وكل ما يطلب فيه الجزم فمنع تقليد بذاك حتم (١)
_________________
(١) أي: وكل حكم أو مطلوب مما أنبأ عنه الكلام الخبري، يطلب: يجزم فيه جزما، فمنع التقليد وهو قبول قول الغير بغير دليل عقلي بما يطلب فيه الجزم حتم لازم واجب عند طوائف المتكلمة والفلاسفة. قال شيخ الإسلام أحمد ابن تيميه: وإن كانوا يظنون أن الشرع إنما يدل بطريق الخبر الصادق فدلالته موقوفة على العلم بصدق المخبر، ويجعلون ما بني عليه صدق المخبر معقولات محضة، فضلوا في ظنهم، أن دلالة الكتاب والسنة إنما هي بطريق الخبر المجرد، مع أن العقل يدل على صدق الرسول دلالة مطلقة. بل الذي عليه السلف: أن الله بين من الأدلة العقلية التي يحتاج إليها في العلم بذلك ما لا يقدر أحد من هؤلاء قدره، ونهاية ما يذكرونه جاء القرآن بخلاصته على أحسن وجه، كالأمثال المضروبة، والبراهين القاطعة، والاعتقاد الصحيح، لا يثبت بمجرد الأدلة العقلية، بل بالأدلة الشرعية التي يفرق بها بين المؤمن والكافر.
[ ٤٧ ]
لأنه لا يكتفى بالظن لذي الحجى في قول أهل الفن (١)
وقيل يكفي الجزم إجماعًا بما يطلب فيه عند بعض العلما (٢)
_________________
(١) علل منع التقليد لأنه لا يكتفى بالظن، الذي هو ترجيح أحد الطرفين على الآخر في أصول الدين، لصاحب الحجى بكسر الحاء، أي: العقل، والفطنة في قول علماء العقول. قال شيخ الإسلام: وقولهم: إن المسائل الخبرية التي يسمونها مسائل الأصول يجب القطع فيها جميعا، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وما يقوله كثير من الناس في باب أصول الدين من العلوم العقلية يعلم كل من تدبره: أنه مخالف لما جاء به الرسول - ﷺ - متضمن لتجهيل الرسول - ﷺ -، أنه لم يبين أصول الدين، مع أن الناس إليها أحوج منهم إلى غيرها.
(٢) أي وقيل: يكفي في أصول الدين الجزم ولو تقليدًا، إجماعا بكل حكم يطلب فيه ذلك المطلوب من أصول الدين عند بعض العلماء من الحنابلة والشافعية وغيرهم، لأنه - ﷺ - يكتفي في الإيمان من الأعراب وغيرهم بالتلفظ بالشهادة، وما جاءت به الشريعة من نوعي النظر، هو ما يفيد وينفع، ويحصل به الهدى، وهو بذكر الله، وما نزل من الحق، وليس الرجوع إلى قوله - ﷺ - تقليدًا، بل هو النظر المفيد للعلم.
[ ٤٨ ]
فالجازمون من عوام البشر فمسلمون عند أهل الأثر (١)
_________________
(١) أي: فالجازمون حينئذ ولو تقليدا، وهو الرجوع عندهم إلى الكتاب والسنة من عوام البشر، الذين ليسوا أهلا للنظر والاستدلال، فعلى الصواب: هم مسلمون عند أكثر أهل الأثر وأكثر النظار. قال النووي: الآتي بالشهادتين مؤمن حقا، وإن كان مقلدا على مذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف، وقد تظاهرت بهذا الأحاديث الصحاح، التي يحصل بمجموعها التواتر، والعلم القطعي. اهـ. ولو كان النظر العقلي واجبا - كما زعمه النظار - لما أهمله المهاجرون والأنصار، وسائر الوفود الذين دخلوا في الدين، وعرفوا الله بتصديق النبي - ﷺ - وأعلام الرسالة، ودلائلها، وهم ومن اتبعهم من السلف أعظم الناس علما، ويقينا وطمأنينة، وسكينة. وطوائف المتكلمين والمتفلسفة وأضرابهم هم أهل الشك والاضطراب وتشريع دين لم يأذن به الله، غاية ما يقول أحدهم: أنهم جزموا بغير علم وصححوا بغير حجة، حتى اعترف حذاق أهل الكلام الأشعري وغيره: أن طريقتهم ليست طريقة الرسل وأتباعهم، وأنها طريقة باطلة، وأهل السنة والجماعة يعلمون، ويعلمون أنهم يعلمون.
[ ٤٩ ]