عنه يذاد المفتري كما ورد (١)
_________________
(١) أي: عن حوض النبي - ﷺ - وعن الشراب منه؛ يذاد، أي: يطرد المفتري، من الفرية، الكاذب على الله ورسوله، من المحدثين في الدين كما ورد، ففي صحيح مسلم: «ليردن على الحوض أقوام، فيختلجون دوني، فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» . وفي الصحيحين: «أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًاَ، وليردن علي أقوام، أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا، لمن بدل بعدي» . وفيهما أيضًا: «إني على الحوض أنظر من يرد علي منكم، ويؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي» . وفي رواية: «فأقول: أصحابي فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك، فوالله ما برحوا يرجعون على أعقابهم» .
[ ٩٠ ]
ومن نحا نحو السلامه لم يرد (١)
فكن مطيعًاً واقف أهل الطاعة في الحوض والكوثر والشفاعه (٢)
_________________
(١) أي: وأي شخص قصد طريق السلامة، ونهج الحق، وسلم من البدع، يرد عليه - ﷺ - الحوض، لا يرد عن الشرب منه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة مما مر وغيره.
(٢) أي: فكن أيها الناظر للنظم، مطيعًا لما جاءت به الأخبار واقف أي: اتبع أهل الطاعة، من فرقة أهل السنة والجماعة، وفي إثبات الحوض للنبي - ﷺ - في عرصات القيامة وإثبات الكوثر وهو نهر في الجنة، أو هو الخير الكثير، ومنه النهر. وفي صحيح مسلم في الكوثر، قال: «هو نهر أعطانيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة» . وفي صحيح البخاري: «بينا أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، فقلت ما هذا يا جبرائيل؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك» . وللترمذي وصححه «سئل: ما الكوثر؟ قال: ذاك نهر أعطانيه الله -يعني: في الجنة- أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر» . وقد تواترت الأحاديث من طرق تفيد القطع بنهر الكوثر، وكذلك أحاديث الحوض. وفي صحيح مسلم، في صفة الحوض: أنه يشخب فيه ميزابان من السماء، من نهر الكوثر. وصرح بعض أئمة السلف، أن الذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الكوثر: أنه نهر عظيم في الجنة والواردة في الحوض: أنه حوض عظيم، في عرصات القيامة، يمد من شراب الجنة، من نهر الكوثر. وقال القرطبي: الكوثر: حوضان؛ أحدهما في الموقف قبل الصراط؛ والثاني: في الجنة؛ وكلاهما يسمى كوثرًا، والله أعلم. وقوله: والشفاعة؛ أي: واتبع أهل السنة في إثبات الشفاعة. وهي لغة: الوسيلة والطلب. وعرفًا: سؤال الخير للغير؛ مشتقة من الشفع ضد الوتر، فكأن الشافع ضم سؤاله إلى سؤال المشفوع له.
[ ٩١ ]
فإنها ثابتة للمصطفى كغيره من كل أرباب الوفا (١)
من علم كالرسل والأبرار (٢)
_________________
(١) أي فإن الشفاعة العظمى، وغيرها من سائر الشفاعات، الآتي ذكرها، ثابتة بالنقل الصحيح المتواتر للمصطفى - ﷺ - كما أنها ثابتة لغيره، من كل أصحاب الوفاء بامتثال الأوامر، والانتهاء عن الزواجر.
(٢) أي: الشفاعة ثابتة لأرباب الوفاء، من عالم عامل بعلمه، معلم لغيره؛ وهم الربانيون، وهؤلاء هم ورثة الأنبياء، فكما نفعوا الناس في الدنيا بالتعليم، كذلك ينفعونهم بالشفاعة عند الله، كالرسل، جمع رسول، وهو: من أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه؛ وكذا الأنبياء، وهؤلاء هم خواص الخلق عند الله، والأبرار، وهم الأتقياء الأخيار. فيجب أن يعتقد: أن غير النبي - ﷺ - من سائر الرسل، والأنبياء، والملائكة، والصحابة والعلماء، والشهداء، والصالحين، والصديقين، والأولياء، والأفراط، وغيرهم يشفعون عند الله بإذنه، لمن رضي قوله وعمله، كما ثبتت بذلك الأخبار عن النبي - ﷺ - وأجمع عليه المسلمون.
[ ٩٢ ]
سوى التي خصت بذي الأنوار (١)
_________________
(١) أي: سوى الشفاعات التي خصت بصاحب الأنوار محمد - ﷺ -، فلا يشاركه فيها نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولا صديق، ولا شهيد، ولا غيرهم. الشفاعة الأولى: يشفع في أهل الموقف، حتى يقضى بينهم، بعد أن تتراجع الأنبياء آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، الشفاعة، حتى تنتهي إليه - ﷺ -، فيقول: أنا لها، وهذا هو المقام المحمود، الذي يحمده فيه الأولون والآخرون. والشفاعة الثانية: يشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ وهاتان الشفاعتان، خاصتان له. وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها؛ ويخرج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته.
[ ٩٣ ]
فصل