* القسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه.
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ:
ومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ أو أمانته أو عفته أو صلاح عقله ونحو ذلك.
كما يكفر من سب الرسول ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهُجر (^١) ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقَّصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه" (^٢).
_________________
(١) الهُجر بالضم: القبيح من الكلام. لسان العرب (٥/ ٢٥٣).
(٢) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٩٣٢) بتحقيق علي محمد البجاوي.
[ ٥١ ]
فالسَّابُّ إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك (^١) وأهل المدينة وهو مذهب أحمد (^٢) وفقهاء الحديث وهو المنصوص عن الشافعي (^٣) نفسه كما حكاه غير واحد" (^٤).
وهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
_________________
(١) مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، وأحد أئمة أهل السنة المشهورين، وإليه تنسب المالكية له مؤلفات عدة على رأسها (الموطأ) الكتاب المشهور، ولد بالمدينة، وتوفى بها عام ١٧٩ هـ. الديباج المذهب (١/ ٨٢ - ١٣٥) والبداية (١٠/ ١٧٤).
(٢) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: الإمام المشهور في الفقه والحديث ونصرة الإسلام، إمام أهل السنة والجماعة أعز الله به السنة وقمع به البدعة وفضائله أكثر من أن تحصر توفي سنة ٢٤١ هـ تاريخ بغداد (٤/ ٤١٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٤).
(٣) محمد بن إدريس الشافعي الإمام المشهور أحد الأئمة الأربعة، ولد بغزة بفلسطين ثم سافرت به أمه إلى مكة، كان ذكيا فطنا برع في الأدب واللغة ثم أقبل على الحديث والفقه وله مصنفات عدة من أشهرها: الأم والرسالة، توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٥٦) والتذكرة (٣٦٧).
(٤) الصارم المسلول على شاتم الرسول، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤ و٨) بتصرف. وقد تعرض شيخ الإسلام لهذه المسائل مفصلة في هذا الكتاب فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه.
[ ٥٢ ]
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى)، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادا أو هازلا فقد كفر.
وقد رُوي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر (^١) ومحمد بن كعب (^٢) وزيد بن أسلم (^٣) وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض - أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك (^٤): كذبت ولكنك رجل منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب: ولد بعد البعثة بثلاث سنوات وهاجر وهو ابن عشر سنين، وقد كان من أشد الصحابة تتبعا للسنة ومن أكثرهم عبادة مع زهد وورع توفي عام ٨٤ هـ. الإصابة (٢/ ٣٣٨ - ٣٤١) رقم ٤٨٣٤.
(٢) هو محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني، كان أبوه من سبي قريظة، ثقة، عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ومات سنة ١٢٠ هـ وقيل غير ذلك. وقال عنه ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علما وفقها. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٢٠، ٤٢٢).
(٣) زيد بن أسلم المدني الفقيه: كان عالمًا بالتفسير وكان له حلقة بالمسجد النبوي توفي عام ١٣٦ هـ تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٥).
(٤) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني: صحابي جليل، شهد مؤتة، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ وشهد فتح الشام، توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام. تهذيب التهذيب (٨/ ١٦٨)، والبداية (٨/ ٣٤٦).
[ ٥٣ ]
قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة (^١) ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" ما يلتفت إليه، ولا يزيده عليه" (^٢).
فهؤلاء لما تنقصوا النبي ﷺ حيث عابوه والعلماء من أصحابه واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه، استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ (^٣).
ومن الأدلة على كفر الطاعن في شخص الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا (^٤).
وفي هذه الآية قرن الله بين أذى النبي ﷺ وأذاه كما قرن في آيات أخر بين طاعته وطاعة نبيه، وفى هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن أذى الرسول فقد أذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة النبي ﷺ، وليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور (^٥).
_________________
(١) النِّسْعة بكسر فسكون: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير. لسان العرب (٨/ ٣٥٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٦٧).
(٣) الصارم المسلول (ص ٣١ - ٣٣).
(٤) الصارم المسلول (ص ٤١).
(٥) الصارم المسلول (ص ٤٠ - ٤١) بتصرف.
[ ٥٤ ]
ومن الأدلة الواردة في السنة حديث جابر بن عبد الله ﵄ (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: "من لكعب بن الأشرف (^٢) فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة (^٣) فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟، قال: "نعم … " الحديث (^٤). فعلم من هذا الحديث أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل كما قتل كعب بن الأشرف والأدلة من الكتاب والسنة على هذه المسألة كثيرة ولا مجال لاستيعابها هنا.
- الإجماع: وقد أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.
وقال الإمام إسحاق بن راهوية (^٥) أحد الأئمة الأعلام: "أجمع
_________________
(١) جابر بن عبد الله الأنصارى: شهد العقبة الثانية وهو صغير، وشهد المشاهد كلها بعد أحد، وكان من المكثرين الحفاظ. للسنّة، توفي سنة ٧٤ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (١/ ٢١٤) ت رقم ١٠٢٦.
(٢) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، كانت أمه من بني النضير فدان باليهودية وكان سيدا في أخواله اليهود. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي ﷺ وأصحابه وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم والتشبب بنسائهم. خرج إلى مكة بعد وقعة بدر فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة، فأمر النبي ﷺ بقتله، فانطق إليه نفر من الأنصار، فقتلوه في ظاهر حصنه. تاريخ الطبري (٣/ ٢).
(٣) محمد بن مسلمة الأنصاري، من فضلاء الصحابة شهد بدرا وما بعدها إلا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم في المدينة، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وقيل غير ذلك. الإصابة (٣/ ٣٦٣، ٣٦٤) رقم (٧٨٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - واللفظ له - كتاب المغازي باب قتل كعب بن الأشرف. انظر: فتح الباري (٧/ ٣٣٦) ح ٤٠٣٧، وأخرجه في مواضع أُخر. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد: باب قتل كعب بن الأشرف. انظر: (٥/ ١٨٤).
(٥) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهوية المروزي قال عنه =
[ ٥٥ ]
المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل إليه".
وقال الخطابي (^١): "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله". وقال محمد بن سحنون (^٢): أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر" (^٣).