بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فإنكم سألتم عن مسائل، وقد كتبت فيها ما يسر الله تعالى:
أما الحلف بغير الله: فقد صحّت عن النبي ﷺ الأحاديث بالنهي عنه والتغليظ فيه.
فروى ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سمع عمر وهو يحلف بأبيه فقال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» . أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) في الصحيحين.
_________________
(١) رقم (٦١٠٨) .
(٢) رقم (٤٢٥٧) .
[ ٣ ]
وفي رواية لمسلم (١) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» . قال عمر: فوالله ما حلفت منذ سمعت رسول الله ﷺ.
وعن عمر ﵁ أنه قال: لا وأبي. فقال رسول الله ﷺ: «مه! فإنه من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» . رواه الإمام أحمد في مسنده (٢) .
وعن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة. فقال ابن عمر: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» . رواه الترمذي (٣)، وقال: حديث حسن.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم
_________________
(١) رقم (٤٢٥٤) .
(٢) رقم (٣٢٩)، وإسناده صحيح.
(٣) رقم (١٥٣٥)، صححه الحاكم وابن الملقن كما في «البدر المنير» (٩/٤٥٨) والألباني في «سنن الترمذي» .
[ ٤ ]
ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون» . رواه النسائي (١) .
وعن قتيلة بنت صيفي الجهنية: أن يهوديًّا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تنددون وإنكم تشركون؛ تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: «ورب الكعبة»، ويقول أحدهم: «ما شاء الله ثم شئت» . رواه الإمام أحمد (٢) .
وللنسائي (٣): وقال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: «أجعلتني لله ندًّا (٤)؟! بل ما شاء الله وحده» .
_________________
(١) رقم (٣٨٠٠)، وصححه الألباني.
(٢) رقم (٢٧٠٩٣)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٦) .
(٣) «السنن الكبرى» (١٠٧٥٩)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٣٩) .
(٤) الند: هو مثل الشيء الذي يضاده في أموره، ويناده أي يخالفه، ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله. «النهاية في غريب الأثر» (٥/٣٤)
[ ٥ ]
وقد اتفق العلماء -فيما نعلم- من الصحابة والتابعين والأئمة على كراهة الحلف بغير الله، والنهي عنه، وأن اليمين لا تنعقد، ولا يجب فيه كفارة إذا حنث. إلا أنهم اختلفوا فيما إذا حلف برسول الله ﷺ خاصة.
ثم من أصحاب الأئمة من قال: يكره الحلف بغير الله تنزيهًا ولا يحرم. وقطع الباقون بأنه حرام، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الله ينهانا عنه، وما نهانا الله عنه فهو حرام، إلا أن يقوم دليل على أنه تنزيه، وأخبر أن هذا شرك وكفر، وكل ما سمي كفرًا وشركًا فأقل درجاته أن يكون حرامًا.
وإنما سماه شركًا؛ لأن الحلف بغير الله إنما يكون بالمعبود، فمن حلف بغير الله فقد جعل لله ندًّا. فإن فعل هذا معتقدًا لعبادته فهو كافر، وإن لم يكن معتقدًا فهو مشرك في القول دون الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، كما قالوا: شرك دون شرك. وقوله [صلى الله
[ ٦ ]
عليه وسلم]: «الرياء شرك» (١) . وفي ذلك أنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] .
ويدخل في هذا أن يقول الرجل: وحياتي أو وحياتك أو وحياة فلان، أو وتربة فلان أو وتربة (٢) أبي أو وتربة أبيك أو وتربة الشيخ فلان، أو ونعمة السلطان، أو وحياة (٣) رأس السلطان أو وحياة رأسك، أو وحق سيفي، أو وحياة الفتوة، أو وحق أبي، أو وحرمتك عند الله أو حرمة الشيخ فلان عند الله، أو وحق الكعبة، وكل ما كان من هذا بما يحلف به جفاة الناس على وجه التعظيم. فمن حلف بشيء من هذه الأيمان فقد عصى الله ورسوله في قوله: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله» (٤) . ودخل
_________________
(١) ثبت مرفوعًا من حديث شداد بن أوس وغيره: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء » . أخرجه أحمد (٥/٤٢٨) والبيهقي في «الشعب» (٦٤١٢)، وحسن إسناده ابن حجر في «بلوغ المرام» (١٢٧٧) وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٥١) .
(٢) في الأصل بدون واو.
(٣) في الأصل بدون واو.
(٤) أخرجه البخاري (٣٨٣٦) ومسلم (٤٢٥٩) .
[ ٧ ]
في قوله: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» (١) . حتى قال عبد الله بن مسعود ﵁، وهو من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ: لأن أحلف بالله وأنا كاذب أحب إليّ من أن أحلف بغيره وأنا صادق. رواه حرب الكرماني بإسناد جيد (٢) .
وقال القاسم بن مخيمرة: ما أبالي بحياة رجل حلفت أو بالصليب. رواه سعيد بن منصور (٣) . فهذا بين القاسم أن الحلف بغير الله بمنزلة الحلف بالطواغيت؛ مثل الصليب ونحوه.
ولهذا قال عبد الله بن مسعود: لأن أحلف بالله وأنا كاذب أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق. لأنه إذا حلف بغير الله فقد أشرك، وإن كان ليس هو الشرك الأكبر فإنه أعظم إثمًا من الكذب، وإذا حلف كاذبًا فعليه إثم كذبه لكنه موحد في حلفه بالله. والمصيبة الكبيرة مع التوحيد خير من حسنة مع شرك.
_________________
(١) تقدم تخريجه من حديث عمر ﵁.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٨/٤٦٩) رقم (١٥٩٢٩) وابن ابي شيبة (٥/٢٩) رقم (١٢٤٠٢) والطبراني في «الكبير» (٩/١٨٣) .
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/٢٩) رقم (١٢٤٠٧) .
[ ٨ ]