وأنه يقتل للدجال بباب لد خل عن جدال (١)
_________________
(١) أي: وإن المسح عيسى ابن مريم يقتل الدجال بأمر الله وتأييده، وسمي دجالا لتمويهه على الناس، وتلبيسه، وسمي أيضا مسيحا، لأنه ممسوح العين قال ﵇: «إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» . وأمر بالتعوذ منه، قال: «وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» وقال: «إنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار» . وأخرجه مسلم، ولهما عنه - ﷺ -: «إن الدجال يخرج، وإن معه ماء ونارا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس نارا فإنه ماء عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا، فإنه ماء عذب طيب» . وأخبر أن لبثه في الأرض: «أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم»، وسئل: عن الصلاة في اليوم الذي كسنة؟ قال: «قدروا له» . وقوله: بباب؛ متعلق بيقتل؛ أي: يقتل الدجال بباب لد، بوزن مد، بلدة مشهورة، بينها وبين رملة فلسطين فرسخ، إلى جهة الشمال، ينزل مع الفجر بدمشق، على المنارة البيضاء ويهرب أصحاب الدجال، فيدركه بباب لد فيقتله، خل، أي: اترك وتنح عند جدال في ذلك، فإنه أخبر به المعصوم - ﷺ - فوجب اعتقاده.
[ ٨٠ ]
وأمر يأجوج ومأجوج اثبت (١)
_________________
(١) أي: اعتقد خروج يأجوج ومأجوج، فإنه حق ثابت بالكتاب، والسنة وإجماع الأمة، سموا بذلك: لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: اسمان أعجميان، وهم من ولد يافث بن نوح باتفاق النسابين قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٦-٩٧] وفي صحيح مسلم: «إن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم، بعد قتله الدجال، إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقاتلهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون» . وفيه أيضا: «إنها لن تقوم الساعة، حتى تروا عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» . وقد كفهم الله بردم ذي القرنين، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف٩٧-٩٨] فيخرجون، ويحرز عيسى عباد الله إلى الطور كما ثبت، «ويرغب عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف، فيصبحون موتى ويخرج المسلمون من مدائنهم وحصونهم، ويهبطون إلى الأرض، وقد امتلأت بنتنهم، فيرغبون إلى الله، فيرسل الله مطرا فيغسل الأرض حتى يدعها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرك وردي بركتك، فبينا عيسى وأصحابه في ذلك العيش الرغد وقد هلك عودهم، إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» .
[ ٨١ ]
وأنه حق كهدم الكعبة (١)
وأن منها آية الدخان (٢)
_________________
(١) أي: كما أن أمر يأجوج ومأجوج، حق ثابت وقوعه، ويجب اعتقاد وقوعه، فكذا يجب اعتقاد وقوع هدم الكعبة المعظمة، لما في الصحيحين وغيرهما عنه - ﷺ - أنه قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» . وفيهما أيضا: «كأني به أسود أفحج يهدمها حجرا حجرا. الحديث، يتدوالها أصحابه بينهم حتى يطرحها في البحر» . أخرج أحمد وغيره: «ولن يستحل هذا البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده» . والذي تقتضيه الحكمة -والله أعلم- أن هدم الكعبة بعد موت عيسى، وقبض المؤمنين، فبعد ذلك يخرج الحبشة، وعليهم ذو السويقتين، فيخربون مكة، ويهدمون الكعبة، ويرتفع القرآن.
(٢) أي: وإن من أشراط الساعة، التي ثبت بها الكتاب والسنة، ويجب الإيمان بها آية، أي علامة، الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] . قال ابن عباس وغيره: هو دخان قبل قيام الساعة، يدخل في أسماع الكفار والمنافقين، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام. وتقدم فيما رواه مسلم: «إنها لن تقوم الساعة، حتى تروا عشر آيات فذكر منها الدخان»، ورواه الترمذي وغيره، وذكر أنه يمكث في الأرض أربعين يوما، وفي حديث حذيفة: «فأما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران، يخرج الدخان من فيه ومنخريه، وعينيه وأذنيه، ودبره» .
[ ٨٢ ]
وأنه يذهب بالقرآن (١)
طلوع شمس الأفق من دبور (٢)
_________________
(١) أي: ومن أشراط الساعة، التي يجب الإيمان بها، رفع القرآن العظيم، المنزل من لدن حكيم عليم، وتقدم قول السلف: منه بدأ وإليه يعود، يرفع من المصاحف والصدور، كما جاء في الأحاديث: إنه يسري به، حتى لا يبقى في المصاحف منه حرف ولا في الصدور منه آية.
(٢) أي: ومن علامات الساعة، الثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، طلوع الشمس من المغرب، فقوله: من دبور، أي: من جهة دبر الكعبة، ومنه سميت الريح التي مهبها من جهة المغرب دبورًا، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] . أجمع المفسرون: أنها طلوع الشمس من مغربها، وفي الصحيحين: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا كلهم أجمع، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها» . وأخرج مسلم وغيره: «أتدرون أين تذهب الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارجعي من حيث جئت» - إلى قوله -: «فتصبح طالعة من مغربها بعدما يؤذن لها» .
[ ٨٣ ]
كذات أجياد على المشهور (١)
_________________
(١) أي: ومن علامات الساعة، الثابتة بالكتاب، والسنة والإجماع، خروج الدابة، صاحبة "أجياد" شعب بمكة مشهور، سمي بذلك لما قيل: إنه موضع خيل تبع، أو لمجيء الخيل الجياد منه إلى إسماعيل، قال المصنف في إضافتها إلى "أجياد" على القول المشهور، لما روي عن أبي هريرة مرفوعا: «تخرج دابة الأرض من أجياد وروي خروجها من غيره، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢]» . وعن حذيفة مرفوعا: «دابة الأرض طولها ستون ذراعا، لا يدركها طالب، لا يفوتها هارب. وأخرج أحمد، والترمذي وابن ماجه: «تخرج الدابة ومعها خاتم سليمان، وعصا موسى فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتحطم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون، فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر» . ولأحمد: «فتسم الناس على خراطيمهم» .
[ ٨٤ ]