بسم الله الرحمن الرحيم (١)
الحمد لله القديم الباقي (٢)
_________________
(١) بدأ المصنف بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي - ﷺ - في مكاتباته وعملا بحديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم، فهو أقطع» . والباء متعلقة بمحذوف تقديره: أؤلف، والاسم مشتق من السمو، وهو الارتفاع، أو الوسم، وهو العلامة، والله علم على ربنا - ﵎ -، وهو أعرف المعارف، الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين. وقال بعض السلف: لا تكتب أمامي الشعر، وجوزه الجمهور، ما لم يكن محرما أو مكروها وأما ما تعلق بالعلوم، فمحل وفاق. قال الحافظ: وقد استقر عمل الأئمة المصنفين على افتتاح كتب العلم بالتسمية اهـ. والشعر المحتوي على علم، أو وعظ لا شك في دخوله في كتب العلم.
(٢) الحمد: ذكر محاسن المحمود، مع حبه وإجلاله وتعظيمه. وقوله: "القديم" لم يجئ في أسماء الله تعالى، وما ليس له أصل في النص والإجماع لم يجز قبوله ولا رده، حتى يعرف معناه. وفي لغة العرب: هو المتقدم على غيره، فلا يختص بما لا يسبقه عدم، فإن أريد به الذات التي لا صفة لها، لأنه لو كان لها صفة كانت قد شاركتها في القدم، ونحو ذلك، فباطل، وإن أريد أنه سبحانه القديم الأزلي بجميع صفاته الذي لم يزل ولا يزال، لا ابتداء لوجوده ولا انتهاء له، وأنه لم يسبق وجوده عدم، فهذا حق. قال الشيخ تقي الدين: وهو مذهب السلف. اهـ. وقدمه تعالى ضروري، وجاء الشرع باسمه الأول، المشعر بأن ما بعده آيل إليه، وتابع له. وقوله: " الباقي" أي: الدائم الأبدي، بلا زوال، ولا فناء، لا يضمحل ولا يتلاشى، ولا يعدم ولا يموت، باتفاق النبوات، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وفي الحديث: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» .
[ ٩ ]
مسبب الأسباب والأرزاق (١)
_________________
(١) وفي نسخة: مقدر الآجال، والسبب ما يتوصل به إلى المطلوب، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا: نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب قدح في الشرع، والاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، والأرزاق جمع رزق، ما ينتفع به من حلال أو حرام.
[ ١٠ ]
حي عليم قادر موجود (١) قامت به الأشياء والوجود (٢)
_________________
(١) أي: حي دائم، لم يزل ولا يزال عليم بكل شيء، لا تخفى خافية عليه خافية، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما كان، وما يكون لو كان كيف كان يكون، قادر على كل شيء، لا يعجز شيء موجود بنفسه قائم بنفسه، لم يزل ولا يزل، ويمتنع عدمه، ولا يتغير ولا تعرض له الآفات، ولا تأخذه سنة ولا نوم، وقد دلت ضرورة العقل والفطر على وجوده. والموجود: إما موجود واجب بنفسه، وإما ممكن مفتقر إلى غيره، وإما قديم وإما محدث، وإما قائم بنفسه، وإما قائم بغيره، والقائم بغيره من الصفات والأعراض يكون بحيث يكون غيره، والقائم بنفسه يجب أن يكون مباينًا لغيره، فيكون حيث لا موجود غيره، أو حيث لا قائم بنفسه غيره، وهو المعني بكون الله على العرش، وفوق العالم، لا يحل في شيء من مخلوقاته، ولا يحل في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو بائن من خلقه والخلق بائنون عنه باتفاق الكتب والرسل.
(٢) أي: وجدت استمرت بأمره وتسخيره الأشياء كلها، وقام بذلك الوجود، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] فهو الذي أنشأه وخلقه وسواه وما من ذرة ولا غيرها في العالم العلوي والسفلي إلا مخلوق مصنوع لله، أوجده بعد أن لم يكن.
[ ١١ ]
دلت على وجوده الحوادث (١) سبحانه فهو الحكيم الوارث (٢)
ثم الصلاة والسلام سرمدا على النبي المصطفى كنز الهدى (٣)
_________________
(١) أي: دلت الحوادث دلالة عقلية قطعية على وجود الباري -﵎-، فإن إيجاد الحوادث أوضح دليل على وجود المحدث لها، والحوادث جمع حادث ضد القديم: ويعلم وجوده تعالى بصدق الرسول - ﷺ - بالطرق الدالة على ذلك وهي كثيرة.
(٢) أي: أنزهه التنزيه اللائق بجلاله وعظمته، فهو الحكيم المتقن لخلق الأشياء، الوارث الدائم الباقي بعد كل شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] .
(٣) الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، وقد أخبر الله أنه أثنى عليه في الملأ الأعلى، وأمرنا بذلك ليجتمع له - ﷺ - ثناء أهل السماء والأرض. والسلام: من السلامة، دعاء له بالسلامة، والبركة، ورفع الدرجة، أي صلى الله على النبي المصطفى، صلاة وسلاما دائمين مستمرين لا ينقطعان، والنبي: إنسان أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بتبليغه، فرسول. والمصطفى: المختار من الصفوة، وهي الخالصة من كل شيء. وصح عنه - ﷺ - أنه قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار» . والكنز: المعدن، فهو - ﷺ - معدن الرشاد والدلالة، ومهبط الوحي، أنزله الله على قلبه، ليكون من المنذرين، ويهدي إلى صراط مستقيم.
[ ١٢ ]