في الأفعال المخلوقة
وسائر الأشياء غير الذات وغير ما الأسماء والصفات
مخلوقة لربنا من العدم (١) وضل من أثنى عليها بالقدم (٢)
_________________
(١) أي: وسائر الأشياء مخلوقة، الله أوجدها من العدم، غير الذات المقدسة، والأسماء الحسنى، والصفات العلى، فإن الله تعالى قديم بجميع صفاته، وقدمه ضروري، وصفات كماله لازمة لذاته، يمتنع ثبوت ذاته بدون صفات الكمال اللازمة، وكل ما سوى الله محدث، مسبوق بالعدم، باتفاق السلف، فالله خالق كل شيء، وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، كما دلت عليه الكتب المنزلة، وأخبرت به الرسل، وأقرت به الفطر، وأجمع عليه المسلمون.
(٢) أي: وضل عن الصراط المستقيم كل شخص أثنى على سائر الأشياء بالقدم سوى الذات، والأسماء والصفات، وأخطأ المنهج القويم، كأرسطو وأتباعه، وأخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض، وما فيهما، وما بينهما، وقدر مقادير الخلائق، قبل ذلك بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء. قال شيخ الإسلام: ليس لأرسطو وأتباعه ولا غيرهم حجة واحدة تدل على قدم شيء من العالم أصلًا.
[ ٥٠ ]
وربنا يخلق باختيار من غير حاجة ولا اضطرار (١)
لكنه لا يخلق الخلق سدى كما أتى في النص فاتبع الهدى (٢)
أفعالنا مخلوقة لله لكنها كسب لنا يا لاهي (٣)
_________________
(١) أي: ربنا -﵎- يخلق ما شاء باختيار منه، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] . ولم يزل سبحانه فاعلا لما يشاء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، أوجد المخلوقات بعد أن لم تكن على غير مثال سابق، لا لحاجة إليها، ولا اضطرار ألجأ إليها، بل خلقها بمحض مشيئته لحكمة عظيمة.
(٢) أي: لكنه - تعالى وتقدس - لا يخلق الخلق سدى هملا، بلا أمر ولا نهي، ولا حكمة، بل خلقهم لذلك، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . أي: يوحدون وقال بعض السلف: إلا لآمرهم، وأنهاهم كما أتي في النص، أي: القرآني، كقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦] . ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة: ٥] والسنة النبوية كقوله: «وحق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا» . وغير ذلك، فاتبع الهدى باقتفاء المأثور وإتباع السلف. وهل يخلق تعالى لعلة، أو لا؟ رجح الأول شيخ الإسلام، وابن قاضي الجبل، وغيرهما، وحكاه عن إجماع السلف، واحتج المثبتون للحكمة والعلة بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وغير ذلك، والإجماع واقع على اشتماله على الحكم والمصالح.
(٣) أي: أفعالنا معشر الخلق جميعها مخلوقة مصنوعة لله تعالى، هو الذي أوجدها من العدم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أي: خلقكم والذي تعملونه، فدلت على أن أعمال العباد مخلوقة لله، وفي حديث حذيفة: «إن الله خلق كل صانع وصنعته. وأيضا: نفس حركاته تدخل في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ فإن أعراضهم داخلة في مسمى أسمائهم، فالله خلق الإنسان بجيمع أعراضه وحركاته، والآيات والأحاديث الدالة على خلق أفعال العباد كثيرة. وجمهور أهل السنة: على أن فعل العبد فعل له حقيقة، لكنه مخلوق لله، مفعول للعبد، ويفرقون بين الخلق والمخلوق، لكنها أي: لكن أفعالنا التي تصدر عنا كسب لنا معشر الخلق، والكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال شيخ الإسلام: والفعل هو الكسب، ولا يعقل شيئان في المحل: أحدهما فعل والآخر كسب، والذين جعلوا العبد كاسبا غير فاعل من أتباع جهم، وأبي الحسن وكلامهم متناقض، وقوله يا لا هي، تكملة للبيت.
[ ٥١ ]
فكل ما يفعله العباد من طاعة أو ضدها مراد
لربنا من غير ما اضطرار من لنا فافهم ولا تُمَار (١)
_________________
(١) أي: فكل فعل يفعله العباد من طاعة، وهي ما تعلق بها المدح في العاجل، والثواب في الآجل وما يفعل من معصية وهي ما فيها ذم في العاجل والعقاب أو الذم في الأجل داخل تحت إرادة الله الكونية ومشيئته وقدرته، فإن الله خالق كل شيء، وربه ومليكه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، وإرادة ما يفعله العباد من غير اضطرار منه لنا ولا حاجة بل لحكمة باهرة. فافهم ولا تمار في علمك وكن مع الحق حيث كان. والمراء: الجدال ويقال للمناظرة، مماراة لأن كل واحد يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، وقد كثر المراء في القدر، وقيل: أول من تكلم فيه معبد الجهني. وأهل السنة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية، وتقدم: أن الإرادة إرادتان: فما ذكر هي الإرادة الكونية القدرية المتعلقة بالخلق، والإرادة الثانية هي: الإرادة الشرعية المتعلقة بالأمر وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة. والمراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد، والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا للمريد، ولا مصلحة له فيه بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوده ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضائه، وإيصاله إلى مراده، فيجتمع الأمران بغضه وإرادته لا يتنافيان لاختلاف متعلقهما. وجمهور أهل السنة من جميع الطوائف: يفرقون بين الإرادة، والمحبة، والرضا، فيقولون: إنه إن كان يريد المعاصي فهو سبحانه لا يحبها، ولا يرضاها، بل يبغضها، ويسخطها، وينهى عنها.
[ ٥٢ ]