ويفسق المذنب بالكبيره (١) كذا إذا أصر بالصغيره (٢)
_________________
(١) أي: يفسق المسلم المكلف بإتيانه المعصية الكبيرة، وأصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة والجور، وسمي الفاسق فاسقا لخروجه عن أمر الله، والمذنب هو المقترف للذنب، وهو الإثم، وكل إثم عدوان، والعدوان فعل ما نهى عنه، أو ترك ما أمر به. والكبيرة: كل معصية فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو لعن، أو غضب، أو عذاب، ومن برئ منه الرسول - ﷺ - أو قال: ليس منا.
(٢) أي: كما أن المسلم يفسق بإتيانه الكبيرة، كذلك يفسق إذا أصر على الصغيرة: يقال أصر على الشيء إذا لزمه وداوم عليه، ومن أتبعه بالاستغفار فليس بمصر وإن تكرر منه؛ وفي الحديث: «ما أصر من استغفر» . ومن أصر فإنه يفسق حتى بالصغيرة، لأن الإصرار يصير الصغيرة في حكم الكبيرة.
[ ٦٤ ]
لا يخرج المرء من الإيمان بموبقات الذنب والعصيان (١)
وواجب عليه أن يتوبا (٢) من كل ما جر عليه حوبا (٣)
_________________
(١) أي: لا يخرج الإنسان من دائرة الإيمان بمهلكات الذنب والعصيان دون الشرك بالله، والكفر بأي نوع من أنواع المكفرات، فإن ذلك يخرجه من الدين، لا مطلق المعاصي والكبائر، ولا يسلب المرء اسم مطلق الإيمان بذلك، كما أنه لا يعطى اسمه المطلق، بل يقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. والعصيان: ضد الطاعة، وهو يرادف الذنب والإثم، وسميت الكبيرة موبقة، لأنها سبب لإهلاك مرتكبها في الدنيا، بما يترتب عليها من العقاب وفي الآخرة من العذاب، وفي الحديث: «اجتنبوا السبع الموبقات» . وقال ابن عباس هن إلى السبعين أقرب منهن إلى السبع وفي رواية إلى السبعمائة
(٢) أي: واجب على المذنب وجوب لزوم لا بد منه أن يتوب، أي: يرجع عن الذنب بأن يقلع عنه، ويندم عليه، ويعزم على أن لا يعود إليه، وإن تعلق بآدمي بأن يرضيه
(٣) أي: من كل شيء جر على المذنب حوبا، أي: إثما، وذكر أن مراده ما جر عليه الهلاك والبلاء، واتفق العلماء: على أن التوبة واجبة من كل معصية على الفور، وأن من تاب توبة نصوحا تاب الله عليه، وبدل سيئاته حسنات، كما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ -.
[ ٦٥ ]
ويقبل المولى بمحض الفضل من غير عبد كافر منفصل
ما لم يتب من كفره بضده فيرتجع عن شركه وصده (١)
ومن يمت لم يتب من الخطا فأمره مفوض لذي العطا
فإن يشأ يعفو وإن شاء انتقم وإن يشأ أعطى وأجزل النعم (٢)
_________________
(١) أي: ويقبل الله بخالص الفضل والكرم من كل عبد مذنب تاب إليه توبة نصوحا، غير كافر بالله ورسوله منفصل عن الدين، إما بردة، أو كفر أصلي فلا تقبل توبته من الذنوب، ما لم يتب من كفره فيشهد الشهادتين، ويتصف من بعد رجوعه عن الكفر، بضده - أي: الإسلام - فإن كان مرتدا بإنكار ما علم من الدين بالضرورة فيرجع عن إنكار ذلك، ويقر ويذعن، وإن كان شركا، فلا يقبل منه، ما لم يرجع عن شركه الذي كان متصفا به وصده، أي: إعراضه عن الدين، وانقياده للشريعة.
(٢) أي: وأي امرئ مذنب يدركه الموت وهو مصر على ذنوبه لم يتب من الخطأ الذي ارتكبه لم تحكم عليه بالكفر بارتكابه الذنوب، كما زعمت الخوارج، ونقول: الذي يئول إليه مفوض وموكول لصاحب الكرم والجود، فإنه ﷾: إن شاء عفا وتجاوز عنه، وعامله بفضله، وإن شاء عامله بالعدل، وانتقم منه، ولا يخلد في النار إلا من مات على الشرك، وإن شاء أعطى وأجزل، وأعظم له النعم، وللذنوب أسباب أيضا تسقط العقوبة غير التوبة، منها الحسنات الماحية، والعقوبات والمصائب، وغير ذلك.
[ ٦٦ ]