وكل إنسان وكل جنة في دار نار أو نعيم جنة (١)
هما مصير الخلق من كل الورى (٢)
_________________
(١) أي: وكل "إنسان " من بني آدم، وكل " جنة " بكسر الجيم، طائفة الجن، لا بد أن يكون في أحد الدارين، إما في دار نار، دار البوار، أجارنا الله منها، يقال: إنها دركات بعضها تحت بعض، أعلاها جهنم، فلظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، أو في دار نعيم مقيم، في جنة الخلد درجات بعضها أعلى من بعض؛ أعلاها الفردوس، وسقفها عرش الرحمن، نسأل الله من فضله، وكل واحدة من الجنة والنار، ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة ويجب الإيمان بهما، واعتقاد وجودهما.
(٢) أي: الجنة والنار مصير الخلق، من الإنس والجن، لا بد لكل واحد منهم أن يصير، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، والملائكة في الجنة، وأهل الأعراف مصيرهم إلى الجنة، قال في الفروع: الجن مكلفون في الجملة إجماعًا، يدخل كافرهم النار إجماعًا، ويدخل مؤمنهم الجنة، وفاقًا لمالك والشافعي؛ قال تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يخالف أحد من طوائف المسلمين، في وجود الجن، وليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به، وما نهوا عنه، مساويًا لما على الإنس في الحد والحقيقة، لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف. بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء.
[ ٩٤ ]
فالنار دار من تعدى وافترى (١)
ومن عصى بذنبه لم يخلد وإن دخلها يا بوار المعتدي (٢)
وجنة النعيم للأبرار (٣)
_________________
(١) أي: فالنار التي هي دار الهوان، دار كل شخص من إنس وجن تعدى طوره فكفر بالله أو بأحد رسله، أو بكتاب من كتبه أو بشرع شرعه، وافترى فيما عبد من دون الله، فكل من كفر بالله كفرًا يخرج عن الملة، ولم يتب، فهو خالد مخلد في النار، بالإجماع.
(٢) أي: وكل عبد مؤمن بالله ورسوله -ولو مبتدعًا- لم يحكم الشرع بكفره، عصى ربه وتعدى حدوده بذنبه، ولو كان من أكبر الكبائر غير الشرك، كالقتل والزنا، ومات على الإسلام ولو لم يتب، لم يخلد في النار، وإن دخلها ليطهر من الأوزار، فإنه يخرج منها إما بشفاعة الشافعين، أو رحمة أرحم الراحمين؛ يا بوار، أي: يا هلاك المعتدي، إشارة إلى تقبيح ما ذهبت إليه المعتزلة، من القول بتخليد أهل الكبائر في النار.
(٣) للجنة عدة أسماء، باعتبار أوصافها، ومسماها واحد باعتبار الذات، والاسم العام (الجنة) ومن جملة تلك الأسماء (جنة النعيم) سميت بذلك لما اشتملت عليه من أنواع النعيم، واللذة والسرور، وقرة العيون؛ والأبرار جمع بر، أو بار - وتقدم - وهو كثير البر؛ والبر: اسم جامع للخير، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] . وغيرها مما يخص الجنة بأهل البر، الذين هم أهل الإيمان والتقوى والعمل الخالص.
[ ٩٥ ]
مصونة عن سائر الكفار (١)
واجزم بأن النار كالجنة في وجودها وأنها لم تتلف (٢)
_________________
(١) أي: جنة النعيم، محفوظة محمية عن جميع الكفار، فإن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: «أمر بلالًا ينادي في الناس: لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» . وفي لفظ: «مؤمنة» .
(٢) أي: واجزم، واعتقد، بأن النار وما فيها من أنواع العذاب، موجود الآن، كالجنة وما فيها من النعيم، فهما موجودتان، ولم يزل الصحابة والتابعون وسائر أهل السنة على اعتقاد ذلك، لما ثبت بالكتاب والسنة، وعلم بالضرورة من أخبار الرسل، وأنكرته طائفة من القدرية، والمعتزلة، فصار السلف يذكرون في عقائدهم: أن الجنة والنار مخلوقتان. وفي الصحيحين وغيرهما من غير وجه: «أنه ﵇، رأى الجنة في صلاة الكسوف، حتى هم أن يتناول عنقودًا من عنبها، ورأى النار فلم ير منظرًا أفظع من ذلك»، وفي قصة الإسراء: «دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» . واجزم أيضًا: أن النار لم تتلف، أي: لم تهلك وتبدل، بل موجودة الآن، كالجنة وما فيها؛ وأبدية نعيم الجنة مما علم بالاضطرار من الكتاب والسنة، وكذلك النار، وفي الصحيحين: «يجاء بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» . وفيه عدة أحاديث. وأجمع أهل السنة والجماعة على أن عذاب الكفار لا ينقطع، كما أن نعيم الجنة لا ينقطع، لما دل على ذلك من الكتاب والسنة.
[ ٩٦ ]
فنسأل الله النعيم والنظر لربنا من غير ما شين غبر (١)
فإنه ينظر بالأبصار كما أتى في النص والأخبار (٢)
_________________
(١) أي: فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم النعيم المقيم، في جنات النعيم، ونسأله النظر إلى وجهه الكريم، من غير سابقة عذاب، ولا مناقشة حساب.
(٢) أي: فإنه سبحانه يرى بالأبصار، في الدار الآخرة، باتفاق السلف، كما جاء في النص القرآني في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] . وقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] . وأعلاها النظر إلى وجهه الكريم، وقال: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] . وغيرها. وكما أتى في الأخبار النبوية، ففي الصحيحين وغيرهما: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» . وفيهما أيضًا: «قالوا: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: نعم، فهل تضارون في رؤية الشمس صحوا ليس دونها سحاب؟» . وقد بلغت أحاديث الرؤية حد التواتر، والإيمان بذلك من أصول أهل السنة والجماعة، فيراه المؤمنون يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وهم في عرصات القيامة؛ ثم يرونه بعد دخول الجنة، كما يشاء - ﵎-.
[ ٩٧ ]
لأنه سبحانه لم يحجب إلا عن الكافر والمكذب (١)
_________________
(١) أي: لأن الله سبحانه لم يحجب - بفتح الياء وكسر الجيم - ذاته المقدسة من رؤيته، إلا عن الكافر بالله، وعن المكذب برؤيته، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥-١٧] . فنؤمن بأن الله يرى يوم القيامة، ولا يحاط به، ولا يدرك، لا نشك في ذلك، ومن زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله، وكذب بالكتاب والسنة.
[ ٩٨ ]