فصل
في ذكر الصحابة الكرام بطريق الإجمال
وبيان مزاياهم على غيرهم والتعريف بما يجب لهم
وليس في الأمة كالصحابه في الفضل والمعروف والإصابه (١)
_________________
(١) أي: وليس في الأمة المحمدية، المفضلة على سائر الأمم، كالصحابة الكرام العدول، بنص الكتاب العزيز، والسنة المتواترة، وإجماع الأئمة، وسائر السلف، فهم الذين فازوا بصحبة خير البرية، قال تعالى خطابًا لهم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] . وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ الآية﴾ [الفتح: ٢٩] . فليس في سائر الأمة مثل الصحابة في الفضل، لما في الصحيحين: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» . وفيهما: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وليس في الأمة كالصحابة في المعروف، وهو اسم جامع لكل ما عرف، من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس؛ وليس في الأمة أيضًا: كالصحابة في الإصابة للحكم المشروع، فهم أحق الأمة بإصابة الحق والصواب. فهم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب الله، وسنة نبيه، شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل. قال ابن مسعود: من كان متأسيًا، فليتأس بأصحاب رسول الله - ﷺ - فإنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم؛ ومن نظر في سيرتهم، بعلم وبصيرة، وما من الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا: أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله.
[ ١٢٣ ]
فإنهم قد شاهدوا المختارا وعاينوا الأسرار والأنوارا (١)
وجاهدوا في الله حتى بانا دين الهدى وقد سما الأديان (٢)
_________________
(١) أي: فإن الصحابة ﵃، قد شاهدوا المختار من سائر الأنام، محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام، وصحبوه، وعاينوا في صحبتهم له الأسرار القرآنية، وعلموا التنزيل وأسبابه، وعاينوا الأنوار المشرقة، من الكتاب والسنة؛ فهم أسعد الأمة بالفضل، وإصابة الصواب؛ وأجدر بفقه السنة والكتاب.
(٢) أي: وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، حتى ظهر دين الإسلام، الذي به الهدى والدلالة، والفوز والفلاح، وقد علا على سائر الأديان؛ فسائر الأديان غيره منسوخة، وكل عبادة لم يأت بها فباطل، قال تعالى. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
[ ١٢٤ ]
وقد أتى في محكم التنزيل من فضلهم ما يشفي من غليل (١)
وفي الأحاديث وفي الآثار وفي كلام القوم والأشعار
ما قد ربا من أن يحيط نظمي عن بعضه فاقنع وخذ عن علم (٢)
واحذر من الخوض الذي قد يزري بفضلهم مما جرى لو تدري
فإنه عن اجتهاد قد صدر (٣)
_________________
(١) أي: يطفئ حرارة الجهل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي: عدلًا خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] . وغير ذلك من الآيات.
(٢) أي: وقد أتى في الأحاديث النبوية، وفي الآثار السلفية، وفي كلام الأئمة، من المحدثين والفقهاء، وسائر أهل العلوم الشرعية، وفي الأشعار المرضية، من العرب والمولدين، من مدحهم، والثناء عليهم، ما قد زاد أن يحيط نظمه، في هذه الأرجوزة الوجيزة عن بعضه، فضلًا عن غالبه وكله، فاقنع بما أشير إليه، وما أوردناه من الأدلة، وخذ ذلك واعتمد عليه، من علم ويقين؛ والقنوع: الرضا باليسير.
(٣) أي: واحذر، أمر من الحذر، الذي هو التحرز من الخوض، المفضي إلى التأبين، الذي قد يزري، ويحط من فضلهم المعلوم، بالكتاب والسنة، من الاختلاف الذي جرى بينهم، لو كنت تدري غب ذلك الخوض، المفضي إلى الحقد، على أصحاب رسول الله - ﷺ - وليس في ذلك ما ينتفع به في الدين، وإنما لك من أعظم الذنوب، فإنهم خير القرون، وهم السابقون الأولون؛ وذلك فيما جرى بين علي ومعاوية وقبلهما وبعدهما، فإن النزاع والقتال الذي جرى بينهم، كان عن اجتهاد قد صار من كل من الفريقين، كما تقدم. وعقيدة أهل السنة والجماعة: الإمساك عما شجر بينهم؛ ويقولون: إن الآثار المروية، في مساوي بعضهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص؛ والصحيح منه هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، والخطأ مغفور لهم، ولهم من السوابق والفضائل، ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات، ما لا يغفر لمن بعدهم. وإذا كان قد صدر من أحد منهم ذنب، فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد - ﷺ - الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء كفر به عنه، والذي ينكر من فعل بعضهم، قليل نزر، مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم، فإنهم صفوة هذه الأمة، وأكرمها على الله.
[ ١٢٥ ]
فاسلم أذل الله من لهم هجر (١)
_________________
(١) أي: فاسلم من الخوض، أذل الله كل مبتدع، من الرافضة وغيرهم للصحابة، أو لبعضهم، هجر، وعادى، ولم يوال ويحب؛ والسلف ﵃: تبرءوا من طريقة الروافض، الذين يبغضونهم، ويسبونهم؛ ومن طريقة النواصب: الذين يؤذون أهل البيت، بقول أو عمل؛ ومن أصول سلامة قلوبهم، وألسنتهم لهم، عملًا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠] . وطاعة للنبي - ﷺ - بقوله: «لا تسبوا أصحابي» . وأجمعوا على أنه يجب على كل أحد، تزكية جميع الصحابة، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، ولا يعاديهم إلا عدو لله ورسوله؛ وروى الترمذي وغيره: أنه - ﵊ - قال: «الله، الله في أصحابي، لا تتخذوهم بعدي غرضًا؛ من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، يوشك أن يأخذه» . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتفصيل القول في سبهم، أن من اقترن بسبه دعوى: أن عليًا إله، أو أنه كان هو النبي، وإنما غلط جبرائيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره؛ وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم، مثل وصف بعضهم بالبخل، أو الجبن، أو قلة العلم، أو عدم الزهد، ونحو ذلك، فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يحكم بكفره. أما من لعن وقبح مطلقًا، فهذا محل الخلاف فيهم، لتردد الأمرين: لعن الغيظ، ولعن الاعتقاد؛ وأما من جاوز ذلك، إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله - ﷺ - إلا نفرًا قليلًا، لا يبلغون بضعة عشر، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا لا ريب في كفره، لأنه مكذب لما نصه القرآن؛ من الرضا عنهم، والثناء عليهم.
[ ١٢٦ ]