وقول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ ١ الآية (٢) .
ــ
(١) لا نافية، ويحتمل أنها للنهي، واستظهره الشارح. أي لا يجوز الذبح لله بمكان أعد للذبح لغير الله؛ لأن ذلك فيه مشابهة ومضارعة للمشركين ظاهرة في المكان، وهو منهي عنه، كما في الحديث: " من تشبه بقوم فهو منهم "٢. ولو قصد الذابح وجه الله؛ لأنه إحياء للمحل الشركي، وتعظيم له، فيكون وسيلة إلى وجود الشرك ورجوعه، وسد الذرائع من أهم ما جاءت به الشريعة، بل لا يجوز بعدا عن الشرك ومواضع الغضب، وكان أهل نجد كغيرهم يذبحون للجن لطلب الشفاء منهم لمرضاهم، ويتخذون للذبح لهم مكانا مخصوصا في دورهم، فأزال الله ذلك عنه بدعوة شيخ الإسلام قدس الله روحه.
(٢) أي لا تصل في مسجد الضرار، وكان بناه جماعة من المنافقين مضارة لمسجد قباء، وكفرا بالله ورسوله،: ﴿وَإِرْصَادًَا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ٣. وهو أبو عمرو الفاسق، وكان بناؤه قبل خروج النبي ﷺ إلى تبوك. فسألوه أن يصلي فيه رجاء بركة صلاته، وذكروا أنهم بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية. فقال: " إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله "، فلما قفل ولم يبق بينه وبين المدينة إلا يوم أو بعضه، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه وهدمه وحرقه قبل قدومه. ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه ﷺ أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو ﷺ لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح يؤيده الحديث الآتي. وقوله: =
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ١٠٨. ٢ أبو داود: اللباس (٤٠٣١) . ٣ سورة التوبة آية: ١٠٧.
[ ١٠٣ ]
عن ثابت بن الضحاك (١) قال: " نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة (٢)، فقال النبي ﷺ: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا (٣)،
ــ
=: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ ١ حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله، وجمعا لكلمة المسلمين، ومعقلا للإسلام وأهله. وكان ﷺ يزوره، وفي الصحيح: " صلاة في مسجد قباء كعمرة " ٢. وقال بعضهم: هو مسجد رسول الله ﷺ وتمارى فيه رجلان، فقال ﷺ: " هو مسجدي هذا " ٣ رواه مسلم. ولا منافاة، فإنه إذا كان مسجد قباء بهذا الوصف قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أن يكون بهذه الصفة بطريق الأولى. وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ٤ " لما أتاهم النبي ﷺ فيه فقال: ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به"؟ قالوا: ما نعلم إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا، فقال: هو ذاك فعليكموه " ٥.: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٦ الذين يتنزهون من القذرات والنجاسات بعدما يتطهرون من أوضار الشرك وأقذاره.
(١) ﵁ ابن خليفة بن ثعلبة بن عدي بن كعب بن عبد الأشهل الأشهلي الخزرجي الأنصاري، صحابي مشهور، شهد بيعة الرضوان، روى عنه أبو قلابة وغيره، مات أيام ابن الزبير، وقيل سنة ٦٤ هـ.
(٢) هضبة من وراء ينبع، قريبة من ساحل البحر، والرجل يحتمل أنه كردم ابن سفيان والد ميمونة، كما صرح به أبو داود وغيره في الرواية الآتية.
(٣) الوثن يتناول كل معبود من دون الله من صورة أو قبر، وفي رواية أو نصب، وفي رواية أو طاغية، قال المصنف: وفيه المنع منه إذا كان فيه وثن من =
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ١٠٨. ٢ مالك: النداء للصلاة (٤١٦) . ٣ ابن ماجه: المناسك (٣٠٥٦)، وأحمد (٤/٨٠،٤/٨٢)، والدارمي: المقدمة (٢٢٧) . ٤ سورة التوبة آية: ١٠٨. ٥ الترمذي: الأدب (٢٧٦١)، والنسائي: الطهارة (١٣) والزينة (٥٠٤٧) . ٦ سورة التوبة آية: ١٠٨.
