عن قتيلة " أن يهوديا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت" ١. رواه النسائي وصححه (٢) .
ــ
(١) وأنه من الشرك؛ لما فيه من التسوية بين الخالق والمخلوق في المشيئة.
(٢) قتيلة بمثناة مصغر، بنت صيفي الأنصارية، صحابية مهاجرة، لها هذا الحديث في سنن النسائي، ورواه عنها عبد الله بن يسار الجعفي، ورواه الطبراني وابن سعد وابن منده وغيرهم. والحديث نص في أن هذا اللفظ من الشرك؛ لأن النبي ﷺ أقر اليهودي على تسميته بذلك، ونهى عنه، وقال لمن قال ذلك: " أجعلتني لله ندا " ٢؟ وأقر من سماه تنديدا، كما جاء بلفظ "إنكم تنددون" وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك، والعبد وإن كان له مشيئة فمشيئته تابعة لمشيئة الله، ولا قدرة له على أن يشاء شيئا إلا إذا كان الله قد شاءه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣. قال الشارح: ولو أتى بـ (ثم) وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة فالنهي باق بحاله، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو، مع عدم هذا الاعتقاد، وفيه قبول الحق ممن جاء به كائنا من كان، وبيان النهي عن الحلف بالكعبة، وأنه شرك مع أنها بيت الله التي حجها فرض، وهذا يبين أن النهي عن الشرك بالله عام، لا يصلح منه شيء، لا لملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا للكعبة التي هي بيت الله في أرضه، ولا غير ذلك من سائر المخلوقات.
_________________
(١) ١ النسائي: الأيمان والنذور (٣٧٧٣)، وأحمد (٦/٣٧١) . ٢ البخاري: تفسير القرآن (٤٤٧٧)، ومسلم: الإيمان (٨٦)، والترمذي: تفسير القرآن (٣١٨٢،٣١٨٣)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠١٣،٤٠١٤،٤٠١٥)، وأبو داود: الطلاق (٢٣١٠)، وأحمد (١/٣٨٠،١/٤٣١،١/٤٣٤،١/٤٦٢،١/٤٦٤) . ٣ سورة الإنسان آية: ٣٠.
[ ٣٠٧ ]
وله أيضا عن ابن عباس - ﵄ - " أن رجلا قال: للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده (١) " ١.
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها (٢)
ــ
(١) وفي رواية: " قل ما شاء الله وحده " ورواه ابن ماجه وابن مردويه وغيرهما. وهذا يقرر ما تقدم من أن هذا شرك؛ لوجود التسوية في العطف بالواو، وفيه أن من سوى العبد بالله ولو في الشرك الأصغر فقد جعله ندا لله؛ لقوله: " أجعلتني لله ندا " ٢ أي شريكا، استفهام إنكار، أي ليس لك أن تسويني بالله. قال ابن القيم: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة، فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك، فوازن بين هذه الألفاظ وببن قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ. وفيه أن رسول الله ﷺ حمى حمى التوحيد، وسد طرق الشرك في الأقوال والأفعال، وقال المصنف: فكيف بمن قال: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك، يشير إلى صاحب البردة حيث جعل عياذه ولياذه بغير الله.
(٢) الطفيل: هو ابن عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جرثومة الخير بن عادية ابن مرة بن الأوس بن النمر بن عثمان الأزدي، صحابي له هذا الحديث، قدم أبوه عبد الله مكة قبل الإسلام، فحالف أبا بكر، وتوفي عن أم رومان، فخلف عليها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة. وابن ماجه إنما روى عن حذيفة بهذا اللفظ، وعن الطفيل بنحوه، ورواه أحمد والنسائي، ورجح الحفاظ أن ابن عيينة وهم في روايته عن حذيفة.
_________________
(١) ١ النسائي: الأيمان والنذور (٣٧٧٣)، وأحمد (٦/٣٧١) . ٢ البخاري: تفسير القرآن (٤٤٧٧)، ومسلم: الإيمان (٨٦)، والترمذي: تفسير القرآن (٣١٨٢،٣١٨٣)، والنسائي: تحريم الدم (٤٠١٣،٤٠١٤،٤٠١٥)، وأبو داود: الطلاق (٢٣١٠)، وأحمد (١/٣٨٠،١/٤٣١،١/٤٣٤،١/٤٦٢،١/٤٦٤) .
[ ٣٠٨ ]
قال: " رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله (١) . قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد (٢) . ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه (٣)،
_________________
(١) أي نعم القوم أنتم، لولا ما أنتم عليه من الشرك والمسبة لله بنسبة الولد إليه، وهذا لفظ الطبراني. وفي رواية له ولأحمد: «رأيت فيما يرى النائم كأني مررت برهط من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود» والرهط والنفر الجماعة أقل من العشرة.
(٢) عارضوه بشيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر، أي نعم القوم أنتم لولا ما فيكم من هذا الشرك، وكذلك جرى له مع نفر من النصارى، وفيه معرفة اليهود والنصارى للشرك وإن كان أصغر، وهم مع ذلك يشركون بالله الشرك الأكبر.
(٣) فيه سنة تقديم حمد الله والثناء عليه في الخطب، وحسن خلقه ﷺ، وعدم احتجابه عن الناس كالملوك، واعتنائه بالرؤيا؛ لأنها من أقسام الوحي.
[ ٣٠٩ ]
ثم قال: أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها (١)، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده" (٢) .
ــ
(١) وفي رواية أحمد والطبراني: " إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها " ١. وهذا الحياء ليس حياء عن الإنكار عليهم، بل كان ﷺ يكرهها؛ ويستحيي أن ينكرها، لأنه لم يؤمر بإنكارها، فلما جاء الأمر الإلهي بالرؤيا الصالحة خطبهم، ونهى عن ذلك نهيا بليغا.
(٢) هذه الرؤيا حق، أقرها ﷺ وعمل بمقتضاها، ونهاهم أن يقولوا: ما شاء الله وشاء محمد؛ لما فيه من مطلق التسوية بين الخالق والمخلوق، وأمرهم أن يقولوا ما شاء الله وحده، كما في الحديث قبله، ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص، وأبعد عن الشرك، وأفضل وأكمل من قول ما شاء الله ثم شاء محمد؛ لما في قول: ما شاء الله وحده من التصريح بالتوحيد، المنافي للتنديد من كل وجه، فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص، ويجوز أن يقال: ما شاء الله ثم شاء فلان كما تقدم. وفيه معنى قوله ﷺ: " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " ٢. وإن كانت هذه رؤيا منام، فقد أقرها رسول الله ﷺ وأخبر أنها حق. قال المصنف: وفيه أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي، وأنها قد تكون سببا لشروع بعض الأحكام.
_________________
(١) ١ أحمد (٥/٧٢) . ٢ البخاري: التعبير (٦٩٨٣)، ومسلم: الرؤيا (٢٢٦٤)، وابن ماجه: تعبير الرؤيا (٣٨٩٣)، وأحمد (٣/١٠٦،٣/١٢٦،٣/١٤٩،٣/١٨٥،٣/٢٦٩،٥/٣١٦،٥/٣١٩)، ومالك: الجامع (١٧٨١) .
[ ٣١٠ ]