وأما قوله: (وانظر تواريخ الإسلام وما قال الناس، هل أحد روى أن معاوية وأصحابه ضمنوا ما أفسدوا من حقوق المسلمين، وأنهم تابوا من تلك الطامة، والفاحشة العامة، والمعصية الكبيرة، وهو البغي الذي أقررت به، وهل ودوا عمارا وخزيمة وأبا الهيثم وأويسا القرني -سيد التابعين- وغيرهم، وسلموا دياتهم إلى أهليهم، أم ماتوا متلطخين بدمائهم وبالفسق والعصيان؟)
(فالجواب): أن يقال كل ما ذكرت في معاوية وأصحابه قد جرى مثله لعلي وأصحابه أو ما هو أعظم من ذلك، وهو قتل طلحة والزبير ومن معهما من المهاجرين والأنصار، وأعظم من ذلك أن قتلة عثمان أمير المؤمنين ﵁ كانوا مع علي، وكانوا من رؤوس عسكره، فما قلت في معاوية يقال في علي ﵁ فكما تأوَّل علي ﵁ في الدماء كذلك تأوَّل معاوية وأصحابه، فإن صحَّت هذه الدعوى ففيها من القدح والغضاضة في علي والحسن والحسين وابن عباس -﵃- ما لا يخفى.
وهذه الحجة التي ذكرت مما يحتج بها معاوية ﵁ وأصحابه على علي ﵁ وأصحابه، ولا يمكنك أن تأتي بحجة صحيحة تُبَرِّيء بها عليا وأصحابه دون معاوية وأصحابه، إلا بالمكابرة والمعاندة.
فظهر بما ذكرناه أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصواب الذي لا يتناقض؛ لأن الباغي قد يكون متأوِّلا معتقدا أنه على حق، وقد يكون متعمدا يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بغيه مركبا من شبهة وشهوة وهو الغالب، وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة، فأصلهم مستقيم مطرد في هذا الباب، وأما أنتم فمتناقضون.
وذلك أن النواصب من الخوارج وغيرهم الذين يُكَفِّرون عليا أو يُفسِّقُونه أو يشكون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان
[ ٢٠٣ ]
علي وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة، فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا متواتر عن الصحابة والتابعين والخلفاء الثلاثة وغيرهم. فليس قدحنا في إيمان علي وأصحابه إلا مثل قدحكم في إيمان معاوية وأصحابه. وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح على الصحابة، قالوا: آيات القرآن عامة تتناول غير علي منهم مثل ما تتناول عليا ﵁، وإن أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء، فإخراجنا عليا أيسر وأهون، فإن احتججتم عليهم بالنص الذي تدعونه، كان احتجاجهم بالنصوص التي يدعونها في أبي بكر، بل في العباس معارضا لذلك -﵃-، ولا ريب عند كل من يعرف الحديث أن تلك أولى بالقبول والتصديق. فإذا قال الرافضي: إن معاوية ﵁ كان باغيا ظالما، قال له الناصبي: وعلي كان باغيا ظالما، قتل المسلمين على إمارته، وبدأهم بالقتال، وصال عليهم، وسفك دماء الأمة بغير فائدة لهم لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف في خلافته مسلولا على أهل الملة مكفوفا عن الكفار.
والقادحون في علي ﵁ طوائف: طائفة تقدح فيه وفيمن قاتل جميعا. وطائفة تقول: فسق أحدهما لا بعينه، كما يقول ذلك عمرو بن عبيد وغيره من شيوخ المعتزلة، يقولون في أهل الجمل: فسقت إحدى الطائفتين لا بعينها، وهؤلاء يُفَسِّقُون معاوية. وطائفة تقول: هو الظالم دون معاوية كما تقوله المروانية. وطائفة تقول: كان في أول الأمر مصيبا فلما حكَّم الحَكَمَيْن كفر وارتدَّ، وهؤلاء الخوارج، وكلهم مخطئون في ذلك ضالون مبتدعون، وخطأ الشيعة مثله أو أظهر بطلانا منه.
فإن قال الذابُّ عن علي ﵁ هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية" ١، فللناس في هذا الحديث أقوال منهم: مَنْ قدح في حديث عمار، ومنهم مَنْ تأوَّله على أن الباغي الطالب، وهو ضعيف، ومنهم مَنْ تأوَّله على عليٍّ وأصحابه كما قال معاوية لَمَّا
_________________
(١) ١ مسلم: الفتن وأشراط الساعة (٢٩١٦)، وأحمد (٦/٢٨٩،٦/٣٠٠،٦/٣١١،٦/٣١٥) .
