فلا يحيط علمنا بذاته (١) كذاك لا ينفك عن صفاته (٢)
فكل ما قد جاء في الدليل فثابت من غير ما تمثيل (٣)
_________________
(١) أي: لا يحيط علم الخلق من الملائكة والإنس والجن بذات الله المقدسة فلا يعلم كيف هو إلا هو، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .
(٢) أي: كما أن علمنا لا يحيط بذاته المقدسة، لا ينفك أي: لا يخلص ولا يزول عن صفاته وأفعاله، بل لم يزل ولا يزال متصفا بصفات الكمال، متنزها عن جميع صفات النقص والعيب، لم يحدث فيه صفة، ولا تزول عنه صفة.
(٣) أي: فكل وصف جاء في كتاب الله، وصح عن نبيه - ﷺ -، فهو ثابت له تعالى، وموصوف به، من غير تمثيل بشيء من خلقه، ومن غير تكييف، نمره كما جاء، ولا نحرفه عن مواضعه، ونصدق به، ونقر على ما دل عليه من معناه، ونفهمه على ما يليق بجلال الله تعالى وعظمته.
[ ٤٠ ]
من رحمة ونحوها كوجهه (١) ويده وكل ما من نهجه (٢)
_________________
(١) أي: فكل وصف جاء في كتاب الله، وصح عن نبيه - ﷺ - نثبته من غير تمثيل من ذلك: وصفه بالرحمة قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] فنصفه بها على ما يليق بجلال الله، وليست كرحمة المخلوق. وقوله: ونحوها، كالمحبة، والرضا، والغضب، ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤] ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وقال ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] فهو سبحانه المستحق أن يكون له كمال المحبة دون ما سواه، وهو سبحانه يحب ما أمر به، ويحب عباده المؤمنين، ويغضب، ويرضى، فنصفه ﷾ بما وصف به نفسه، على ما يليق بجلاله، هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وقوله: كوجهه، أي: من الصفات الثابتة له صفة الوجه، بلا كيف، قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي الحديث: «أعوذ بنور وجهك. وغير ذلك.
(٢) أي: ومن الصفات الثابتة له تعالى بنص الكتاب والسنة صفة اليدين، قال تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] . وفي الحديث: «يمين الله ملأى، لم يغض ما في يمينه، وبيمينه الأخرى القبض، يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بيده الأخرى وكلتا يدي ربي يمين، ويقبض أصابعه ويبسطها، ويجعلها في كفه» . وغير ذلك مما ثبت مما لا يحصى، فيداه صفتان من صفات ذاته بإجماع السلف. وكل شيء ورد من صفات الله من نهج اليد والوجه ونحوهما كالقدم والرجل والساق نثبته كما جاء عن الله، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] . وفي الحديث: «حتى يضع رب العزة فيها رجله» . وفي رواية: «فيها قدمه» . ونقر ما أتى عن الله على مراد الله، ونؤمن بذلك ونصدق به، ونعتقد أن له معاني حقيقة، على ما يليق بجلال الله وعظمته.
[ ٤١ ]
وعينه وصفة النزول وخلقه فاحذر من النزول (١)
_________________
(١) أي: ومن الصفات الثابتة له تعالى من غير تمثيل صفة العينين، قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] . ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] فدلت الآيات: أن لله تعالى عينين، والقاعدة: أن المثنى إذا أضيف إلى نون العظمة أتى به بصيغة الجمع، وفي الصحيحين: «فإن الله ليس بأعور» . ومذهب السلف إثبات العينين لله تعالى حقيقة على ما يليق بذاته وعظمته لا كأعين المخلوقين. ومن الصفات الثابتة لله تعالى بالسنة المتواترة صفة النزول ففي الصحيحين وغيرهما من غير وجه: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له» إلخ؛ والقول فيه كالقول في الاستواء على ما يليق بجلال الله، لا كنزول المخلوقين، وكذلك الإتيان، والمجيء وسائر الصفات الثابتة من غير تكييف ولا تمثيل. وليس في العقل الصحيح ما يخالف النقل الصريح الصحيح، بل العقل الصحيح يوافقه النقل الصحيح الصريح، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن إدراكه. وقد قال شيخ الإسلام: اعترف أساطين أهل الكلام بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. ومن الصفات الثابتة له تعالى: صفة الخلق بالكتاب والسنة، والعقل، والحس، والفطرة، وباتفاق الرسل وأتباعهم، بل وسائر أهل الملل: بأن الله خالق كل شيء، ويخلق ما يشاء فاحذر من النزول من ذروة الإيمان وسنام الدين إلى حضيض الابتداع، فإن السلامة في اتباع السلف.
[ ٤٢ ]
فسائر الصفات والأفعال قديمة لله ذي الجلال (١)
_________________
(١) أي: فسائر الصفات الذاتية من الحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والعلم، والكلام، وغيرها، والوجه، واليدين، والقدم، ونحوها، وسائر صفات الأفعال، من الاستواء، والنزول، والإتيان والمجيء، والتكوين، ونحوها الثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة: نؤمن بها، ونصدق بها، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير زيادة ولا نقصان، فلا ننفي ما وصف به نفسه، ولا نحرف الكلم عن مواضعه، ولا نلحد في أسماء الله وآياته، ولا نكيف، ولا نمثل صفاته بصفات خلقه، لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه، فهو أعلم بنفسه، وبغيره. وقوله: قديمة لله ذي الجلال والإكرام، أجمع السلف على أن الله قديم بجميع صفاته لم يزل ولا يزال، لكن مرادهم: أن صفات الأقوال والأفعال قديمة النوع، حادثة الآحاد، وكلام المصنف فيه إجمال. وقال: ليس منها شيء محدث، وإلا كان محلا للحوادث، وليس هذا من كلام السلف بل من كلام أهل البدع المخالفين للسلف، وإنما السلف يقولون: لم يزل الله متكلما إذا شاء، فاعلا إذا شاء، ولم تزل الإرادة والكلمات تقوم بذاته، وإلا كان ناقصا عاجزا، تعالى الله عن ذلك. قال شيخ الإسلام: المبتدعة يريدون بقولهم: ليس منها شيء محدث أنه لا يتكلم بقدرته ومشيئته، ولا ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يأتي يوم القيامة، ولا يجيء، ولا يغضب بعد أن كان راضيا، ولا يرضى بعد أن كان غضبانا، ولا يقوم به فعل ألبته ولا أمر تجدد بعد أن لم يكن، ولا يريد شيئا بعد أن لم يكن مريدًا له، فلا يقول له كن حقيقة، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويا، ولا ينادي عباده يوم القيامة، ونحو ذلك، فإن هذه كلها حوادث عندهم، وهو منزه عن تلك الحوادث، تعالى الله وتقدس عن قولهم علوا كبيرا.
[ ٤٣ ]