في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت؛ ليعزم المسألة (٢) فإن الله لا مكره له "١ (٣) .
ــ
(١) أي أنه لا يجوز، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب، وينبئ عن قلة اكتراثه بذنوبه ورحمة ربه، وذلك مضاد للتوحيد.
(٢) أي ليجزم في مسألته، وليحقق رغبته، ويتيقن الإجابة؛ فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة، قال القرطبي: نهى عن هذا القول؛ لأنه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب، فإن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حالته الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، ودليل على قلة معرفته بذنوبه وبرحمة ربه، وأيضا فإنه لا يكون موقنا بالإجابة، وفي الحديث: " ادعوا وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل "٢.
(٣) ولفظ مسلم " ليعزم على المسألة في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء لا مكره له "٣. أي: لا فائدة في تقييده الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ فإن الله لا يضطره دعاء ولا غيره إلى فعل شيء، بل يفعل ما يريد بخلاف العبد، فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه، أو لخوفه أو رجائه، فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق بالسائل =
_________________
(١) ١ البخاري: الدعوات (٦٣٣٩)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٩)، والترمذي: الدعوات (٣٤٩٧)، وأبو داود: الصلاة (١٤٨٣)، وأحمد (٢/٢٤٣،٢/٤٦٣)، ومالك: النداء للصلاة (٤٩٤) . ٢ الترمذي: الدعوات (٣٤٧٩) . ٣ البخاري: الدعوات (٦٣٣٩) والتوحيد (٧٤٧٧)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٩)، والترمذي: الدعوات (٣٤٩٧)، وأبو داود: الصلاة (١٤٨٣)، وابن ماجه: الدعاء (٣٨٥٤)، وأحمد (٢/٢٤٣،٢/٣١٨،٢/٤٥٧،٢/٤٦٣،٢/٤٨٦،٢/٥٠٠،٢/٥٣٠)، ومالك: النداء للصلاة (٤٩٤) .
[ ٣٤٣ ]
ولمسلم " وليعظم الرغبة (١)، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " ١ (٢) .
ــ
= للمخلوق أن يعلق حصول مسألته على مشيئة المسئول، مخافة أن يعطيه وهو كاره بخلاف رب العالمين؛ فإنه لا يليق به أن يعلق مسألته له بشيء، لسعة فضله وإحسانه وكمال غناه عن جميع خلقه، وكمال جوده وكرمه، وليعزم المسألة؛ فإنه لا يعطي عبده شيئا عن كراهة، ولا عن عظم مسألة، بل إعطاؤه دائم مستمر، يجود بالنوال قبل السؤال،: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٢ وقد يمنع لحكمة، فهو أعلم بما يصلح عبده من العطاء والمنع، وقد يؤخره لوقته المقدر، أو ليعطيه أكثر، فتبارك الله رب العالمين.
(١) بتشديد الظاء أي الطلبة والحاجة التي يريد في سؤاله ربه، فإنه سبحانه يعطي العظائم كرما وجودا وإحسانا، وليلح في السؤال، فإن الله يحب الملحين في الدعاء.
(٢) يقال: تعاظم زيد هذا الأمر أي كبر عليه وعسر، أي ليس شيء عند الله بعظيم، وإن عظم في نفس المخلوق لكمال فضله وجوده؛ فإن إعطاءه كلام: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٣
_________________
(١) ١ مسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٢٦٧٩)، وأحمد (٢/٤٥٧) . ٢ سورة النحل آية: ٥٣. ٣ سورة يس آية: ٨٢.
[ ٣٤٤ ]