[ ٢٠٤ ]
قيل له: إن عمارا قُتِل، وقد قال النبي ﷺ: "تقتلك الفئة الباغية" ١، فقال: "أفنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤوا به حتى ألقوه بين أسيافنا ورماحنا، وإنما ندفع عن أنفسنا". وهذا تأويل باطل؛ ولهذا ردَّه أمير المؤمنين علي ﵁ بما لا حيلة فيه، فقال: إذًا فرسول الله ﷺ قتل حمزة ﵁ حين جاء به يقاتل المشركين.
وأما أهل السنة والجماعة -﵏ - فكلامهم مستقيم، ولا مطعن فيه لأحد؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا تُفَسَّقُ واحدة من الطائفتين، وإن قالوا في إحداهما إنهم كانوا بغاة؛ لأنهم كانوا متأوِّلين مجتهدين، والمجتهد المخطئ لا يُكَفَّر ولا يُفَسَّق، وإن تعمَّد البغي فهو ذنب من الذنوب، والذنوب يُرْفَعُ عقابها بأسباب متعددة كالتوبة، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وشفاعة النبي ﷺ ودعاء المؤمنين، وغير ذلك من الأسباب؛ ولهذا قال محمد بن شهاب الزهري- وهو من أئمة التابعين-: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمع رأيهم على أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القرآن فهو هدر" أو كلاما هذا معناه، أخرجه غير واحد من الأئمة.
فصل مذهب الزيدية في لعن معاوية
وأما قوله في تحقيق مذهب الزيدية في لعن معاوية: (أنهم يظهرون- حيث يخشون التهمة- بموالاته المحرمة بنص الكتاب العزيز، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٢ فلا يوجبونها مطلقا ولا يستحبونها مطلقا ) إلى آخر كلامه.
(فالجواب): أن يقال: أنت قرَّرت في أول اعتراضك أنه لو جاء ملك بلعن إبليس- لعنه الله- على المنابر لَعُدَّ مبتدعا، فكيف استجزتم -أيها المنتسبون إلى زيد ﵁- لعن معاوية -﵁-؟! ما هذا التناقض العظيم والتهور فيما يوجب العذاب الأليم؟!
_________________
(١) ١ مسلم: الفتن وأشراط الساعة (٢٩١٦)، وأحمد (٦/٢٨٩،٦/٣٠٠،٦/٣١١،٦/٣١٥) . ٢ سورة الممتحنة آية: ١.
[ ٢٠٥ ]
وأما استدلاله بهذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ٢ الآية، فهي دعوى باطلة كدعوى الخوارج والمبغضين لعلي ﵁ وأهل بيته بأن هذه الآيات فيهم، فكما أن دعواهم ظاهرة البطلان، فكذلك دعواكم.
دعوى أن أهل السنة رضوا بسب علي ﵁
وأما دعواه أن أهل السنة قد رضوا بسبِّ علي ﵁ فكذب عليهم لا يمتري فيه أحد، بل هم ينكرون سب علي ﵁ أشد الإنكار في قديم الزمان وحديثه، وهم الذين عملوا بقوله -﵎-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ٣ الآية.
فصل لا أحد يشهد لأحد بالجنة أو النار إلا من ثبت له ذلك
وأما قوله: (قد حكمت بدخوله الجنة) .
(فالجواب): أن يقال: هذا كذب ظاهر على المجيب؛ وذلك أنه هو وسلفه من أهل السنة والجماعة لا يشهدون لِمُعَيَّنٍ بالجنة إلا لمن شهد له رسول الله ﷺ بأنه من أهل الجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة -﵃، الذين ثبتت الأحاديث في تعيينهم أنهم من أهل الجنة. وأما مَنْ سواهم فلا يشهدون له بذلك، ولكنهم يرجون لجميع المؤمنين دخول الجنة، ويخافون على مَنْ أذنب من النار، ولا يقطعون لمعين بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا من ثبت له ذلك في القرآن كأبي لهب والوليد بن المغيرة وقوم نوح، وجميع المهلكين من الأمم، ومَنْ ذكره رسول الله ﷺ.
