في ذكر النبوة وذكر محمد - ﷺ - وذكر بعض الأنبياء وفضلهم وفضل
أصحابه وأمته - ﷺ - وسائر الأنبياء والمرسلين وعظم وكرم أعيان البشر
ومن عظيم منة السلام ولطفه بسائر الأنام
أن أرشد الخلق إلى الوصول مبينًا للحق بالرسول (١)
_________________
(١) أي: ومن عظيم إحسان " السلام " والسلام: اسم من أسماء الله، لسلامته من النقص والعيب، فهو الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته؛ ومن عظيم لطفه ورأفته بجميع الأنام، الخلق من الجن والإنس، وجميع ما على وجه الأرض: أن أرشد الخلق من الثقلين، إلى الوصول إلى معرفته تعالى، وعبادته وحده، والقيام بما شرعه، الذي ثمرته الفوز بالسلامة الأبدية، والنعيم المقيم، والنظر إلى وجهه الكريم. مبينًا: أي: مظهرًا، وموضحًا لمنهج الحق، بالرسول - ﷺ -، وإرسال الرسل أمر ضروري للعباد، لا غناء لهم عنه في معاشهم ومعادهم، وحاجتهم إليه فوق حاجتهم إلى الطعام والشراب، فهم روح العالم وحياته، وهم حجة الله على عباده، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] . ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] . ويجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين، وتصديقهم فيما أخبروا، وطاعتهم فيما أمروا، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع على ألسنتهم.
[ ٩٩ ]
وشرط من أكرم بالنبوة حرية ذكورة كقوة (١)
ولا تنال رتبة النبوة بالكسب والتهذيب والفتوة (٢)
_________________
(١) أي: وشرط كل إنسان أكرم بالنبوة، من النبأ، أي: الخبر، لأنه يخبر عن الله، أو النبوة، وهو الارتفاع، لارتفاع رتبته، حرية خبر المبتدأ، لأن الرق وصف لا يليق بمقام النبوة؛ ذكورة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣] فأثبتها للرجال دون النساء، لاقتضاء الرسالة الاشتهار بالدعوة؛ كقوة أي: كما يعتبر فيمن أكرمه الله بالنبوة، أن يكون قويا بأعباء ما حمل من ثقل النبوة، والقوة عند الضعف. والله ﷾، أعلم حيث يجعل رسالته أصلًا وميراثًا، فليس كل أحد أهلًا ولا صالحًا لتحمل رسالته، بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها، والله أعلم بهذه المحال منكم، ولكن جرت عادة الله في إرسال الرسل: أنه لم يبعث نبيًّا ولا رسولًا، إلا رجلًا حرا قويا، في أشرف منسب أمته، حسن الخلق والخلق، ليسهل عليه تحمل الخلق من أشرف أفراد النوع الإنساني، من كمال العقل، والذكاء، والفطنة وقوة الرأي، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] .
(٢) أي: ولم تعط منزلة النبوة بالكسب والاجتهاد، وتكلف أنواع العبادة، ولا بالتهذيب: تنقية البدن، وتصفية الأخلاق، والاتصاف بالفضائل؛ ولا بالفتوة وكرم النفس، وتخليصها من الأوصاف المذمومة، إلى الأوصاف الممدوحة.
[ ١٠٠ ]
لكنها فضل من المولى الأجل لمن يشا من خلقه إلى الأجل (١)
ولم تزل فيما مضى الأنباء من فضله تأتي لمن يشاء
حتى أتى بالخاتم الذي ختم به وأعلانًا على كل الأمم (٢)
_________________
(١) أي: لكن النبوة وكذا الرسالة فضل من الله المولى الأجل ﷾، يؤتيه لمن يشاء، أي يكرم بالنبوة من خلقه من اصطفاه لها ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فلا يبلغها أحد بعلمه، ولا يستحقها بكسبه، ولا ينالها عن استعداد ولايته. ومن زعم أنها مكتسبة فهو زنديق، مخالف للكتاب والسنة فإن محمدًا - ﷺ - خاتم النبيين إلى الأجل، أي: أن النبوة فضل من الله، يمن بها على من يشاء، وكان ذلك ممتدا من آدم، إلى أن بعث الله خاتم النبيين محمدًا - ﷺ -.
(٢) أي: ولم تزل الأنباء، في الزمن الذي مضى من الأزمان، من فضل الله ولطفه، تأتي بإبلاغ الشرائع، وإيضاح السبل لمن يشاء من الأمم الماضية، والقرون الخالية، فلم تخل الأرض من داع يدعو إلى الله، من لدن آدم، إلى أن بعث محمد - ﷺ - الذي ختم الله به النبيين والمرسلين، وأكمل به الدين، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وفي الصحيحين عنه قال: «وأنا خاتم النبيين» . فلا نبي بعده - ﷺ -. وأعلانا، أي: معشر أمة هذا النبي الكريم، على كل الأمم الماضية، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] . أي: عدلًا خيارًا، وجعل علماءهم، كأنبياء بني إسرائيل، يحفظون ما أتى به هذا النبي الكريم، ويبلغونه أمته، تقوم بهم حجة الله على خلقه؛ وفي الصحيحين: «لا يزال أناس من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» . يعني: بالحجة واللسان، والسيف والسنان. ولمسلم، وغيره: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» . وفي الصحيحين: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» . وفيهما أيضًا: «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبرنا، ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبرنا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» . وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته وهم أسبق الأمم خروجًا من الأرض، وإلى ظل العرش، وإلى القضاء، والجواز على الصراط، وعنه - ﷺ -: «أنتم موفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله» . صححه أحمد وغيره.
[ ١٠١ ]