فصل في مسألة القدر وإثبات السلف والخلَف من أهل السنة له
وأما قوله: (وقد رُوي التكلم في القدر عن مُحمد بن سِيرِين وقَتَادَة إلى قوله: ومن تكلم في القدر فقد تكلم في الصفات، وسواء كان من جانب المُعْتَزَلَة؛ كالحَسَن ومَكْحُول، ومن ذكروا من جانب الأشعرية، فمن التابعين من هو سلف للأشاعرة.
وقلنا: إن التكلم في القدر تكلُّم في الصفات، إذ معناه عند الحَسَن ومَكْحُول أن الله –تعالى- متصف بعدم خلق أفعال العباد، أي: لم يؤثر فيها، ومن أثبت لله خلق الأفعال فقد وصف الله بأنه مؤثر فيها.
وهذان المذهبان قد اشتهرا وشاعا في التابعين؛ فمنهم الذاهب مذهب المُعْتَزَلَة كالحَسَن ومَكْحُول ومن ذكرنا، ومنهم الذاهب مذهب الأشعرية) .
(فالجواب) من وجوه:
(أحدها) أن يقال: إثبات القدر أو نفيه ليس من باب إثبات الصفات، ولا تفسيرها عند المثبتين ولا عند النافين كما تقدم التنبيه عليه، وإنما ذلك من باب إثبات الفعل والخلق. فالْمُعْتَزَلَة ينفون أن الله قدر أفعال العباد، ويقولون: إن الله لا يقدرها عليهم ثم يعذبهم عليها، وإنما يكون ذلك ابتداء من
[ ١٠٦ ]
عند أنفسهم، ويوردون على ذلك شبهات من الكتاب والسنة.
وأما السلف وأهل السنة، ومن اتبعهم من أتباع الأئمة الأربعة من الأشعرية وغيرهم، فيثبتون أن الله قدَّر أفعال العباد وشاءها منهم، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد، ويستدلون على ذلك بالآيات القرآنية الصريحة في أن الله خلق العباد وأعمالهم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ٣.
وبالأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة عن رسول الله ﷺ بأن الله قدر أعمال العباد، وأن كلا مُيَسَّر لما خُلق له، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٤.
(الوجه الثاني) أن يقال: هؤلاء الذين ذكرهم مع المُعْتَزَلَة -كالحَسَن وابن سِيرِين ومَكْحُول- كلهم قد صح عنهم الإيمان بالقدر وإثباته؛ موافقة لأهل السنة، وإن كان قد نسب إلى بعضهم موافقة المُعْتَزَلَة، فليس كل ما ينسب إلى شخص يكون ثابتا عنه، فليس مجرد نسبة بعض الناس إليهم ذلك يكون صدقا؛ وذلك لأن المُعْتَزَلَة إنما اشتهر أمرهم بعد موت الحَسَن البَصْرِيّ، لأنهم اعتزلوا أصحاب الحسن بعد موته فسُمُّوا المُعْتَزَلَة لذلك، وهم الذين يسمون القَدَرِيَّة؛ لأنهم ينكرون أن يكون الله -﵎- قدر أفعال العباد وشاءها منهم.
وغلاتهم ينكرون أن يكون الله علم ذلك، ومن أنكر علم الله بذلك فقد كفر عند أئمة أهل السنة، ولهذا قال من قال من أئمة أهل السنة: ناظروا القَدَرِيَّة بالعلم، فإن أنكروه كفروا، وإن أقروا به خصموا.
(الثالث): أن أهل السنة الذين حكينا مذهبهم في الصفات، وأنهم لا يتعرضون لها بتفسير ولا تأويل، بل يثبتونها صفات لله، ولا يلزم من إثباتهم الصفات لله أنهم يفسرونها أو يتأولونها. كما أنهم وغيرهم يثبتون لله ذاتا وفعلا وحياة وقدرة،
_________________
(١) ١ سورة الصافات آية: ٩٦. ٢ سورة القمر آية: ٤٩. ٣ سورة الكهف آية: ١٧. ٤ سورة الليل آية: ٥: ١٠.