لعنهم لمعاوية يستلزم الطعن في الحسن والحسين وسائر آل البيت
ويقال أيضا: إن كان ما قلت حقا فأول مَنْ يدخل في هذه الآيات الحسن بن علي -﵄- وأخوه الحسين، ومن معهما من أهل البيت وربيعة ومضر وهمدان، حين انخلع الحسن لمعاوية ﵁ من الخلافة، وولَّى عليها من هو عدو لله ورسوله ﷺ عندكم، ووافقه على ذلك أخوه الحسين، وكل مَنْ معه من
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة آية: ١. ٢ سورة الأنعام آية: ٦٨. ٣ سورة النساء آية: ١٣٥.
[ ٢٠٦ ]
المسلمين، ورضوا بذلك من غير إكراهٍ ولا غلبة من معاوية وأهل الشام، بل بمجرد ما تقابل الجمعان جرت بينهما المفاوضة في الصلح قبل أن يقع بينهما قتال، أفلا يستحي العاقل من هذه الخرافات التي تنادي على قائلها بالارتكاس في الظلمات؟! وهذا كافٍ في بطلان كلامك.
فصل حمل الشيعة أخبار المرتدين على من قاتلهم من الصحابة لا عليهم
وأما قوله: (وإذا كان معاوية في الجنة، فليت شعري، أين تضع الأحاديث الواردة في دواوين الإسلام، كقوله -﵊-: "يُؤْتَى برجال من أصحابي فَيُؤْخَذُ بهم ذات الشمال" ١ إلى آخره، أفتنَزه معاوية ومَنْ معه مثل عمرو بن العاص وابنه عبد الله، وتضعها في سعد بن معاذ وعمار وخزيمة -ذي الشهادتين- ومن قاتل مع علي ﵁ بصفين؟! أم في العشرة المبشرة بالجنة -﵃-؟! فاختر لنفسك أين تضعها على مقتضى شهواتك أنت وأهل السنة والجماعة ) إلى آخره.
(فالجواب): أن يقال: قد بيَّنا فيما تقدم أن أهل العلم الذين رووا هذه الأخبار حملوها على مَن ارتدَّ من جفاة الأعراب بعد موت الرسول ﷺ وماتوا على الردة، كالأسود العنسي وأصحابه الذي تنبَّأ بصنعاء، وتبعه خلق من أهل اليمن حتى قتله الله، وكمسيلمة صاحب اليمامة وأصحابه، وكأصحاب طليحة الأسدي الذين قتلهم خالد، وأصحاب رسول الله ﷺ وكانوا خلقا عظيما. ومنهم مَنْ قدم على النبي ﷺ وصحبه، أفتنكر أنه لم يقع ردة بعد النبي ولا كفر أحد ممن أسلم في حياة النبي ﷺ حتى جرى قتال معاوية لعلي -﵄-؟
ويقال أيضا: دعواك أن هذه الأحاديث محمولة على معاوية، ومن معه من الصحابة من جنس دعوى الخوارج الذين يُكَفِّرون عليا ومن والاه، ويحملون هذه الأحاديث عليهم، فما يمكنك أن تأتي بحجة إلا عارضوك بما هو من جنسها، فاتق الله، ولا تكن من الذين يجادلون بالباطل؛ فتكون مع الهالكين.
_________________
(١) ١ البخاري: تفسير القرآن (٤٦٢٥)، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٦٠)، والترمذي: صفة القيامة والرقائق والورع (٢٤٢٣) وتفسير القرآن (٣١٦٧)، والنسائي: الجنائز (٢٠٨٧)، وأحمد (١/٢٣٥،١/٢٥٣) .
[ ٢٠٧ ]
فصل
وأما قوله: (إن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ١ أي: أرادوا الاقتتال، وأنها كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ٢، وقول الرسول ﷺ "من بدَّل دينه فاقتلوه" ٣ إلى آخر كلامه) .
(فالجواب): أن يقال: هذا لو عارضناه بكلام أهل التفسير من أهل السنة والجماعة، أو بما رووه من الأحاديث لم يقبل ذلك، فالواجب معارضته بما لا يقدر على إنكاره، وهو ما اتفقنا نحن وهم عليه، وهو أن الحسن بن علي -﵄- انخلع من الخلافة لمعاوية مع حضور أهل البيت وجمهور المسلمين معه، أفتقول: إن الحسن لا يفهم كلام الله ولا كلام رسوله ﷺ، وإنما عرفته أنت وشيعتك؟ فيلزم من كلامك أن الحسن ومَنْ معه هم الذين سلَّطوا الكفار والفساق على فساد الدين، والكفر برب العالمين.
