وأما قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١، فقال الحافظ ابن كثير في تفسيره: هذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية، وسبب النُزول داخل فيه قولا واحدا. إما وحده على قول، أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٢ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ. وقال عكرمة: من شاء باهلته؛ إنها نزلت في أزواج النبي ﷺ. فإن كان المراد أنهن سبب النُزول دون غيرهن فهذا حق، وإن كان المراد أنها لا تعم غيرهن ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك، ثم ساق الأحاديث بطولها. انتهى معنى ما ذكره ابن كثير.
ومن تدبر القرآن لم يشك أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٣؛ لأن سياق الكلام معهن٤. ولهذا قال
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٣٣. ٢ سورة الأحزاب آية: ٣٣. ٣ سورة الأحزاب آية: ٣٣. ٤ التحقيق المتبادر من الآيات أنها في نساء النبي وحدهن دون غيرهن، وإنما ذكر الضمير في قوله (ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) لدخوله – ﷺ - معهن في ذلك، ولكون ما أريد من التشديد عليهن بهذه الوصايا، وحكمته هو تطهير بيته (ص) مما يدنسه بانحرافهن عن صراط التقوى - (برأهن الله من ذلك) - ومن المعلوم بالبداهة: أن الرجل لا يلحقه من العار بارتكاب أحد أولاد عمه لفاحشة ما مثل ما يلحقه باقتراف زوجه للفاحشة.
[ ٨٩ ]
بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ ١ أي: واعملن بما أنزل الله على رسوله في بيوتكن، من الكتاب والسنة، قاله قتادة، وغير واحد من المفسرين، وعائشة بنت الصديق -﵂ وعن أبيها- أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، فإنه لم ينْزل على رسوله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك رسول الله ﷺ. قال بعض العلماء: لأنه لم يتزوج بكرا غيرها، ولم ينم معها رجل في فراشها غيره ﷺ فناسب أن تخص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العلية.
والمقصود: أن هذه الآية تناقض مذهب هذا المعترض، وترد عليه، وتنادي ببطلان مذهبه من وجوه كثيرة: (منها): أنها عامة في جميع أهل البيت كآل العباس، وآل جعفر، وآل الحارث بن عبد المطلب، وهو إنما يظن أن المراد بها آل علي خاصة. (ومنها): أن أزواجه داخلات في جملة أهل البيت، وهم يزعمون أن عائشة، ومن معها من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- مخطئون عاصون في قتالهم عليا وأصحابه.
(ومنها): أنه ليس فيها دليل على عصمة أهل البيت؛ لأن العلماء -رحمة الله عليهم- ذكروا أن الإرادة في القرآن نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة قدرية كونية؛ فالأولى كقوله في هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٢ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ٣ الآية وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ ٤. وأخبر أنه يريد أن يتوب على المؤمنين ويطهرهم، وفيهم من تاب ومن لم يتب، ومن تطهر ومن لم يتطهر، فلا يكون فيها دليل على العصمة، ولا الإمامة. ٥
وأما الإرادة الكونية القدرية فكقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ٦ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ ٧ وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ ٨ الآية،
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٣٤. ٢ سورة الأحزاب آية: ٣٣. ٣ سورة النساء آية: ٢٦. ٤ سورة المائدة آية: ٦. ٥ ومثله في حكمة الرخصة في الصيام (يريد الله بكم اليسر) الآية. ٦ سورة الأنعام آية: ١٢٥. ٧ سورة المائدة آية: ٤١. ٨ سورة الإسراء آية: ١٦.
[ ٩٠ ]
وقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ﴾ ١ الآية. وهذه هي الكلمات التي لا يجاوزهن بر، ولا فاجر.
ولفظ (الرجس) أصله القذر، ويراد به الشرك كقوله -تعالى-: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ ٢، ويراد به الخبائث المحرمة كقوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ ٣. ونحن نقطع أن الله أذهب عنهم الرجس والخبائث، فمن تاب وقع ذنبه مكفرا، أو مغفورا له، فقد طهره الله تطهيرا.
فتبين بما ذكرنا: أن الآيات التي احتج بها قد أضاء نورها في بطلان ما ذهب إليه هذا المعترض، وهو المطلوب.
_________________
(١) ١ سورة القصص آية: ٥. ٢ سورة الحج آية: ٣٠. ٣ سورة الأنعام آية: ١٤٥.
[ ٩١ ]