[ ١٠٤ ]
قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا (١)، فقال رسول الله ﷺ: أوف بنذرك (٢)؛
ــ
= أوثان الجاهلية يعبد ولو بعد زواله، وهو الشاهد من الحديث للترجمة؛ لأن في بعض الروايات بيان أنه سأله في حجة الوداع بعد زوال الأوثان من تلك الجهات، فكل موضع أسس للمعصية لا يجوز الذبح فيه ولا الصلاة.
(١) قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع، فالعيد يجمع أمورا: منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات، وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا، قال المصنف: «وفيه استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك، والمنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله» . قال الشارح: وفيه سد الذريعة، وترك مشابهة المشركين، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك، فإن قيل: لم جعل محل اللات بالطائف مسجدا؟ قيل: لو ترك هذا المحل بهذه البلدة خشي أن يفتتن به، فيرجع إلى جعله وثنا، فجعله مسجدا والحالة هذه ينسي ما كان يفعل فيه، ويذهب به أثر الشرك، فاختص هذا المحل لهذه العلة، وهي قوة المعارض والله أعلم.
(٢) دل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء خلو المكان عن هذين الوصفين، فلو كان في ذلك المكان الذي نذر أن ينحر فيه وثن أو عيد لمنعه ولم يستفصل في نيته، فدل على أنه لا عبرة هنا بالنية، فلما خلى من الموانع أمره أن يوفي بنذره، وذلك في حجة الوداع. وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن " امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا، لمكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية، قال: "لصنم"؟ قالت: لا. قال: "لوثن" قالت: لا. قال: "أوفي بنذرك" "١.وله عن ميمونة، بنت كردم " قالت: خرجت =
_________________
(١) ١ أبو داود: الأيمان والنذور (٣٣١٢) .
[ ١٠٥ ]
فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله (١)، ولا فيما لا يملك آدم " ١ (٢)، رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما (٣) .
ــ
= مع أبي، فرأيت رسول الله ﷺ فجعلت أبده بصري، فدنا إليه أي فأخذ يقدمه، فأقر له ووقف، فقال: يا رسول الله إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من الغنم؟ قال: لا أعلم، إلا أنها قالت خمسين، فقال رسول الله ﷺ: "هل بها من الأوثان شيء"؟ قال: لا. قال: "فأوف بما نذرت لله". قال: فجمعها فجعل يذبحها فانفلتت منه شاة فطلبها وهو يقول: اللهم أوف بنذري، فذبحها "٢. ويحتمل أن يكون نذر إبلا وغنما. ويحتمل أن يكون ذلك قضيتين.
(١) دل على أن أماكن الشرك والمعاصي لا يجوز أن تقصد العبادة فيها وأن هذا نذر معصية لو وجد في المكان مانع، وما كان من نذر المعصية لا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء، وهل فيه كفارة يمين؟ على قولين: أحدهما: تجب لحديث عائشة: " لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين "٣. رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد، لكن قال الترمذي وأبو داود وغيرهما: لا يصح. قال الشيخ: ظاهر مذهب أحمد لزوم الكفارة، وكذلك مذهب أكثر السلف، وهو قول أبي حنيفة وغيره.
والثاني: لا كفارة عليه؛ لحديث الباب، وحديث عائشة الآتي، وهو مذهب مالك والشافعي، وحكى الوزير أنه مذهب الثلاثة، واختاره شيخ الإسلام.
(٢) كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان، ونحو ذلك، فإن التزم في ذمته شيئا كعتق رقبة وهو في تلك الحال لا يملكها ولا قيمتها، فإن شفي مريضه صح نذره، وثبت ذلك في ذمته.
(٣) أي شرط البخاري ومسلم، مخرج لرواته، فيهما، وشرطهما اتصال الإسناد بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة. وله شواهد، وقال الحافظ: صحيح الإسناد.
_________________
(١) ١ أبو داود: الأيمان والنذور (٣٣١٣) . ٢ أبو داود: الأيمان والنذور (٣٣١٤) . ٣ الترمذي: النذور والأيمان (١٥٢٤)، وابن ماجه: الكفارات (٢١٢٥) .
[ ١٠٦ ]