تأليف: شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب قدس الله روحه
بقلم الفقير إلى ربه: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي رحمه الله تعالى ١٣١٢ - ١٣٩٢ هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
ترجمة مؤلف المتن: شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى
هو الإمام العلامة الرباني، محيي السنة مجدد الدعوة، وحيد الزمان، بقية أكابر السلف، أبو علي شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن الشيخ سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة الحنظلي التميمي. ولد سنة ١١١٥ هـ. في بلدة العيينة من أرض نجد، وقرأ القرآن قبل بلوغه العشر.
وكان حاد الفهم سريع الإدراك، يتعجب أهله من فطنته وذكائه، أخذ عن والده وغيره، ثم رحل للتزود من طلب العلم، فأتى البصرة والحجاز مرارا والأحساء وغيرها، وتضلع عن علماء تلك الأقطار، ومنهم: محمد حياة السندي المدني، والشيخ إسماعيل العجلوني، وعلي أفندي الداغستاني، والشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المدني، وغيرهم وأجازوه، وتنور وظهر له ما كان الناس عليه من الجهل بالتوحيد، وما وقعوا فيه من عبادة غير الله، وحج ووقف بالملتزم، وسأل الله أن يظهر هذا الدين بعد أن عفا بدعوته، وأن يرزقه القبول من الناس.
وقصد المدينة المنورة وحضر عند علمائها، وارتحل يريد الشام، وحصل له عائق لما اقتضته الحكمة الإلهية من ظهور هذا الدين في البلاد النجدية، فرجع إليها وقدم على والده في بلدة حريملاء، ودعا إلى السنة المحمدية، ثم ارتحل إلى العيينة، وأزال ما في الجبيلة وتلك الجهات من القباب والمساجد المبنية على قبور الصحابة وغيرها، ثم قدم الدرعية، وتلقاه الإمام محمد بن سعود وبادره بالقبول، فشمر في الدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة
[ ١ ]
وسائر شرائع الإسلام، والنهي عن الشرك بالله وسائر المحرمات، وأقام الله به علم الجهاد، وأدحض به شبه أهل الشرك والعناد، وجد الإمام في نصرته، وألبّ عليهم رؤساء العربان والبلدان، واستصرخوا عليهم بأهل نجران وأهل الحجاز وغيرهم فثبتهم الله ونصرهم على قلة منهم، وانتشر التوحيد، وعمرت به نجد بعد خرابها، واجتمعت بعد افتراقها، وكان لهم الغلبة والظهور.
وبالجملة فمحاسنه وفضائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر، افتخرت به نجد على سائر الأمصار، وزها عصره على سائر الأعصار، وشهد له أهل عصره ومن بعدهم بالعلم وتجديد الدين، وتواتر الثناء عليه عن فضلائهم وأكابرهم.
قال العلامة الشيخ محمد بن علي الشوكاني قاضي صنعاء:
لقد أشرقت نجد بنور ضيائه وقام مقامات الهدى بالدلائل
فما هو إلا قائم في زمانه مقام نبي في إماتة باطل
وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني:
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي
وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ومبتدع منه فوافق ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادما مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
وقال الشيخ ملا عمران نزيل لنجة:
فأتاهم الشيخ المشار إليه بالن صح المبين وبالكلام الجيد
يدعوهمو لله أن لا يعبدوا إلا المهيمن ذا الجلال السرمدي
لا يشركوا ملكا ولا من مرسل كلا ولا من صالح أو سيد
وقال عالم الأحساء الشيخ حسين بن غنام:
لقد رفع المولى به رتبة الهدى بوقت به يعلى الضلال ويرفع
سقاه نمير الفهم مولاه فارتوى وعام بتيار المعارف يقطع
[ ٢ ]
فأحيا به التوحيد بعد اندراسه وأوهى به من مطلع الشرك مهيع
سما ذروة المجد التي ما ارتقى لها سواه ولا حاذى فناها سميدع
وشمر في منهاج سنة أحمد يشيد ويحمي ما تعفى ويرفع
وقال الشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي: «ولما امتلأ وطابه من الآثار وعلم السنة، وبرع في مذهب أحمد أخذ ينصر الحق ويحارب البدع، ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنيفي والشريعة السمحاء، ولم يزل مثابرا على الدعوة حتى توفاه الله» .
