مقدمة (١)
اعلم هديت أنه جاء الخبر عن النبي المقتفى خير البشر (٢)
بأن ذي الأمة سوف تفترق بضعًا وسبعين اعتقادًا والمحق
ما كان في نهج النبي المصطفى وصحبه من غير زيغ وجفا (٣)
_________________
(١) في ترجيح مذهب السلف، على سائر المذاهب، والفرقة الناجية على سائر الفرق.
(٢) بل جميع الخلق، وهديت جملة دعائية من الهداية، وهي: التوفيق والإرشاد؛ والمقتفى: المتبع، ومن أسمائه: المقفى، يعني آخر الأنبياء، فإذا قفي فلا نبي بعده.
(٣) أي: جاء الخبر بأن هذه الأمة ستفترق ثلاثة وسبعين فرقة وافتراقهم من أجل الاعتقاد وهذه الفرق كلها زائغة ضالة، منحرفة عن الصراط المستقيم إلا فرقة واحدة، وهي المحقة من جميع تلك الفرق، السالكة في اعتقادها منهج صفوة خلق الله محمد - ﷺ - وأصحابه، من غير انحراف، ولا تجاف، ولا ميل عن هديهم. فإن الحق دائما مع سنة رسول الله - ﷺ - وكل طائفة تضاف إلى غيره إذا انفردت بقول عن سائر الأئمة، لم يكن القول الذي انفردت به إلا خطأ، بخلاف أهل السنة، فإن الصواب معهم دائما، ومن وافقهم كان الصواب معه، ومن خالفهم فالصواب معهم دونه في جميع أمور الدين، فإن الحق مع الرسول - ﷺ - فمن كان أعلم بسنته وأتبع لها، كان الصواب معه، وهؤلاء هم الذين يضافون إليه. والأثر المشار إليه: ما رواه أهل السنن، وغيرهم: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. ورواه البخاري ومسلم وغيرهما بلفظ: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» .
[ ٢١ ]
وليس هذا النص جزمًا يعتبر في فرقة إلا على أهل الأثر (١)
_________________
(١) أي: وليس هذا الأثر المذكور يجزم به، ويستدل به، ويصدق على فرقة من الثلاث والسبعين، إلا على فرقة أهل الأثر، المتمسكين بالإسلام المحض، الخالص عن الشوب، أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون والشهداء، ومن أعلام الهدى ومصابيح الدجى وفيهم الأبدال وفيهم أئمة الدين، وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة» . وما عداهم من سائر الفرق قد حكموا العقول، وخالفوا المنقول، وأكبر أصول أهل البدع المعتزلة - يقولون: بالمنزلة بين المنزلتين، ونفي الصفات، وغير ذلك، وهم ثنتان وعشرون فرقة، والشيعة ومنهم: الغلاة، والإمامية والزيدية، والخوارج: خرجوا على ﵁، والمرجئة، ويرون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، والنجارية، والجبرية، ويقولون: العبد مجبور على أفعاله والمشبهة: يشبهون الله بمخلوقاته، ويتشعب من كل فرقة فرق.
[ ٢٢ ]
فأثبتوا النصوص بالتنزيه (١) من غير تعطيل ولا تشبيه (٢)
فكل ما جاء من الآيات أو صح في الأخبار عن ثقات
_________________
(١) أي: أثبت الفرقة الناجية النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية في الصفات، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، هذا الذي أجمع عليه السلف، وتمسكوا بالتنزيه لله تعالى عن العيوب والنقائص، ولكن تحت لفظة "التنزيه". عند أهل الكلام وإضرابهم من الإلحاد، وتعطيل الرب تعالى وعما يستحقه، ما يجب أن يتنبه له، كتنزيهه عن الأعراض، الذي هو جحد صفاته وأفعاله، كقول المصنف: كلامه قديم، ونحو ذلك.
(٢) أي: من غير تعطيل للصفات الواردة في الكتاب والسنة، وهو نفي ما دلت عليه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، ولا تشبيه لله تعالى بخلقه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فرد تعالى على المشبهة بنفي المثل، ورد على المعطلة بقول: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ولو عدل عن التشبيه إلى التمثيل لكان أولى، لأن الله نفاه بنص كتابه، ونفي التشبيه لم يرد في كتاب الله، ولا سنة رسوله - ﷺ -، وإن كان يعنى بنفيه معنى صحيح، كما قد يعنى به معنى فاسد، فإن أهل الكلام قد جعلوا نفي بعض الصفات داخلا في نفي التشبيه وأهل السنة والجماعة وسط بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة.
[ ٢٣ ]