فصل
في ذكر الصفات التي يثبتها لله تعالى أئمة السلف وعلماء
الأثر دون غيرهم من علماء الخلف وأهل الكلام
وليس ربنا بجوهر ولا عرض ولا جسم تعالى ذو العلى (١)
_________________
(١) وتقدس عما يتضمنه قوله من الباطل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: لفظ الجسم، والجوهر، والعرض في أسماء الله تعالى وصفاته بدعة لم ينطق بها كتاب، ولا سنة ولا قالها أحد من سلف الأئمة، وأئمتها، ولم يقل أحد منهم إن الله جسم، ولا ليس بجسم، ولا جوهر ولا ليس بجوهر، ولا عرض ولا ليس بعرض وذموا الكلام في ذلك، لا لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجب النهي عنه. اهـ. وتقدم: أن ما يراد به نفي الجوهر نفي حقيقة الله تعالى، وبنفي العرض نفي بعض صفاته ككلامه، وكذلك المراد من نفي الجسم نفي أنه كلم، ويكلم وأراد، ويريد، وفعل، ويفعل، ونحو ذلك مما هو صفة كمال سلبها نقص في حق المخلوق. وكل كمال ثبت للمحدث، فالواجب القديم أولى به، وكل نقص وعيب وجب نفيه عن شيء من أنواع المخلوقات، فإنه يجب نفيه عن الله بطريق الأولى؛ بل هو سبحانه المبرأ من كل عيب، ونقص، وآفة، له الكمال المطلق من جميع الوجوه، باتفاق النبوات.
[ ٣٨ ]
سبحانه قد استوى كما ورد (١) من غير كيف قد تعالى أن يحد (٢)
_________________
(١) أي: قد استوى سبحانه على عرشه من فوق سماواته استواء حقيقة، يليق بجلاله وعظمته، لا يشوبه حصر، ولا حاجة إلى عرش، ولا حملة، كما ورد في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والنصوص السلفية، مما يتعذر استقصاؤه، ودلالة اللفظ عليه كدلالة لفظ العلم والإرادة على معانيها.
(٢) أي: استوى سبحانه على عرشه بلا كيف، إذ كنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، وقد ثبت عن أم سلمة، ومالك: " الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة " وتبعهما السلف فإن استواءه سبحانه، الذي هو علوه وارتفاعه على عرشه، معلوم بطريق القطع، الثابت بالتواتر، وكيفية ذلك لا سبيل لنا إلى العلم به، وليس كاستواء المخلوقين، فكما أن ذاته لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. وقوله: قد تعالى أن يحد، أراد: نفي إحاطة علم الخلق به أن يحدوه، أو يصفوه بغير ما أخبر به عن نفسه، ليتبين أن العقول لا تحيط بصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] . قال أحمد: وهو على العرش بلا حد، كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣] أي: استوى كيف شاء، ليس كمثله شيء، ولا ينافي ما نص عليه هو وغيره من الأئمة، كابن المبارك، قالوا: على العرش بحد. قال أحمد: هكذا هو عندنا، يعني: أنه عال على عرشه، بائن من خلقه. وقد يريد المبتدعة بنفي الحد معنى باطلا. قال ابن القيم: يقولون: ننزه الله عن الحدود، والجهات، إنه ليس فوق السماوات، ولا على العرش ولا يشارك إليه، ونحو ذلك. انتهى. فنفي الحد بهذا المعنى نفي لوجود الرب - تعالى وتقدس ـ.
[ ٣٩ ]