فحبه كحبهم حتمًا وجب ومن تعدى أو قلى فقد كذب (١)
وبعد فالأفضل باقي العشرة (٢)
_________________
(١) أي: فحب أمير المؤمنين علي ﵁، كحب الخلفاء الراشدين أبي بكر، وعمر، وعثمان، حتمًا وجب على جميع الأمة باتفاق الأئمة، ومن تعدى في حبه، أو لم يقل بفضل الخلفاء، على ترتيب الخلافة، أو قلاهم، أي:: أبغضهم، أو واحدًا منهم، فقد كذب في كل واحدة من الخصلتين، من تعديه في الحب، أو بغضه لهم أو لأحدهم، -﵃ أجمعين -.
(٢) أي: وبعد الخلفاء الراشدين، فالأفضل من سائر الصحابة، باقي العشرة المشهود لهم بالجنة، وتوفي رسول الله - ﷺ -، وهو عنهم راض؛ وروى الترمذي، وأبو داود، وغيرهما: أنه - ﷺ - قال: «أبكر بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة» . وأحد الستة: طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر، وثبت مع النبي - ﷺ - يوم أحد ووقاه بيده، وشلت إصبعه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة، وسماه النبي صلى الله عليه سلم: "طلحة الخير"، وقتل في وقعة الجمل، وله أربع وستون. الثاني: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، حواري رسول الله - ﷺ - وأمه صفية عمة رسول الله - ﷺ -، أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، أول من سل السيف في سبيل الله، وثبت يوم أحد، وقتل في وقعة الجمل، وله أربع وستون. الثالث: سعد بن أبى وقاص، مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة أسلم قديمًا، أول من رمى بسهم في سبيل الله وشهد المشاهد كلها، قال له النبي - ﷺ - يوم أحد: «ارم ارم فداك أبي وأمي. مات بقصره في العقيق، ودفن بالبقيع سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون» . الرابع: سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر، فإنه كان مع طلحة يطلبان خبر عير قريش، وضرب لهما بسهميهما، مات بالعقيق، ودفن بالمدينة سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون. الخامس: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، وجرح عشرين جراحة أو أكثر، وعرج، ومات سنة اثنتين وثلاثين، وله اثنتان وسبعون. السادس: أمين الأمة، أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن وهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد المشاهد كلها، وثبت يوم أحد، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه رسول الله - ﷺ - من حلق المغفر، فوقعت ثناياه، مات في طاعون عمواس بالأردن، سنة ثماني عشرة.
[ ١١٧ ]
فأهل بدر ثم أهل الشجره (١)
_________________
(١) أي: وبعد العشرة، الذين يلونهم في الأفضلية: أهل غزوة بدر العظمى، وهي البطشة الكبرى، ويوم الفرقان، لأن الله فرق فيها بين الحق والباطل، وأعز فيها أهل الإسلام، وقمع عبدة الأصنام، و"بدر" قرية مشهورة، على نحو أربع مراحل من المدينة، وكانت وقعة بدر نهار الجمعة، لسبع عشرة خلت من رمضان، ومن السنة الثانية من الهجرة. وكان عدة المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون ألف وزيادة، واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلًا، وقتل من الكفار سبعون، وأسر سبعون، وفي الصحيح: «إن الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» . وأخرج أحمد بسند صحيح، من حديث جابر: «لن يدخل النار رجل شهد بدرًا أو الحديبية» . وقوله: ثم أهل الشجرة؛ أي: ثم بعد أهل بدر في الأفضلية، أهل بيعة الرضوان تحت "الشجرة" سمرة بالحديبية، سميت ببئر هناك، على مرحلة من مكة، وأمر عمر ﵁ بقطع تلك الشجرة، وإخفاء مكانها، خشية الافتتان بها، لما بلغه أن أناسًا يذهبون إليها، فيصلون تحتها، ويتبركون بها، وقال: كان رحمة من الله، يعني إخفاؤها. وسبب البيعة: أن قريشًا لما منعت رسول الله - ﷺ - من دخول المسجد الحرام، بعث عثمان لهم ليخبرهم، أنهم إنما جاءوا للعمرة، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، ثم بلغه أنهم قتلوه فدعا الناس إلى البيعة؛ وقال: «لا نبرح حتى نناجز القوم. فبايعوه وكانوا ألفًا وأربعمائة، ثم تبين كذب الخبر؛ وقدم عليه عثمان، ووقع الصلح على أن يرجع، ويعتمر من العام المقبل، وذلك سنة ست، فرجع ثم اعتمر عمرة القضية.
[ ١١٩ ]
وقيل أهل أحد المقدمه والأول أولى للنصوص المحكمه (١)
_________________
(١) أي: وقيل: أهل غزوة جبل أحد المقدمة في الزمن، وفي الأفضلية على أهل البيعة؛ والأول: وهو تقديم أهل البيعة في الأفضلية، على أهل غزوة أحد، أولى وأحق، لورود النصوص المحكمة، من الكتاب والسنة؛ وكانت غزوة أحد سنة ثلاث؛ سمي أحدًا لتوحده عن الجبال؛ بينه وبين المدينة أقل من فرسخ، في شماليها إلى الشرق، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة: «أحد جبل يحبنا ونحبه» . وسبب الغزوة: لما قتل الله من قتل الكفار يوم بدر، سارت قريش ومن تابعها، حتى وصلوا إلى أحد؛ وخرج عليهم رسول الله - ﷺ - واقتتل الفريقان، وهزم المشركون، ثم وقع في المسلمين هزيمة، بسبب مخالفة أمر رسول الله - ﷺ - لبعضهم أن لا يبرحوا، وقد عفا الله عنهم بنص القرآن. واستشهد من المسلمين سبعون، منهم حمزة، وفيهم أنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] . وفي صحيح مسلم: أنه ﵇ إذا زارهم يقول: «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون. وأما أهل الشجرة، فقد وردت النصوص المحكمة في فضلهم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] . وبذلك حصل الفتح، والخير الكثير، والمراد بالفتح: صلح الحديبية، والذين بايعوه هم الذين فتحوا خيبر، ثم حصل فتح مكة في السنة الثامنة.
[ ١٢٠ ]