الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمن.
أ - ويرى جمعٌ من أهل اللغة: أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري (^١): "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق" (^٢).
واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا.
٢ - أما علماء السلف (^٣) فيقولون: إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما:
أ - بمعنى صدَّق به، وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ …﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ أي صدق الرسول (^٤).
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أبو منصور: أحد الأئمة في اللغة والأدب ولد سنة ٢٨٢ هـ وتوفي سنة ٣٧٠ هـ وهو صاحب كتاب تهذيب اللغة. انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٣١١).
(٢) تهذيب اللغة (٥/ ٥١٣)، لسان العرب لابن منظور، مادة: (آمن) (١٣/ ٢٣).
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٣).
(٤) تفسير القرطبي (٣/ ٤٢٥).
[ ٢٥ ]
ب - وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف]، وقوله تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوط﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا: "إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار (^١) والطمأنينة أيضا" (^٢) واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية:
أولا: إن الترادف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه، يوضحها الجدول التالي
الإيمان التصديق - إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك أما كلمة "صدق" فلا تتعدى باللام فلا يقال "صدق له" إنما يقال "صدق به" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه - إن كلمة "آمن" تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة. - إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب أما لفظ "التصديق" فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت
_________________
(١) الإقرار: متضمن لمعنيين هما: قول القلب الذي هو التصديق. وعمل القلب الذي هو الانقياد. مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨ - ٦٣٩).
(٢) الصارم المسلول لابن تيمية (ص ٥١٩).
[ ٢٦ ]
الإيمان التصديق - إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.
وبهذا يتبين عدم الترداف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط (^١) كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.
ثانيا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.
فالخبر: يستوجب تصديق الخبر.
والأمر: يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.
فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو "الطمأنينة والإقرار" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.
ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٠ - ٣٨١).
[ ٢٧ ]
الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة]، فسماه الله كافرًا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمر الله له بالسجود لآدم.