[ ١٠٧ ]
ولا يكيفونها، ولا يفسرونها، بل يثبتون ما أثبته لنفسه، ويسكتون عما سكت عنه، وينَزهونه عن مشابهة المخلوقات، ومذهبهم وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فلا يتأولونها تأويل المبتدعة، ولا يشبهونها بصفات المخلوقين، وقد قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١.
(الوجه الرابع) أن هذا المعترض جزم في كلامه بأن الحَسَن ومَكْحُولا ومن ذكر معهم قد ذهبوا مذهب المُعْتَزَلَة، وهذا كذب ظاهر عليهم، فإن كان مراده أن هؤلاء نسب إليهم القول بمذهب المُعْتَزَلَة، فقد بيَّنَّا أن مجرد نسبته إليهم لا يلزم منه صحة ذلك عنهم، والمنقول عنهم في ذلك -من موافقة أهل السنة والجماعة في إثبات القدر والإيمان به- هو الثابت عنهم.
وأنت تعلم أن كثيرا من الناس قد نقل عن عَلِيٍّ ﵁ وأهل البيت أشياء كثيرة، ونسبوا إليهم أقوالا قد برأهم الله منها، والرسول ﷺ قد نسب إليه أقوال كثيرة، وأهل العلم يعرفون أنها مكذوبة عليه.
ومن هؤلاء المذكورين من تكلم في شيء من القدر ثم رجع عنه كوَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ، كما قال الحَافِظُ أَبُو الحَجَّاجِ المِزِّيُّ في تهذيبه، قال أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عن عَبْدِ الرَّزَّاقِ: سمعت أبي يقول: "حج عامة الفقهاء سنة مائة، وحج وهب بن منبه، فلما صلوا العشاء أتاه نفر فيهم عطاء والحَسَن بن أبي الحَسَن، وهم يريدون أن يذاكروه في باب من الحمد، فما زال فيه حتى طلع الفجر، فافترقوا ولم يسألوه عن شيء". قال أحمد: "وكان يتهم بشيء من القدر ورجع".
وقال حمَّاد بن سَلَمَةَ عن أبي سِنَانٍ، قال: سمعت ابن مُنَبِّه يقول: كنت أقول بالقدر، حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء، في كلها: "من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر". فتركت قولي.
فتبين بما ذكرنا أن جزم هذا المعترض -بأن هؤلاء الأئمة المذكورين يقولون بمقالة المُعْتَزَلَة، كذب ظاهر، وقول بلا دليل.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢١٣.
[ ١٠٨ ]
(الوجه الخامس): أن من المعلوم عند أهل العلم أن أول من تكلم في آيات الصفات وأحاديثها بهذه التأويلات الباطلة المخالفة للظاهر هم المُعْتَزَلَة والجَهْمِيَّة خاصة، وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان فكلهم متفقون على الإيمان بها، والسكوت عن البحث عن كيفيتها.
فصل المبتدعة ترد ما وصف الله به نفسه بزعم التجسيم
وأما قوله: فمن أعجب ما سمعنا: قولك بأن مذهبك الذي درج عليه رسول الله ﷺ كما هو معنى كلامك، فإن أهل السنة والجماعة هم الذين ملؤوا كتبهم بروايات التجسيم لله -تعالى- والكيفية في الصفات، وفسروا صفاته، فلو ادعيت ذلك التنْزيه على ما في نفسك، لكان أحسن من تحجر الواسع الذي يريد قومك من أهل السنة والجماعة.
فاسمع ما رواه السُّيوطِيّ في "الدُّرِّ المنثور" قال: أخرج ابن جرير والحاكم ١ وابن مردويه "أن موسى –﵇- لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، فسأله فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ ٢. قال: فحف حول الجبل الملائكة، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حولهم بنار، ثم تجلى ربك للجبل، تجلى منه مثل الخنصر، وجعل الجبل دكا فخر موسى صعقا" إلى آخر الحديث الذي في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٣.