(وجواب ثان): وهو أنه تواتر عن علي ﵁ أنه لَمَّا قتل أهل الجمل، لم يفعل فيهم كفعله في الكفار المرتدين من السبي، وأخذ الأموال، والإجهاز على الجريح كما احتجَّ بهذه الحجة على الخوارج حبر الأمة، وترجمان القرآن ابن عباس -﵄-.
(وجواب ثالث): وهو أن يقال: الآية نفسها مصرِّحة بنقيض ما فسَّرها به هذا المعترض؛ لأن الله -﵎- قال في أولها: "اقتتلوا" وهذا فعل ماض بإجماع النحويين، ثم قال: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ ٤ أي: بعد الاقتتال والإصلاح، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ ٥ أي: رجعت عن البغي ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٦ ثم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية: ٩. ٢ سورة المائدة آية: ٥٤. ٣ البخاري: الجهاد والسير (٣٠١٧)، والترمذي: الحدود (١٤٥٨)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠٥٩،٤٠٦٠،٤٠٦١،٤٠٦٢،٤٠٦٤،٤٠٦٥)، وأبو داود: الحدود (٤٣٥١)، وابن ماجه: الحدود (٢٥٣٥)، وأحمد (١/٢١٧،١/٢٨٢،١/٣٢٢) . ٤ سورة الحجرات آية: ٩. ٥ سورة الحجرات آية: ٩. ٦ سورة الحجرات آية: ٩.
[ ٢٠٨ ]
أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١.
فالآية من أولها إلى آخرها تنادي بتكذيب هذا المعترض الذي يفسر كتاب الله برأيه.
(وجواب رابع): وهو أن يقال: إذا جوَّزت أن يكون المراد بقوله -﵎-: ﴿إِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ ٢ أن يكون المعنى أي: أرادوا الاقتتال، أو قوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى﴾ ٣ أي: أرادوا البغي؛ جاز أن يقال ذلك في قوله ﷺ "من بدَّل دينه فاقتلوه" ٤، فيكون معنى الحديث عندكم: مَنْ أراد تبديل دينه وَهَمَّ بذلك -وإن لم يتكلم ويعمل- فاقتلوه.
وهذا لا يقوله من يفهم ما يقول؛ وذلك لأن ما في القلوب من الإرادات والنيات لا يعلمه إلا الله، وجاز أن يكون معنى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ ٥ أي: يرد قتله وإن لم يقتله، وجازه –أيضا- ذلك في جميع آيات الوعد والوعيد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا﴾ ٦ أي: يرد أن يعصي الله ورسوله ويتعد حدوده، وإن لم يفعل ذلك، فإن طردت ما قلت لزمك أن تقول ذلك في جميع ما شابهها في آيات الوعد والوعيد والأمر والنهي.
حكاية مكذوبة
وأما الحكاية التي ذكرها أن معاوية ﵁ أظهر لأهل الشام، أن عليا لا يصلي، حتى حاجَّ بذلك بعض أهل الشام هاشم بن عتبة ﵁ فهي من أظهر الكذب والبهتان عند من له أدنى معرفة بهذا الشأن، وقد ذكرنا بالنقول المتواترة أن أهل الشام إنما قاتلوا عليا ومَن معه للطلب بدم عثمان -﵁-؛ لأن قتلة عثمان كانوا رؤوس جيش علي، ولا يحكي مثل هذه الحكاية إلا من لا يستحي من الكذب.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات آية: ١٠. ٢ سورة الحجرات آية: ٩. ٣ سورة الحجرات آية: ٩. ٤ البخاري: الجهاد والسير (٣٠١٧)، والترمذي: الحدود (١٤٥٨)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠٥٩،٤٠٦٠،٤٠٦١،٤٠٦٢،٤٠٦٤،٤٠٦٥)، وأبو داود: الحدود (٤٣٥١)، وابن ماجه: الحدود (٢٥٣٥)، وأحمد (١/٢١٧،١/٢٨٢،١/٣٢٢) . ٥ سورة النساء آية: ٩٣. ٦ سورة النساء آية: ١٤.
