في ذكر الإمامة ومتعلقاتها
ولا غنى لأمة الإسلام في كل عصر كان من إمام (١)
يذب عنها كل ذي جحود ويعتني بالغزو والحدود (٢)
وفعل معروف وترك نكر ونصر مظلوم وقمع كفر (٣)
_________________
(١) أي: لا بد لأمة الإسلام، وفي نسخة "ملة" أي: دين الإسلام، في كل عصر وزمان؛ كان، أي: وجد، من إمام، بل نصبه فرض كفاية لازم واجب، بالسنة والإجماع، لمسيس الحاجة إليه واستدل القرطبي وغيره بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه: ﴿يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] .
(٢) يذب، أي: يدفع عن أمة الإسلام، وبيضة الدين، كل جبار وظلوم كفار، صاحب جحود للدين القويم؛ ويعتني، أي: يهتم ويقوم بغزو الكفار، وقهر البغاة؛ ويعتني بإقامة الحدود وهي: العقوبات المقدرة؛ وكذا التعزيرات، لتصان محارم الله عن الانتهاك وتحفظ حقوق العباد.
(٣) أي: ويعتني أيضًا بالأمر بفعل المعروف، وهو: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، وندب إليه الشرع؛ ويعتني بترك المنكر، وهو ضد المعروف، وكل ما حرم الشرع فهو منكر؛ ويعتني بنصر مظلوم، بتخليصه من ظالمه، وأخذ حقه، وقمع أهل الكفر، وقهرهم.
[ ١٣٣ ]
وأخذ مال الفيء والخراج ونحوه والصرف في منهاج (١)
ونصبه بالنص والإجماع وقهره فحل عن الخداع (٢)
_________________
(١) أي: ويعتني أيضًا، بأخذ مال الفيء، مصدر فاء يفيء، إذا رجع؛ وهو: المال الحاصل من جهاته المعروفة، كالذي أخذ من مال كافر بغير قتال، كجزية؛ سمي فيئًا، لأن الله أفاءه على المسلمين؛ أي: رده عليهم من الكفار، الذين لم يعبدوه، فأباحه لعابديه، لأنه إنما خلقه إعانة على عبادته، فأفاء عليهم ما يستحقونه؛ ويعتني بأخذ مال الخراج، وعشر مال تجارة حربي، ونصفه من ذمي، ونحوه، أي: نحو ما ذكر، كالذي تركه الكفار فزعًا وهربوا، أو بذلوه فزعًا، وخمس خمس الغنيمة، ومال من مات من الكفار ولا وارث له، ومال المرتد إذا مات على ردته، أو لحق بدار الحرب. ويعتني أيضًا: بالصرف لذلك المال المذكور، ونحوه في طريقه وجهته المعينة له شرعًا، فيصرفه في مصالح أهل الإسلام؛ وكل ما تقدم: من إقامة الحدود، وسد الثغور، وحفظ بيضة الإسلام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فوجب نصب إمام لجلب تلك المصالح، ودفع تلك المضار.
(٢) أي: ويثبت نصب الإمام الأعظم، بالنص من الإمام على استخلاف واحد من أهلها، بأن يعهد إلى إنسان ينص عليه بعده، ولا يحتاج في ذلك إلى موافقة أهل الحل والعقد، كما عهد أبو بكر إلى عمر ﵄، ويثبت أيضًا نصبه بالإجماع من أهل الحل والعقد من المسلمين، كإمامة الصديق. ويثبت أيضًا: نصبه بقهره الناس بسيفه، حتى يذعنوا له، ويدعوه إمامًا؛ لأن عبد الملك بن مروان، خرج على ابن الزبير فقتله، واستولى على البلاد وأهلها، وبايعوه طوعًا وكرهًا، ودعوه إمامًا، ولما في الخروج عليه من شق عصا المسلمين؛ فحل، أي: ابعد وزل عن الخداع، أي اترك مخادعة أهل البدع، من جواز الخروج عليه.
