الباب الأول
في معرفة الله تعالى وما يتعلق بذلك
من تعداد الصفات التي يثبتها المتكلمون كالسلف
وأسمائه تعالى وكلامه وغير ذلك
أول واجب على العبيد معرفة الإله بالتسديد (١)
_________________
(١) الواجب: ما يثاب فاعله، ويعاقب تاركه، ووجب: لزم وثبت، والعبيد: جمع عبد، وأشرف اسم، وأتمه للمؤمن وصفه بالعبودية لله وحده، والإله: هو المألوه المستحق للعبادة، بالتسديد أي: التقويم الصائب. وقال المصنف: يعني: بالنظر في الوجود والموجود. اهـ. والذي يجب على العبد معرفة الله ﷿، وما يجب له على عبيده، من توحيده وطاعته، بالسمع بواسطة الرسل، الذين أرسلهم الله إلى عباده، ليبلغوهم دينه الذي شرعه، لا بالتخليط في صفات الله بالعقل. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥] . وقال: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢] . ففرض على عباده العلم بذلك. وأخبر أنه ضمن كتابه من الأدلة والبراهين ما يدل على ذلك، والنظر المفيد للعلم هو ما كان فيه دليل هاد، والدليل الهادي على العموم والإطلاق هو كتاب الله، وسنة نبيه - ﷺ - وغالب نظر أهل الكلام في دليل مضل، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨] ومثبتو النبوات تحصل لهم المعرفة بالله مما جاءت به الرسل، من غير أن يفتقروا إلى النظر في الوجود، والموجود، وفي دلائل العقول، وتقديم الدليل العقلي على السمعي، لازمه تكذيب الرسول فيجب تقديم السمعي بالضرورة، واتفاق العقلاء
[ ٢٩ ]
بأنه واحد لا نظير له ولا شبه ولا وزير (١)
_________________
(١) أي: بأنه سبحانه واحد في ذاته في صفاته، وفرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، لا نظير له، ولا ند له، ولا مثل له ولا شبه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ولا شريك له في ملكه ولا وزير له، ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه باتفاق جميع النبوات، والوزير هو الذي يحمل ثقل الملك، ويعينه برأيه؛ وهو سبحانه الغني بذاته عن كل ما سواه. قال المصنف - عفا الله عنه -: واحد لا يتجزأ، ولا ينقسم. اهـ. ويقول أهل الكلام أيضًا: ولا يتعدد، ولا يتركب، ولا يتبعض، وغير ذلك من الألفاظ المشتركة المجملة، وإن كان يراد بها معنى صحيح مما هو معروف في لغة العرب، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء، ولا يجوز عليه أن يتفرق، ولا ينقسم ولا يتركب، وغير ذلك مما يتنزه عنه سبحانه. بل هو واحد صمد بجميع معاني الصمدانية، فيستحيل عليه ما يناقض صمديته باتفاق النبوات، ولكن أهل الكلام يدرجون في هذا ونحوه نفي علوه، ومباينته لمخلوقاته، كقولهم: لو كان موصوفا بالصفات من العلم، والقدرة وغيرهما، مباينا للمخلوقات، لكان مركبا من ذات وصفات وغير ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس هذا مرادهم -يعني: أنه لا يتجزأ، ولا ينقسم- وإنما مرادهم: أنه لا يشهد، ولا يرى منه شيء دون شيء، ولا يعلم منه شيء دون شيء أو يرى عباده منه شيئا دون شيء، بحيث إنه إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فإن ذلك عندهم غير ممكن. ولا يتصور عندهم أن يكون العباد محجوبين عنه، فإن الحجاب لا يحجب إلا ما هو جسم منقسم، ولا يتصور عندهم أن الله يكشف عن وجهه الحجاب ليراه المؤمنون، هذا هو المراد عندهم بكونه لا ينقسم، ويسمون ذلك نفي التجسيم، إذ كل من ثبت له ذلك كان جسما مركبا عندهم، والباري منزه عندهم عن هذه المعاني. ويلزم الذين ذكروه بنفي الانقسام أن لا يكون شيء قط من المخلوقات، يقال: إنه واحد إلا الجوهر الفرد، وإذا قيل: الواحد هو الشيء فلا يكون قد خلق شيئا، فاسم الواحد قد جعلوا لله فيه شريكا من الموجودات، وهو: الجوهر الفرد.
[ ٣٠ ]