فصل
في ذكر الصحابة الكرام ﵃
وليس في الأمة بالتحقيق في الفضل والمعروف كالصديق (١)
_________________
(١) أل للعهد الذهني؛ أي: ليس في هذه الأمة بالتحقيق الثابت، المنصوص في الفضل بجميع أنواع الفضائل، والشجاعة، والعلم، وكمال العقل، وبذل المعروف، وغير ذلك من مكارم الأخلاق، كأبي بكر بن عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، الصديق ﵁؛ أول الناس إيمانًا بالنبي - ﷺ -، وتصديقًا له، صحبه من حين أسلم إلى أن توفي، وشهد معه المشاهد كلها، وكان خليفته الراشد، ومناقبه أشهر من أن تذكر. أفضل الناس بعد الأنبياء، بإجماع أهل السنة والجماعة، قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧- ١٨] . وحكى ابن الجوزي الإجماع، أنها نزلت في حقه؛ وأنفق ماله على رسول الله - ﷺ -؛ ولما قيل له: «من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر» . وقال: «لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» . توفي ﵁، وله ثلاث وستون، وكانت خلافته سنتين وأشهرًا، ودفن بجنب النبي - ﷺ -.
[ ١١٣ ]
وبعده الفاروق من غير افترا (١) وبعد عثمان فاترك المرا (٢)
_________________
(١) أي: وبعد أبي بكر في الأفضلية، المحدث الملهم: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب الفاروق ﵁ سمي فاروقًا: لأن الله فرق به بين الحق والباطل، أو لأنه أعلن بالإسلام، والناس يخفونه، أسلم في السادسة من البعثة، وله سبع وعشرون سنة، قال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر؛ وفي الصحيحين: أنه ﵇ قال: «إن يكن في أمتي محدثون فعمر» . وقال: «لو لم أبعث فيكم لبعث عمر» . وفي فضله أحاديث كثيرة. ولي الخلافة بعد الصديق، سنة ثلاث عشرة، وقام أتم قيام، وفي أيامه كانت فتوح الأمصار، وكان أفضل هذه الأمة بعد الصديق، بإجماع السلف من غير افتراء، أي: كذب؛ مات شهيدًا، طعنه أبو لؤلؤة في المسجد، سنة ثلاث وعشرين، ودفن في الحجة النبوية، بجنب أبى بكر، مع النبي - ﷺ -.
(٢) أي: وبعد أمير المؤمنين عمر، في الأفضلية، عثمان بن عفان بن الحارث بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ولد في السادسة من الفيل؛ وأسلم قديمًا؛ وهاجر الهجرتين؛ وتزوج بنتي رسول الله - ﷺ -، فسمي ذا النورين؛ وجمع القرآن؛ وجهز جيش العسرة. ولي الخلافة بعد عمر بإجماع الصحابة؛ فاترك المراء أي: الجدل؛ وفضائله أكثر من أن تحصر، استشهد في داره سنة خمس وثلاثين، وله بضع وثمانون.
[ ١١٤ ]
وبعد فالفضل حقيقًا فاسمع نظامي هذا للبطين الأنزع
مجدل الأبطال ماضي العزم مفرج الأوجال وافي الحزم (١)
وافي الندى مبدي الهدى مردي العدى مجلي الصدى يا ويل من فيه اعتدى (٢)
_________________
(١) أي: وبعد عثمان، فالفضل الشامخ باتفاق السلف، حقيقًا، أي: في حقيقة الأمر، لعلي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله - ﷺ - وزوج ابنته فاطمة الزهراء؛ فاسمع نظامي هذا، الذي أدرجت في عقيدة السلف؛ للبطين، أي: العظيم البطن؛ الأنزع، المنحسر شعر رأسه مما فوق الجبين. وكان ﵁ أنزع الشعر، له بطن؛ مجدل الأبطال، جدله صرعه، أي: ملقي الأبطال على الأرض، جمع بطل الشجاع، وكان قتل من الأبطال عدة، منهم الوليد، ومرحب وغيرهما، ماضي العزم: إشارة إلى شدة قوته؛ ومضى في الأمر نفذ، والعزم الجد والصبر؛ مفرج أي: كاشف؛ الأوجال الهموم، والغموم في المواقف الصعبة، وافي الحزم، إشارة على وفور عقله، والحزم ضبط الرجل أمره.
(٢) أي: كثير السخاء مظهر العلوم، والفهوم، مهلك أعدائه ومتلفهم، ومزيل الصدى، أي: العطش، والأولى "جالي" والمراد: كاشف الكرب؛ يا ويل، دعاء بالحزن والهلاك، لإنسان في أمير المؤمنين علي ﵁، اعتدى: بانتقاصه، وهضم حقوقه، أو غلا فيه، ومناقبه وفضائله شهيرة. بايعه الناس بالمدينة، بعد قتل عثمان ﵄؛ واتفق السلف على فضله، وخلافته بعد عثمان، وأقروا بأن معاوية ﵁، ليس كفؤًا لعلي في الخلافة. ولا يجوز: أن يكون معاوية خليفة، مع إمكان استخلاف علي، لسابقته وعلمه، ودينه وشجاعته، وسائر فضائله، ولما قتل عثمان لم يبق لها معين إلا علي. وإنما وقع ما وقع بسب قتل عثمان، فرأى علي: أن لهؤلاء شوكة، وهم خارجون عن طاعته، فقام ليردوا إلى الواجب، وهم رأوا: أن عثمان قتل مظلومًا، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة؛ وعلي يحلف -وهو البار الراشد، بلا يمين- أنه لم يقتله، ولا رضي بقتله، ولم يمالئ على قتله، وهذا معلوم بلا ريب. ثم إن طلحة والزبير ﵄ خرجا إلى مكة وسارا بعائشة ﵂ إلى البصرة فخرج علي ﵁ إلى العراق، ولم يقصدوا القتال ابتداء، وإنما صارت وقعة الجمل بغير اختيار؛ وكانوا قد اتفقوا على المصالحة، وإقامة الحدود على قتلة عثمان ﵁. فتواطأت القتلة، على إقامة الفتنة، فحملوا على طلحة والزبير وأصحابهما، فحملوا هم دفعًا عنهم؛ وأشعروا عليًا إنما حمل عليه، فحمل علي دفعًا عن نفسه؛ وكان كل منهم قصده: دفع الصيال، لا ابتداء القتال. وكذلك خرج معاوية ﵁، ومن معه من أهل الشام، فالتقوا بصفين، وقتل عمار وكان مع علي، وقد قال فيه - ﷺ - «تقتلك الفئة الباغية. وإن كانوا لم يقصدوا القتال ابتداء، وإنما أثاره أهل الفتنة؛ وعلي ومعاوية ﵄، أطلب لكف الدماء، من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع؛ والفتنة إذا ثارت، عجز الحكماء عن إطفاء نارها» . واتفق السلف: أن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃؛ ومعاوية ﵁ مجتهد مخطئ، وسابقته وفضائله مشهورة.
[ ١١٥ ]