فصل
في التنبيه على بعض معجزاته وهي كثيرة جدًّا
ومعجزات خاتم الأنبياء (١) كثيرة تجل عن إحصائي (٢)
منها كلام الله معجز الورى (٣)
_________________
(١) المعجزة: اسم فاعل، مأخوذة من العجز المقابل للقدرة؛ ومعجزة النبي: ما أعجز به الخصم عند التحدي. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يسميها النظار معجزات، وتسمى دلائل النبوة، وأعلام النبوة، ونحو ذلك، وإذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود، من لفظ المعجزات، ولم يكن لفظ المعجزات موجودًا، في الكتاب ولا في السنة.
(٢) أي: عن عدي وحفظي، لكثرة أفرادها وتنوعها، من الأقوال والأفعال، التي ما سبقت لنبي من الأنبياء، ولم يبلغ أحد منهم ما بلغه - ﷺ - من أعلام نبوته، ولم يؤت أحد منهم آية أو فضيلة إلا وله - ﷺ - مثلها وزيادة، وهو دليل على مزيد التشريف والتكريم، والاهتمام بشأنه. وبالجملة: فدلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - لا تحصر، فإن القرآن -وهو معجزة من معجزاته- قد احتوى على الإعجاز على ما لا يحصى كثرة، حتى بلغها العلماء إلى ألوف كثيرة، بل كل آية أو آيات منه، بعددها وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات.
(٣) أي: من دلائل نبوته - ﷺ - كلام الله المنزل على النبي - ﷺ -، أعجز الخلق جميعهم، إنسهم وجنهم، أولهم وآخرهم، فهو معجز بنفسه، ليس في وسع البشر الإتيان بسورة من مثله.
[ ١٠٦ ]
كذا انشقاق البدر من غير امترا (١)
_________________
(١) أي: وكذا من غرر دلائل نبوته - ﷺ - انشقاق " البدر" أي: القمر، وهو أحد الكواكب السيارة من غير امتراء، أي: من غير شك، ولا جدال، قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] . قال ابن عباس: «اجتمع المشركون إلى الرسول - ﷺ - فقالوا: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين؛ فقال: إن فعلت تؤمنوا، قالوا: نعم؛ فسأل الله أن يعطيه ما سألوه، فانشق فرقتين، فقال: اشهدوا، وذلك بمكة قبل الهجرة» . وفي الصحيحين، من حديث أنس: أن أهل مكة سألوه أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما؛ وفيهما من حديث ابن مسعود: «انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فرقتين فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه فقال رسول الله - ﷺ -: اشهدوا فثبت انشقاقه بنص القرآن والسنة، وهذا من خصائصه - ﷺ - دون النبيين» . وفي هاتين الآيتين الباهرتين، كفاية عما سواهما، وإلا فدلائل نبوته - ﷺ - لا تحصى، ونفس صورته الشريفة الباهرة، وطلعته الظاهرة، وسمته ودله، يدل العقلاء على نبوته، قال نفطويه: يكاد زيتها يضيء، هو مثل ضربه الله له، يقول: يكاد منظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنًا، كما قال ابن رواحة: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر قال شيخ الإسلام ابن تيمية: آياته - ﷺ - المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير أنواع؛ منها: ما هو في العالم العلوي، كانشقاق القمر، وحراسة السماء بالشهب، ومعراجه إلى السماء؛ ومنها ما هو في الجو، كاستسقائه، واستصحائه، وطاعة السحاب له في حصوله وذهابه؛ ومنها تصرفه في الحيوانات الإنس والجن والبهائم، ومنها تصرفه في الأشجار، والأحجار، والخشب. ومنها تأييده بملائكة السماء، ومنها كفاية الله له أعداءه، وعصمته من الناس؛ ومنها إجابة دعائه، ومنها إعلامه بالمغيبات الماضية والمستقبلية؛ ومنها تأثيره في تكثير الماء والشراب، والطعام والثمار، وغير ذلك من دلائل نبوته، وأعلام رسالته، ومعجزاته الظاهرة، وآياته الباهرة. اهـ. فمن ظهرت المعجزة على يده، وهي: مما لا يقدر عليه البشر، وقارن ظهورها دعوى النبوة، علم بالضرورة: أن الله ما أظهرها إلا تصديقًا لمن ظهرت على يده.
[ ١٠٧ ]