترضى أن تكون، إلخ" أو نحو هذا. ٣ سورة النساء آية: ٦٩.
[ ٩٣ ]
وأصحابه، والتابعون، ومن اتبع سبيلهم من الأئمة، وأهل الحديث، وسائر العلماء الذين لهم لسان صدق عند الأمة، وهم أهل السنة، فهذا كلام المجيب بحروفه، وهو ظاهر في كذبه وافترائه عليه.
والمجيب يعلم أن كثيرا من أهل البدع يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة، وليسوا كذلك، بل هم مخالفون للسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ولجماعة أهل الحق، كالخوارج والمعتزلة الذين يسمون أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وهم في الحقيقة أهل ظلم وشرك.
وكذلك الروافض والشيعة الذين يسمون أنفسهم شيعة آل محمد، وهم أعداء آل محمد في الحقيقة كما أن اليهود والنصارى يدعون اتباع الأنبياء، وينتسبون إليهم، وهم أعداؤهم حقا، ولهذا امتحنهم الله -﵎- بهذه الآية الكريمة لمّا ادعوا محبة الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ١ الآية.
(الرابع): قوله: فيا ليت شعري، أين تضع أهل بيت رسول الله ﷺ فقد أخرجتهم عن أن يكون سلفهم جدهم ﷺ وتابعيهم؟ وهذا من أظهر الكذب، والفجور على المجيب؛ لأن أهل بيت رسول الله ﷺ هم أئمته وسلفه فيما ذكر؛ لأنه بيّن في كلامه أن مذهبه ما درج عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، وتابعوهم إلى يوم الدين، فأين في هذا أنه أخرج أهل بيت رسول الله ﷺ من هذه الجملة؟ بل صريح كلامه أنهم داخلون فيمن انتسب إليهم؛ لأن قوله: وأصحابه وتابعوهم إلى يوم الدين، يعم؛ فيدخل فيه علي وسبطا رسول الله ﷺ، وابن عباس، وأبوه العباس، وغيرهم من أهل البيت الذين اتبعوا سلفهم الصالح، فكيف يقول هذا الكاذب الفاجر أن المجيب أخرجهم من هذه الجملة؟
وأما قوله: فقد أخرجتهم عن أن يكون سلفهم جدهم ﷺ وأصحابه، وتابعيهم لما فسروا كتاب الله، وتأولوا صفات الله على ما تقتضيه لغة العرب، فقد قال -تعالى-: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ ٢، فالمجيب إنما أخرج من هذه الجملة أهل البدع
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٣١. ٢ سورة الزمر آية: ٢٨.
[ ٩٤ ]
والضلال الذين يكذبون على رسول الله ﷺ وأهل بيته، وينسبون أقوالهم الباطلة إليهم، ويتأولون كتاب الله على غير تأويله، وعلى غير ما فسره به الصحابة والتابعون، بل يحرفون الكلم عن مواضعه، كفعل اليهود والنصارى كالجهمية والمعتزلة، ومن شابههم من هذه الأمة؛ الخوارج، والشيعة الذين يعطلون صفات الله، ويصفونه بصفات المعدومات، ويجحدون ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ أو يتأولونه على غير ما دل عليه عند علماء العربية.
والمقصود أنه بيّن في كلامه أن المذهب الصحيح الصواب في مسألة الصفات هو ما درج عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحق لا يخرج عنهم، بل الحق يدور معهم حيث داروا؛ لأن الطرق كلها مسدودة إلى الله، وإلى جنته إلا من طريقه -صلوات الله وسلامه عليه- وهذا مجمع عليه بين فرق الأمة، وإنما الشأن في تحقيق الدعوى وتحقيق المنقول عنه -صلوات الله عليه-، والتمييز بين الصحيح والكذب، وأهل العلم كلهم من جميع الفرق يتفقون على أن طريقة أهل التأويل مبتدعة؛ ابتدعها أوائل الجهمية والمعتزلة الذين أخذوها عن الصابئين من المشركين أعداء الإسلام، ولا تؤثر عن أحد من السلف الصالح، لا عن رسول الله ﷺ ولا عن أهل بيته، ولا عن أحد من أصحابه، ولا التابعين لهم بإحسان.
ولما حدثت هذه البدعة في أواخر دولة بني أمية، أمر العلماء- كالحسن البصري، وغيره من أهل العلم- بقتل من ابتدعها، وهو الجعد بن درهم، فضحى به الأمير خالد بن عبد الله القسري بواسط بالعراق، فخطب الناس وقال: "أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما"، ثم نزل فذبحه لإنكاره الخلة والتكليم، وذلك أن أهل البدع يزعمون أن الله لا يتكلم، ولا يحب خلقه، ولا يخالل أحدا، ويزعمون أن هذا من صفات المخلوقين، ويتأولون الآيات التي فيها: إن الله يتكلم، أو يحب، أو يتخذ
[ ٩٥ ]
إبراهيم خليلا على غير مدلولها، كما ذكر ذلك أهل العلم من أهل التواريخ وغيرهم. فقد خالفت ما عليه رسول الله ﷺ وأهل بيته، والتابعون لهم بإحسان، واتبعت سبيل المبتدعة الضالين، وذممت طريقة رسول الله ﷺ وأصحابه، وكل من اتبعهم وزعمت أنها تقتضي التشبيه والتجسيم، ومدحت طريقة جهم بن صفوان، وجعد بن درهم، وزعمت أنها هي الحق الذي يجب اتباعه، ونسبتها -بجهلك- إلى رسول الله، وأهل بيته.
وقد ذكر البخاري -﵀- في كتابه (خلق أفعال العباد) قصة جهم بن صفوان وجعد بن درهم، وكان جعد أخذ هذا المذهب عن الصابئين، وأخذه عنه الجهم بن صفوان. قال -﵀-: حدثنا قتيبة، حدثني القاسم بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب، عن أبيه عن جده، قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري بواسط في يوم الأضحى وقال: "ارجعوا وضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، سبحانه وتعالى عما يقول الجعد بن درهم علوا كبيرا" ثم نزل فذبحه. قال أبو عبد الله: بلغني أن جهما كان يأخذ هذا الكلام عن الصائبة.
فصل
وأما قوله: فلقد فرقت بين النبي ﷺ وقطعت ما وصله الله ورسوله، فهذا كذب وافتراء على المجيب، لا يمتري فيه ذو قلب منيب، وذلك أن المجيب قرر في كلامه مذهب السلف الصالح، وهو ما عليه رسول الله وأصحابه، وذكر الأدلة على ذلك من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أهل العلم.
وإنما الذي قطع ما أمر الله به أن يوصل وفرق بين رسول الله ﷺ هم أهل البدع والضلال الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى، واتبعوا غير سبيل المؤمنين، فأولئك يوليهم الله ما تولوا، ويصليهم جهنم وساءت مصيرا، ولو ادعوا اتباعهم، وانتحلوا طريقتهم كذبا وافتراء عليهم.
[ ٩٦ ]