[ ١٣٤ ]
وشرطه الإسلام والحريه عدالة سمع مع الدريه (١)
وأن يكون من قريش عالمًا مكلفًا ذا خبرة وحاكما (٢)
_________________
(١) أي: ويشترط في الإمام الأعظم، الإسلام؛ لأن غير المسلم لا يكون له على المسلمين سبيل، والحرية، لأن الرقيق عليه الولاية، فلا يكون واليًا على غيره، فضلًا عن عامة المسلمين، ويشترط فيه أيضًا: عدالة لاشتراط ذلك في ولاية القضاء، وهي دون الإمامة العظمى؛ فإن قهر الناس غير عدل، فهو إمام، نص عليه أحمد وغيره. ويعتبر فيه أيضًا: سمع؛ أي: بأن يكون سميعًا، بصيرًا، ناطقًا، لأن غير المتصف بهذه الأوصاف، لا يصلح سياسته الخلق؛ من الدرية - بفتح الدال وكسر الراء - وهي: العلم والخبرة، بأن يكون عالمًا بالأحكام المتعلقة بالسياسة والحروب، بصيرًا بأحوال الناس، ومكرهم.
(٢) أي: ويعتبر أيضًا: أن يكون الإمام من قريش، وهو ما كان من نسل فهر بن مالك بن النضر، لما روى أحمد وغيره: «الأئمة من قريش» . «الخلافة في قريش» . وللترمذي بسند صحيح: «الملك في قريش» . ولحديث: «خير الأمراء: ثلاثًا؛ ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا» . وحديث: «قدموا قريشًا، ولا تقدموها. وفي الصحيحين: «لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي من الناس اثنان» . وفيها أيضًا: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم» . وفي البخاري: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» . وكون الخلافة في قريش، ومن شرعه ودينه، كانت النصوص بذلك مأثورة معروفة متواترة، بخلاف كونها في بطن منهم، أو من غيرهم. ويعتبر أيضًا: أن يكون عالما بأحكام الشريعة، لاحتياجه إلى مراعاتها، في أمره ونهيه؛ وأن يكون مكلفًا، أي: بالغا عاقلًا، لأن غير البالغ العاقل يحتاج لمن يلي أمره، فلا يكون واليًا على المسلمين؛ وأن يكون ذا خبرة بتدبير الأمور المذكورة، في البلاد والعباد. وأن يكون حاكمًا، أي: قادرًا على إيصال الحق إلى مستحقه، وكف ظلم المعتدي، وقمع أهل المعتدي، وقمع أهل الافتراء والاعتداء، وقادرًا على إقامة الحدود، وقمع أهل الضلال، لا تأخذه في الله لومة لائم. وإن عقد لأكثر من واحد فهي للأول، فإن فسق بعد العدالة لم ينعزل، ولا تشترط عصمته، ولا كونه أفضل الأمة.
[ ١٣٥ ]
وكن مطيعًا أمره فيما أمر ما لم يكن بمنكر فيحتذر (١)
_________________
(١) أي: إذا عقدت له الإمامة، فصار إمامًا للمسلمين، فكن مطيعًا أنت وسائر رعيته أمره، فيما أمر به، إن كان طاعة لله باتفاق السلف، ما لم يكن أمره بمنكر، فلا يطاع في ذلك، بل يحذر منه، ويجتنب، وتحرم طاعته، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وثبت من غير وجه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. والأحاديث في وجوب طاعة الله متواترة» . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إلى قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٨، ٥٩] . فالأولى في الولاة: أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل؛ والثانية في الرعية: أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك، في حكمهم ومغازيهم، وغير ذلك. فإن تنازعوا في شيء، ردوه إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، فإن لم يفعل ولاة الأمور، أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله وأديت إليهم حقوقهم وأعينوا على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان. ويجب على كل وال: أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين، أصلح من يجده لذلك العمل، أو الأمثل فالأمثل، لما روى الحاكم وصححه: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلًا وهو يجد أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين»، والولاية لها ركنان: القوة والأمانة؛ والقوة في كل ولاية بحسبها.
[ ١٣٧ ]
فصل