فصل
فيما يجب للأنبياء ﵈ وما يجوز عليهم
وما يستحيل في حقهم
وأن كل واحد منهم سلم من كل ما نقص ومن كفر عصم (١)
_________________
(١) أي: وأن كل واحد من الأنبياء الكرام، والرسل العظام، سلم وتنزه عن كل نقص، يؤدي إلى الإزراء والدناءة، والذي عليه أهل التحقيق: أن الرسل معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، والكتاب والسنة يدلان على ذلك، لكن لا يقرون عليها، بل يوفقون للتوبة منها. قال شيخ الإسلام: واتفقوا على العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا، لأن وقوع الذنب إذا لم يقر عليه، لم يحصل منه تنفير ولا نقص، فإن التوبة النصوح يرفع بها صاحبها، أكثر مما كان أولًا. اهـ. وأن كل واحد منهم، من كُفْرٍ عُصِمَ بعد النبوة، باتفاق السلف، والعصمة المنعة، وقال المصنف: عصم قبل النبوة، وبعدها. اهـ. وقد اتفق السلف على جواز بعثة رسول لم يعرف ما جاءت به الرسل قبله، من أمور النبوة والشرائع، والرسل قبل الوحي لا تعلم هذا فضلًا عن أن تقربه، فعلم: أن عدم العلم والإيمان، لا يقدح في نبوتهم، بل الله إذا نبأهم، علمهم ما لم يكونوا يعلمون، ومن نشأ بين مشركين جهلاء، لم يكن عليه نقص ولا غضاضة، وإذا كان على مثل دينهم، وإذا كان معروفًا عندهم بالصدق والأمانة، وفعل ما يعرفون وجوبه، واجتناب ما يعرفون قبحه. ولم يذكر عن أحد من المشركين، أنه عد هذا قادحًا في نبوتهم، ولو ذكروه للرسل، لقالوا كنا كغيرنا، لم نعرف إلا ما أوحي به إلينا، وإنما اتفق المسلمون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله، فلا يستقر في ذلك خطأ، ولكن هل يصير منهم ما يستدركه الله، فينسخ ما يلقي الشيطان؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: المأثور عن السلف يوافق القول بذلك.
[ ١١٠ ]
كذا من إفك ومن خيانه لوصفهم بالصدق والأمانة (١)
_________________
(١) أي: كذلك كل واحد من الأنبياء والمرسلين، قد عصم من إفك، أي من كذب، فإن الأنبياء معصومون من الكذب، ومعصومون من الخيانة، لوجوب وصفهم -عليهم الصلاة والسلام- بالصدق الذي هو ضد الكذب، وبالأمانة التي هي ضد الخيانة، والضدان لا يجتمعان، فالصدق واجب في حقهم عقلًاَ وشرعًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦] . وأجمعت الأمة: على أن ما كان طريقه الإبلاغ، فالأنبياء معصومون فيه، من الإخبار عن شيء منه بخلاف ما أمرهم الله به، فيجب على الخلق الإقرار بما جاءوا به، جملة وتفصيلًا، وهو موجب تحقيق الشهادتين، فمن شهد أن محمدًا رسول الله، شهد أنه صادق فيما يخبر عن الله، فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة، إذ الكاذب ليس برسول فيما يكذب به، ومعلوم بالضرورة: أنهم معصومون من الكتمان، كما أنهم معصومون من الكذب.
[ ١١١ ]
وجائز في حق كل الرسل النوم والنكاح مثل الأكل (١)
_________________
(١) أي: وجائز عقلًا وشرعًا، في حق كل الأنبياء والرسل، - عليهم الصلاة والسلام - النوم؛ والنوم رحمة من الله لعباده، لتستريح أبدانهم عن تعبهم، وهو: غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنع معرفة الأشياء، لكن نبينا محمد - ﷺ - كان تنام عينه، ولا ينام قلبه؛ ومثل النوم: الجلوس، والمشي والبكاء، والضحك، وما هو من خواص البشرية المباحة، والنكاح، والتسري، ونحو ذلك، مثل الأكل والشرب قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] . وقال ﵇ لما أخبر عن أولئك النفر، والذين قال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام؛ وقال الآخر: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أنا لا آكل اللحم، وقال الآخر: أنا لا أتزوج النساء، قال - ﷺ -: «ولكني أنام، وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .
[ ١١٢ ]