[ ٢٠٩ ]
فصل
وأما ذكره من استدلاله بحديث غَدِير خُمٍّ، وأنه ورد من روايات جماعة من الصحابة، فقد قدَّمنا الجواب عنه، وقد بيَّن أهل العلم أنه لا يدل على ما ذهب إليه الروافض والزيدية؛ لأن المولى يطلق على معاني متعددة.
وأما قوله: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأعن من أعانه"، فهذا ليس في الأحاديث الصحيحة التي صحَّحها أهل العلم بالحديث، بل طعن كثير منهم في هذه الزيادة، قالوا: والواقع يشهد بكذبها؛ لأن النصر والغلبة والإعانة وقع لمن حاربه وقاتله، ومعلوم أن دعاء الرسول ﷺ مجاب، فلو كان هذا حقا وصدقا لوقع الأمر بخلاف ما وقع، وأنت لا تنكر أن الغلبة والظفر والإعانة كان لمن قاتله وحاربه، فبطل ما ذكرت -ولله الحمد والمنة-.
وأكثر هذه الأحاديث التي ذكرها في أول هذا الاعتراض وآخره قد بين أهل العلم بالحديث أنها كذب موضوعة مفتراة على رسول الله ﷺ.
ثم من العجب استدلاله بكلام عمر بن عبد العزيز ﵁ حين ذكروا عثمان وعليا وطلحة والزبير -﵃- وما كان منهم، فأكثروا وعمر ساكت، فقال القوم: ألا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: "لا أقول شيئا، تلك دماء طَهَّرَ الله منها كفي، فلا أغمس فيها لساني". اهـ.
وهذا هو الذي أراد المجيب؛ لأن الله أثنى عليهم في كتابه جملة قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١، وأثنى على من جاء بعدهم، فدعا لهم بالمغفرة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
فإن قلت: إن هؤلاء الآيات في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار،
_________________
(١) ١ سورة الفتح آية: ٢٩. ٢ سورة الحشر آية: ١٠.
[ ٢١٠ ]
قلنا: جاءتك قاصمة الظهر، وهي قوله -﵎-: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ١.
أحاديث في مناقب معاوية وعمرو بن العاص ﵄
ومعلوم بإجماعنا وإجماعكم أن معاوية وعمرو بن العاص -﵄- ممن أسلم بعد الفتح، والأحاديث الواردة في فضل معاوية وعمرو بن العاص -﵄- قد رواها مَنْ روى تلك الأحاديث في فضل علي ﵁ وأهل البيت، فإما أن تقبل الجميع، وإما أن ترد الجميع، وأما أن تقبل ما وافق هواك، وترد ما خالفه بلا برهان ولا حجة يوافقك عليها أهل المعرفة، فهذا تناقض، وقد قال السيوطي: أخرج الترمذي وحسَّنه عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الصحابي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لمعاوية: "اللهم اجعله هاديا مهديا" ٢.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم علمه الكتاب والحساب، وقه العذاب" ٣.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال: "قال لي معاوية ﵁: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله ﷺ يا معاوية، إذا ملكت فأحسن".
وأخرج الترمذي عن أبي إدريس الخولاني قال: "لما عزل عمر بن الخطاب ﵁ عمير بن سعد عن حمص، وولَّى معاوية ﵁، فقال الناس: عزل عميرا وولى معاوية، فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: اللهم اهد به" ٤.
وقال آدم عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ "أبناء العاص مؤمنان عمرو وهشام" ٥ وقال عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال طلحة: "ألا أحدثكم عن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سورة الحديد آية: ١٠. ٢ الترمذي: المناقب (٣٨٤٢)، وأحمد (٤/٢١٦) . ٣ أحمد (٤/١٢٧) . ٤ الترمذي: المناقب (٣٨٤٣) . ٥ أحمد (٢/٣٠٤) .
[ ٢١١ ]
بشيء؟ ألا إني سمعته يقول: عمرو بن العاص من صالح قريش"١ وسمعته ﷺ يقول: "نعم أهل البيت: أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله" ٢. اهـ ما ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه.
