فصل
في ذكر من قيل بعدم قبول إسلامه
من طوائف أهل العناد والزندقة والإلحاد
وقيل في الدروز والزنادقه وسائر الطوائف المنافقه (١)
وكل داع لابتداع يقتل (٢)
_________________
(١) أي: وقيل في طوائف الدروز من الحمزاوية أتباع حمزة اللباد، المدعو عندهم بهادي المستجيبين، والبرذعي، والدرزي، وغيرهم من الحاكميين، القائلين بإلهية الحاكم العبيدي؛ إسماعيلية من القرامطة النصيرية، أشد كفرا من الغالية، والزنادقة جمع زنديق فارسي معرب من يبطن الكفر، ويظهر الإسلام، أو يقول بالنور والظلمة؛ أو لا يؤمن بالربوبية، واسم المنافق يتناوله. وسائر، أي: بقية الطوائف جمع طائفة، أي الجماعة المنافقة، من النفاق، وهو: إبطان الكفر، وإظهار الإيمان، كمبتدع الرفض، والتجهم، الجميع كفار يقتلون ولا يستتابون، وإن أتوا بالشهادتين وبقية شرائع الإسلام، واختار شيخ الإسلام وغيره قبول توبتهم لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦]
(٢) أي: وكل داع لابتداع مكفر من بدع الضلال يقتل، لعدم قبول توبته ظاهرا، وقل أن يوفق للتوبة، لأن الاعتقاد الفاسد يدعوه إلى أن لا ينظر إلى خلافه، فلا يعرف الحق. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قد بين الله أنه يتوب على أئمة الكفر، الذين هم أعظم من أئمة البدع، وظاهر مذهب أحمد مع سائر أئمة المسلمين: أنها تقبل توبة الداعية.
[ ٦٧ ]
كمن تكرر نكثه لا يقبل (١)
لأنه لم يبد من إيمانه إلا الذي أذاع من لسانه (٢)
كملحد وساحر وساحره (٣) وهم على نياتهم في الآخره (٤)
_________________
(١) أي: كمن تكرر نقضه للإسلام، بأن تكررت ردته لا يقبل منه الإسلام، لظاهر قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] واختار شيخ الإسلام وجمع: قبولها، لأن التائب راجع عن الكفر.
(٢) أي: لأنه لم يبد، أي: يظهر للعيان من إيمانه الذي زعم أنه دخل به الإسلام إلا الذي أظهر ونشر قبل توبته من لسانه، مع عدم اعتقاده للإسلام، فلم يزد على ما كان يقوله، ويأتي به ويذيعه في حال كفره، فلا يكون لما قاله حكم، لأن الظاهر من حاله: أنه إنما يستدفع عنه القتل بإظهار التوبة إذا بدا منه ما يؤاخذ به.
(٣) الإلحاد: الميل، والعدول عن الشيء، والملاحدة: الذين يسبون الله، أو أحدا من أنبيائه، وكذلك من ذكر الله، أو رسوله بسوء، وكساحر وساحرة ممن يكفر بسحره، لحديث جندب: «حد الساحر ضربة بالسيف» وكتب عمر: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.
(٤) أي: والزنادقة والدروز والمنافقة ونحوهم يبعثون على نياتهم في الدار الآخرة، فمن صدق في توبته قبلت باطنا، ونفعه ذلك في الآخرة واختار شيخ الإسلام وجمهور الأمة قبول الإسلام والتوبة من كل من ذكر، ولأن الزندقة ونحوها نوع كفر، فجاز أن تقبل توبتهم، كسائر أنواع الكفر، فإذا بان لنا في الظاهر حسن طريقته وتوبته، وجب قبولها. واختلفوا في قبول توبة من سب الرسول - ﷺ - فذكر أبو المظفر، والقاضي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم: أن المشهور من مذهب مالك وأحمد عدم قبول توبته في الدنيا، وهو المشهور من قول السلف، وجمهور العلماء، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، ووجهه شيخ الإسلام في الصارم، وذكر: أن مذهب أبى حنيفة والشافعي قبولها مطلقا، وهو رواية عن مالك وأحمد، وقول طوائف من السلف، ووجهوا: أن سبه ليس بأعظم من سب الله ﷿، ولم ينعقد الإجماع على قتله حدا فالله أعلم. وقال الشيخ: والإمام إذا رأى قتل الزنديق لسعيه في الأرض بالفساد، ساغ له ذلك.
[ ٦٨ ]
قلت وإن دلت دلائل الهدى كما جرى للعيلبوني اهتدى (١)
_________________
(١) أي: قال المصنف - ﵀ - وإن دلت من الشخص التائب دلائل الهدى، وقرائن الأحوال، كما جرى للرجل الصالح " العيلبوني " نسبة إلى بلدة " عيلبون من أعمال صفد، ارتحل إلى مصر، وأخذ عن علمائها، ثم ذهب إلى الشام وكان درزيا ثم تاب، ورجع عن كفره وإلحاده، وحسنت حاله، وأقبل على الإسلام، ورفض ما كان عليه من الكفر، فمن ظهرت منه قرائن الأحوال واتباع الهدى -كما جرى لهذا الرجل الصالح - فقد اهتدى.
[ ٦٩ ]
فإنه أذاع من أسرارهم ما كان فيه الهتك عن أستارهم (١)
وكان للدين القويم ناصرًا فصار منا باطنًا وظاهرًا (٢)
فكل زنديق وكل مارق وجاحد وملحد منافق
إذا استبان نصحه للدين فإنه يقبل عن يقين (٣)
_________________
(١) أي: فإن العيلبوني نشر من أسرار الدروز، وفضحهم، وأظهر ما هم عليه من الكفر، مما لا يجوز عند أحد من سائر أهل الملل، وأذاع شيئا كثيرا كان فيه الهتك - أي: الكشف - عن أستارهم التي كانوا يكتمونها، ويستترون بإظهارهم الإسلام تقية مع عكوفهم على الكفر، ومن اعتقادهم: أن كل ما حرمته الشريعة فهو مباح، وألف كتابا في الرد عليهم، وكان شاعرا أديبا، وقال قصيدة نونية في الرد على الدروز نحوا من ثلاثمائة بيت، وتوفي بعكا سنة (١٠٨٥هـ)
(٢) أي: وكان العيلبوني - وكذا كل من نحا منحاه للدين القويم، والهدى المستقيم - ناصرا باتباعه والعكوف عليه، وذم من خالفه، فصار منا معشر المسلمين أهل السنة والجماعة باطنا وظاهرا، مسلما مقبول الإسلام في الباطن والظاهر.
(٣) أي: فالذي نختاره وندين الله به: أن كل زنديق لا يتدين بدين، أو يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وكل مارق من أهل البدع والضلالات، وكل جاحد من درزي ودهري، وفيلسوف ومعطل، وعابد وثن، وكل ملحد في آيات الله، ومنكر للشرائع، وكافر بالله ورسوله، إذا تاب مما هو عليه من الكفر والإلحاد والضلال، وظهر صحة إيمانه ونصحه للدين القويم، فإنه تقبل منه التوبة، والرجوع إلى الله الذي يقبل التوبة عن عباده، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠] وقال فيمن قال: إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] واليقين ضد الشك.
[ ٧٠ ]
فصل