في ذكر بعض السمعيات من ذكر البرزخ
والقبور وأشراط الساعة والحشر والنشر (١)
وكل ما صح من الأخبار أو جاء في التنزيل والآثار (٢)
من فتنة البرزخ والقبور وما أتى في ذا من الأمور (٣)
_________________
(١) المراد بالسمعيات: ما كان طريق العلم به السمع الوارد في الكتاب والسنة والآثار مما ليس للعقل فيه مجال، ويقابله: ما يثبت بالعقل، ويسمى العقليات والنظريات.
(٢) أي: وكل حكم من الأحكام، أو خبر صح من الأخبار عن النبي - ﷺ - قدمه لمزيد الاهتمام به، ولئلا يظن ظان: أن ما لم يثبت في التنزيل ليس عليه مزيد تعويل، أو جاء في القرآن المنزل على النبي - ﷺ -، أو صح في الآثار السلفية عن الصحابة، مما ليس لعقل فيه مرام، فإنه يشعر أنهم تلقوه عن النبي - ﷺ -
(٣) الفتنة: الامتحان والاختبار، والبرزخ: الحاجز بين الشيئين، وسمي البرزخ برزخا، لكونه حاجزا بين الدنيا والآخرة، من وقت الموت إلى القيامة، ومن مات دخله، وفتنة القبور، من عطف الخاص على العام، لأن أحوال البرزخ تشتمل على ذلك، والذي أتى عن الصادق المصدوق - ﷺ - في فتنة البرزخ، والقبور، وغيرها من الأمور المهولة، حق لا يرد، بل يجب الإيمان به واعتقاده. من ذلك: سؤال الملكين منكر ونكير فيجب الإيمان به شرعا، لثبوته عن النبي - ﷺ - وإنهما يسألانه: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول المؤمن: الله ربى، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، ويقول المرتاب: هاه، هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. ومن ذلك عذاب القبر، وقد ورد التعوذ بالله منه، وهو على الروح والبدن جميعا، وقد ينفرد أحدهما، وهكذا نعيمه باتفاق أهل السنة.
[ ٧٤ ]
وأن أرواح الورى لم تعدم مع كونها مخلوقة فاستفهم (١)
_________________
(١) أي: ومما ينبغي أن يعلم أن أرواح بني آدم لم تعدم بموت الأبدان التي كانت فيها، ولا تموت، ولا تفنى، لأنها خلقت للبقاء، مع كون الأرواح مخلوقة لله، مبتدعة محدثة، مربوبة بالاضطرار من دين الرسل، وباتفاق الأئمة، فاستفهم، أي: اطلب علم ذلك من مظانه. والروح: قد اختلف في حقيقتها. قال ابن القيم: والصحيح أنها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف، حي متحرك، وينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكا بهذه الأعضاء وأفادها هذه الآثار، ومن الحس، والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار، فارق الروح البدن، قال: وهذا القول هو الصواب، وعليه دل الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة. اهـ. والأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت، فمنها: أرواح في عليين. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة. ومنهم: من يكون مقره باب الجنة. ومنهم: من يكون محبوسا على باب الجنة. ومنهم: من يكون محبوسا في قبره، ومنهم: من يكون محبوسا في الأرض. ومنهم: من يكون في تنور الزناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتلقم الحجارة. ومنهم: من يعرض على جهنم غدوة وعشية، كما جاءت بذلك الآثار، والروح أسرع شيء حركة وانتقالا، وصعودا وهبوطا، ولها لذة ونعيم وعذاب عظيم.
[ ٧٥ ]
فكل ما عن سيد الخلق ورد من أمر هذا الباب حق لا يرد (١)
_________________
(١) أي: فكل الذي ورد عن سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه بالأسانيد المقبولة، ودونه أهل العلم من أي أمر من أمور هذا الباب وغيره حق يجب اعتقاده والإيمان به لا يرد من ذلك شيء ثبت عن المعصوم - ﷺ -، فمن تصدى لرد شيء من ذلك، فقد خاب وخسر. فإن الرسل جعلهم الله واسطة بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم، وما يضرهم، وإذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها، مات قلبه موتا لا ترجى الحياة معه أبدا، وشقي شقاوة لا سعادة معها أبدًا، فلا فلاح إلا باتباع الرسول - ﷺ - والإيمان بما جاء به.
[ ٧٦ ]