فصل كذب الشيعة على معاوية وما أنكره أهل السنة عليه
وأما ما ذكره من إحداثات معاوية، منها: إلحاقه زياد بن سمية بأبيه، فأهل العلم ينكرون ذلك على معاوية في قديم الزمان وحديثه، وكذلك أخذ البيعة لابنه الظالم، ينكرون ذلك ولا يرضونه حتى أنكر مَنْ أنكر منهم ذلك عليه بنفسه في حياته، وأما قوله: إنه أمر علماء السوء بأن يضعوا أحاديث في فضائل الصحابة الذين تقدموا عليا، وفي مثالب علي، فهذا من أظهر الكذب عند الخاصة والعامة من أهل العلم بالأخبار والسير، وأهل الوضع للحديث هم الشيعة كما تقدم ذكره عن أهل الحديث. وأما لعن علي ﵁ فهو من المنكرات، وأهل السنة والجماعة ينكرون على من فعله كائنا من كان.
ومن العجب قوله: ولو لم يقطعه عمر بن عبد العزيز ﵁ لبقي في الشام إلى اليوم. فيقال: وما يدريك بذلك، أقرأت في اللوح المحفوظ، فكتبت هذا الكلام منه؟! أم بلغك ذلك في حديث صحيح عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بذلك فهو الصادق فيما أخبر به؟ وأيضا أنت ذكرت عن ابن تيمية -﵀- في أول كتابك، وفي هذا الموضع أنه لم ينقطع إلا قبل وقته، فهذا يرد قولك أنه لو لم يقطعه عمر لبقي إلى اليوم، وأيضا أنت كذبت على ابن تيمية، فإنه لم يقل ذلك، وابن تيمية -﵀- أجلُّ من أن يقول مثل هذه الخرافات والجهالات في المنقولات.
وأيضا من المعلوم المتواتر أن بني أمية بعد موت عمر بن عبد العزيز ﵁ استمروا على سبِّ علي، ولم ينقطع من الشام ولا من غيره من بلاد الإسلام إلا بعد انقراض دولة بني أمية في ولاية بني العباس.
_________________
(١) ١ الترمذي: المناقب (٣٨٤٥) . ٢ أحمد (٤/١٥٠) .
[ ٢١٢ ]
وأما قوله: ومن إحداثاته ترك الجهر ببسم الله الرحمن الر حيم في أول السورة، فهذا كذب ظاهر، وما ذكره عن الرازي دعوى مجردة لا دليل عليها، وأيضا معارضة بما هو من أصح الأسانيد، وهو ما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ أنه قال: "صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر وعمر، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الر حيم في أول القراءة ولا في آخرها"١.
وأما تشريعه الإقامة في صلاة العيدين، فكذب ظاهر، فإن الذي أحدثه بنو أمية بعد معاوية في العيدين هو تقديم الخطبة على الصلاة كما في الصحيحين: أن أول من فعل ذلك مروان بن الحكم، فأنكر عليه أبو سعيد الخدري وغيره من الصحابة -﵃- أجمعين.
فصل دعوى الزيدية العصمة لعلي كدعوى الإمامية النص على إمامته
وأما دعواه العصمة لعلي ﵁ وقوله: (قد حصل القطع بها، ولا ينكرها إلا مكابر، إلى آخره.
(فالجواب): أن يقال: (أولا) هذه الدعوي من جنس دعوى الإمامية بالنص والعصمة لعلي وأولاده، ومن جنس دعوى الباطنية، وجنس دعوى السبائية في محمد بن علي -المعروف بابن الحنفية-، وما أحسن ما قال بعضهم:
لي حيلة فيمن ينم وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليلة
وقد تقدم الجواب عن أدلته التي ذكر مفصلا مبينا، ولكن نذكر فصلا نختم به كتابنا هذا، ننقل فيه كلام أهل البيت في الرد على هذا المعترض وأشباهه؛ ليتبين الحق لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله به الشقاء والخذلان، فذلك لا حيلة فيه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ ٢ الآية.
_________________
(١) ١ البخاري: الأذان (٧٤٣)، ومسلم: الصلاة (٣٩٩)، والترمذي: الصلاة (٢٤٦)، والنسائي: الافتتاح (٩٠٢،٩٠٣)، وأبو داود: الصلاة (٧٨٢)، وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها (٨١٣)، وأحمد (٣/١٠١،٣/١١١،٣/١٦٨،٣/١٧٦،٣/١٧٩،٣/٢٠٣،٣/٢٠٥،٣/٢٢٣،٣/٢٥٥،٣/٢٦٤،٣/٢٧٣،٣/٢٧٥،٣/٢٧٨،٣/٢٨٩)، والدارمي: الصلاة (١٢٤٠) . ٢ سورة المائدة آية: ٤١.
[ ٢١٣ ]