وقال في الفكر السامي: «أصبح ابن عبد الوهاب ذا شهرة طبقت العالم الإسلامي وغيره، معدودا من الزعماء المؤسسين للمذاهب الكبرى» اهـ.
بل شهد له الموافق والمخالف أنه المصلح الأكبر، وكان -﵀- مع قيامه بأعباء الدعوة ومجاهدة المشبهين والمبطلين متبتلا في العبادة كثير الإفادة غزير الاستفادة، رحل إليه في طلب العلم من جميع النواحي، ومجالسه مشهورة بالتدريس، معمورة بالفقهاء في جميع فنون العلم.
وصنف مصنفات شهيرة سارت في الآفاق، منها: كتاب كشف الشبهات، وكتاب أصول الإيمان، وفضائل الإسلام، وفضائل القرآن، وكتاب السيرة المختصرة، والسيرة المطولة، وكتاب مجموع الحديث، ومختصر الشرح الكبير والإنصاف، ومختصر الصواعق، وفتح الباري، والهدي، والعقل والنقل، وكتاب الإيمان، وله رسائل ونصائح وأجوبة، وله الاستنباط من كتاب الله ما يقصر عنه الفحول الأفاضل، وهذا الكتاب في التوحيد وما يجب من حق الله على العبيد، الذي لم يعلم له نظير في الوجود.
قال فيه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀:
قد ألف الشيخ في التوحيد مختصرا يكفي أخا اللب إيضاحا وتبيانا
فيه البيان لتوحيد الإله بما قد يفعل العبد للطاعات إيمانا
[ ٣ ]
حبا وخوفا وتعظيما له ورجا وخشية منه للرحمن إذعانا
وغير ذلك مما كان يفعله لله من طاعة سرا وإعلانا
وفيه توحيدنا رب العباد بما قد يفعل الله إحكاما وإتقانا
وفيه توحيدنا الرحمن أن له صفات مجد وأسماء لمولانا
وفيه تبيان إشراك يناقضه بل ما ينافيه من كفران من خانا
أو كان يقدح في التوحيد من بدع شنعاء أحدثها من كان فتانا
أو المعاصي التي تزري بفاعلها مما ينقص توحيدا وإيمانا
فساق أنواع توحيد الإله كما قد كان يعرفه من كان يقظانا
وساق فيه الذي قد كان ينقصه لتعرف الحق بالأضداد إمعانا
مضمنا كل باب من تراجمه من النصوص أحاديثا وقرآنا
الشيخ ضمنه ما يطمئن له قلب الموحد إيضاحا وتبيانا
فاشدد يديك بهذا الأصل معتصما يورثك فيما سواه الله عرفانا
وانظر بقلبك في مبنى تراجمه تلقى هنالك للتحقيق عنوانا
وللمسائل فانظر تلقها حكما يزداد منهن أهل العلم إتقانا
وقل جزى الله شيخ المسلمين كما قد شاد للملة السمحاء أركانا
وقال الشيخ أحمد بن مشرف رحمه الله تعالى:
وألف في التوحيد أوجز نبذة بها قد هدى الرحمن للحق من هدى
نصوصا من القرآن تشفي من العمى وكل حديث للأئمة مسند
ومن استقرأه علم ذلك.
أخذ عنه العلم عدة من العلماء الأجلاء من بنيه وبنيهم، وغيرهم من علماء الدرعية وسائر النواحي. وممن تأهل منهم أبناؤه: الشيخ عبد الله وحسين وعلي. وحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر، والشيخ عبد العزيز الحصين.
[ ٤ ]
والشيخ سعيد بن حجي، والشيخ محمد بن سويلم، والشيخ محمد بن سلطان وغيرهم ممن ولي القضاء، وممن لم يله الخلق الكثير.
توفي -﵀- وأسكنه الفردوس الأعلى سنة ١٢٠٦ هـ، وكان يوما مشهودا، وحصل بموته الخطب الجليل والفادح العظيم، ورثاه جماعة من العلماء ذكرنا منها طرفا في مجموع الرسائل. ومن أراد الاطلاع على حقيقة حاله وما منحه الله وما جرى له وعليه، فعليه بروضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، للشيخ حسين بن غنام رحمهما الله تعالى.
[ ٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بتوحيد رب العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن (كتاب التوحيد) الذي ألفه شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب، ليس له نظير في الوجود، قد وضح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر والبدع، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه، فصار بديعا في معناه لم يسبق إليه، علما للموحدين وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار، وعكف عليه الطلبة، وصار الغالب يحفظه عن ظهر قلب، وعم النفع به، وتصدى لشرحه والتعليق عليه جماعة من الجهابذة النبلاء، وأول من تصدى لشرحه وأجاد حفيده الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله، ثم هذبه وكمله حفيده أيضا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وأبرزا فيهما من البيان ما ينبغي أن يرجع إليه، وعلق عليه أيضا الشيخ عبد الرحمن حاشية مفيدة، وعلق عليه تلميذه الشيخ حمد بن عتيق، وتلميذه الشيخ عبد الله أبا بطين وغيرهم، ولشدة الاعتناء بهذا السفر الجليل تطفلت عليه بوضع حاشية مختصرة منتخبة مما أبرزوه وغيره، تسهيلا للطالب، متوخيا فيها ما يلقيه أشياخنا الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف وغيرهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٧ ]
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
ــ
(١) ابتدأ بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، وتأسيا بالنبي ﷺ في مكاتباته، وعملا بحديث: " كل أمر ذي بال " ١ أي حال وشأن يهتم به شرعا " لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " ٢ وفي رواية "أبتر " أي ناقص البركة. وهو وإن تم حسا لم يتم معنى وحقيقة; ولم يفتتح المصنف كتابه بخطبة تنبئ عن مقصوده مفتتحة بالحمد والشهادة والصلاة على النبي ﷺ. ولعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب، واقتصر على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر، وللخبر، وكان ﷺ يقتصر عليها في مراسلاته، فكأنه أجراه مجرى الرسائل إلى أهل العلم، لينتفعوا بما فيه تعلما وتعليما. وقال حفيده: «وقع لي نسخة بخطه -﵀- بدأ فيها بالبسملة، وثنى بالحمدلة والصلاة على النبي ﷺ» .
والحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه، ومعنى الصلاة على النبي ﷺ هو الثناء على رسول الله ﷺ والعناية به. وإظهار شرفه وفضله وحرمته.
وعلى هذا فالابتداء بالبسملة حقيقي وبالحمدلة نسبي إضافي، أي بالنسبة إلى ما بعد الحمد يكون مبدوءا به. والباء متعلقة بمحذوف، اختير كونه فعلا خاصا متأخرا، لئلا يتقدم فيه غير ذكر الله (وليصح الابتداء في كل قول وعمل; ولأن الحذف أبلغ فلا حاجة إلى النطق بالفعل لدلالة الحال على أن كل قول أو فعل فإنما هو باسم الله.
والتقدير بسم الله أؤلف حال كوني مستعينا بذكره متبركا به. و"الاسم" مشتق من السمو وهو الارتفاع، أو الوسم وهو العلامة؛ لأن كل ما سمي فقد نوه باسمه ووسم، و"الله" علم على =
_________________
(١) ١ أبو داود: الأدب (٤٨٤٠)، وابن ماجه: النكاح (١٨٩٤) . ٢ البخاري: اللباس (٥٩٥١)، ومسلم: اللباس والزينة (٢١٠٨)، والنسائي: الزينة (٥٣٦١)، وأحمد (٢/٢٠،٢/٥٥) .
[ ١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ربنا ﵎، وهو أعرف المعارف الجامع لمعاني الأسماء الحسنى، وهو مشتق بمعنى أنه دال على صفة له. وأصله "الإله" حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام فقيل "الله"، ومعناء ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. و"الرحمن" رحمان الدنيا والآخرة. و"الرحيم" رحمة خاصة بالمؤمنين. و"الرحمن" دال على الصفة القائمة به. و"الرحيم" دال على تعلقها بالمرحوم.
[ ١٣ ]