مظاهر الكفار على المسلمين رهبة لا كرهًا للمسلمين
أُفيدك بأني قد قرأت كتابًا بعنوان: «مسائل العذر بالجهل» تحت إشراف فضيلتكم، وفهمت منه أن إعانة الكفار بالقتال معهم ضد المسلمين لا تكون كفرًا، إلا بشرط الرغبة في إظهار دينهم، أو المحبة لدينهم، وعبَّر أن القتال مع الكفار ضد المسلمين - حمية ولمصالح دنيوية - ليس كفرًا مخرجًا من الملة، فهل هذا الفهم صحيح؟ وهل قال به أحد من أهل السنة؟ وما رأي فضيلتكم في اشتراط ما ذُكِر أعلاه للحكم بتكفير من قاتل المسلمين مع الكافرين؟
الإجابة:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فلا شك أن أسباب مظاهرة بعض الكافرين على بعض المسلمين تختلف:
[ ٤٩ ]
- فتارة يكون الباعث بغض الإسلام وأهله.
- وتارة يكون عن رغبة في مصلحة أو رهبة من ضرر يلحق بهذا المظاهر.
ومعلوم أنه لا يستوي من يحب الله ورسوله ودينه - ولكن حمله غرض من الأغراض على معاونة بعض الكفار على بعض المسلمين - لا يستوي هذا ومن يبغض الإسلام وأهله.
وليس هناك نص بلفظ «المظاهرة» أو «المعاونة» يدل على أن مطلق المعاونة ومطلق المظاهرة= يوجب كفر مَن قام بشيء من ذلك لأحد من الكافرين.
وهذا الجاسوس الذي يَجُسُّ على المسلمين - وإن تحتم قتله عقوبة - فإنه لا يكون بمجرد الجس مرتدًا، ولا أدل على ذلك من قصة حاطِب بن أبي بَلْتَعَةَ - ﵁ - فقد أرسل لقريش يخبرهم بمسير النبي - ﷺ - إليهم، ولما أطلع اللهُ نبيَه على ما حصل من حاطب، وعلى أمر المرأة التي حملت الكتاب= عاتب النبيُّ - ﷺ - حاطبًا على ذلك، فاعتذر بأنه ما حمله على ذلك إلا الرغبة في أن يكون ذلك يدًا له عند قريش يحمون بها أهله وماله، فقبل النبي - ﷺ - عذره، ولم يأمره بتجديد إسلامه، وذكر
[ ٥٠ ]
ما جعل الله سببًا لمغفرة الله له، وهو شهوده بدرًا (١).
وهذه مظاهرة أيُّ مظاهرة، فإطلاق القول بأنَّ مطلق المظاهرة - في أي حال من الأحوال - يكون ردة= ليس بظاهر.
فإن المظاهرة تتفاوت في قدرها ونوعها تفاوتًا كثيرًا، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] = لا يدل على أنَّ أيَّ تولٍّ يوجب الكفر، فإن التولي على مراتب، كما أن التشبه بالكفار يتفاوت، وقد جاء في الحديث: «من تشبه بقوم فهو منهم» (٢)، ومعلوم أنه ليس كلُّ تشبه يكون كفرًا= فكذلك التولي.
_________________
(١) رواه البخاري (٣٩٨٣)، ومسلم (٢٤٩٤) من حديث علي - ﵁ -.
(٢) رواه أحمد ٩/ ١٢٣، وأبو داود (٤٠٢٧)، وقال ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» ص ٢٦٩: «إسناد جيد .. وقد احتج الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث»، وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٥٠٩: «إسناده صالح»، وقال العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» ١/ ٣١٨: «إسناد صحيح»، وقال ابن حجر في «فتح الباري» ١٠/ ٢٧١: «إسناد حسن»، وقال ١٠/ ٢٧٤: «قد ثبت»، وقد تُكلم فيه، انظر حاشية «المسند» السابقة، و«المقاصد الحسنة» حديث (١١٠١).
[ ٥١ ]
والحاصل: أن ما ورد في الكتاب المسؤول عنه من التفصيل= هو الصواب عندي. والله أعلم.
أملاه المؤلف حفظه الله في:
١/ ٢/١٤٢٧ هـ.
[ ٥٢ ]