واجزم بأمر البعث والنشور والحشر جزما بعد نفخ الصور (١)
_________________
(١) أي: واجزم جزم إيقان واعتقاد، بالبعث بعد الموت، وبالنشور من القبور والحشر لفصل القضاء، جزما: مصدر مؤكد، وذلك كله واقع بعد النفخ في الصور والمراد نفخة البعث. ومعاد الأبدان متفق عليه، بين المسلمين، واليهود، والنصارى، وسائر أهل الملل قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] وقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، وقال ﵇ للعاص بن وائل وقد جاءه بعظم حائل، ففته بيده، فقال: يا محمد أيحيي الله هذا بعدما أرم؟ قال: نعم يبعثه الله ثم يميتك ثم يحيك ثم يدخلك نار جهنم. والنشور، يرادف البعث في المعنى، يقال: نشر الميت، وأنشره أحياه، وأما الحشر، فهو في اللغة: الجمع تقول حشرت الناس إذا جمعتهم، والمراد: جمع أجزاء الإنسان بعد تفرقها، ثم إحياء الأبدان بعد موتها، فيبعث الله جميع العباد، ويعيدهم بعد موتهم ويسوقهم إلى محشرهم، لفصل القضاء، بالكتاب، والسنة والإجماع. وأما النفخ في الصور، فإذا أطلق فالمراد به: نفخة البعث والنشور، وينفخ فيه ثلاث نفخات. نفخة الفزع: وهي التي يتغير بها العالم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص: ١٥] . أي رجوع ومرد وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] . سميت نفخة الفزع، لما يقع من هول تلك النفخة. والنفخة الثانية: نفخة الصعق، وفيها هلاك كل شيء، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] . وفسر الصعق بالموت، وهو متناول حتى الملائكة، والاستثناء متناول لمن في الجنة، من الحور العين وغيرهم. والثالثة: نفخة البعث والنشور، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] . وقال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] . وأخرج ابن جرير والبيهقي وغيرهما، من حديث أبي هريرة، «قلت: وما الصور؟ قال: قرن عظيم، إن عظم دارة فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى الفزع والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين.
[ ٨٦ ]
كذا وقوف الخلق للحساب (١) والصحف والميزان للثواب (٢)
_________________
(١) أي: كما يجب الجزم بالبعث والنشور يجب الجزم بقيام الخلق، من الإنس، والجن والدواب، والطير، وغيرهم، لرب العالمين، قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] . وفي ذلك الموقف أهوال عظيمة، تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وهو حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، يوم يقوم الناس فيه لرب العالمين، حفاة عراة غرلًا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، ينزل فيه الرب لفصل القضاء، يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. هذا العرض للحساب، ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣] . ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] . ويدخل الله الجنة أقوامًا بغير حساب، كما في الصحيحين: «هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وذكر أنهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .
(٢) أي: ويجب الجزم بأخذ الصحف -جمع صحيفة- وهي صحف الأعمال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩] . ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: ٢٥] . فنشر الصحف وأخذها باليمين، أو الشمال، يجب الإيمان به، لثبوته بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وقدم الحساب عليه للقافية، أو تقديمًا للمقاصد على الوسائل. وقوله: والميزان؛ أي يجب الجزم بالميزان، لأجل ثواب الأعمال الصالحة، وغب السيئات الفاضحة، فنؤمن بأن الميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات حق لثبوته بالكتاب والسنة والإجماع، وأن له كفتين بهما صحائف الأعمال، وقد بلغت أحاديثه حد التواتر. وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . قال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢-١٠٣] . فيحاسب الله الخلائق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة؛ وأما الكفار، فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم ويقررون بها، ويجزون عليها.
[ ٨٨ ]