ثم ذكر حديث ابن عباس نحو ما تقدم، وكذلك أخرج أبو الشيخ عن أبي هُرَيْرَة عن النبي ﷺ قال: "لما تجلى الله لموسى كان ينظر إلى دبيب النمل في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ" فهذا في التجسيم والتكييف.
(فالجواب) أن يقال: كلام هذا المعترض يدل على رسوخه في الجهل العظيم، واتباعه لأهل البدع والضلال، وعداوته لله ورسوله وعباده المؤمنين، وذلك
_________________
(١) ١ راجعت المستدرك للحاكم في تفسير قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل) . فلم أجده في المستدرك، وهو من رواية ابن إسحاق عن بني إسرائيل اهـ من هامش الأصل. ٢ سورة الأعراف آية: ١٤٣. ٣ سورة الأعراف آية: ١٤٣.
[ ١٠٩ ]
أن مثل هذا الذي زعم أنه تجسيم وتكييف قد ورد ما هو مثله أو أبلغ منه في كتاب الله، وفي الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ؛ فإذا كان هذا عنده تجسيمًا وتكييفًا فلازم كلامه أن الله وصف نفسه بالتجسيم والتكييف، وكذلك رسوله ﷺ، ومن زعم هذا فقد انسلخ من العقل والدين.
فاسمع الآن ما ذكر الله في كتابه: قال الله تعالى:؟ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣ في ستة مواضع من كتابه العزيز.
وقال تعالى:؟ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ٤، ووصف نفسه بأنه يحب عباده المؤمنين.
وكذلك وصف نفسه بالغضب والسخط في غير آية من القرآن، وكذلك وصف نفسه بأنه سميع بصير، وبأن له يدين، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٥، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٦، وبأنه يقبض الأرض يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: "أن الله يقبض الأرض يوم القيامة ويطوي السماوات بيمينه، ثم يهزهن بيده، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " ٧.
وقال تعالى:؟ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٨. وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة، وقد أمرنا الله بتدبر القرآن وتفهمه.
إذا تبين هذا، فقد أوجب الله تصديق الرسول ﷺ على كل مسلم فيما أخبر به عن الله من أسمائه وصفاته، مما جاء في القرآن وفي السنة الثابتة عنه، كما كان عليه السابقون الأولون من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
فإن هؤلاء الذين تلقوا عنه القرآن، كعُثْمَان بن عَفَّان وعبد الله بن مَسْعُود وغيرهم، قد أخبروا أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢١٠. ٢ سورة الأنعام آية: ١٥٨. ٣ سورة الأعراف آية: ٥٤. ٤ سورة الملك آية: ١٦، ١٧. ٥ سورة ص آية: ٧٥. ٦ سورة المائدة آية: ٦٤. ٧ البخاري: تفسير القرآن (٤٨١٢)، ومسلم: صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٧)، وابن ماجه: المقدمة (١٩٢)، وأحمد (٢/٣٧٤)، والدارمي: الرقاق (٢٧٩٩) . ٨سورة الفجر آية: ٢٢.
[ ١١٠ ]
عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: "فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا".
ولم يقل الرسول ﷺ يوما من الدهر ولا أحد من أصحابه -فيما بلغنا- أن ظواهر هذه الآيات وما في معناها من الأحاديث تقتضي التشبيه والتكييف والتجسيم فلا تعتقدوها، بل أولوها على التأويلات المستكرهة، كما يقول من يقوله من الجَهْمِيَّة والرَّافِضَة وغيرهم من أهل البدع والضلال، بل أطلقوا هذه النصوص وبَلَّغُوها لجميع الخلق.
ومعلوم أن في زمانهم الذكي والبليد من أهل البادية والحاضرة والرجال والنساء، فلم يقولوا لأحد منهم: لا تعتقدوا ظواهر هذه النصوص، ولا فسروها بما يخالف ظاهرها.
فهذا سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم القيامة، ومن أعرض عن ذلك واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
[ ١١١ ]