الطعن فيما أخبر به الرسول لا - مما هو معلوم من الدين بالضرورة - إما بإنكاره أو انتقاصه.
فإذا اجتمعت الشروط التالية في المنكر وهي:
أ - أن يكون ذلك الأمر المنقض من الأمور التي أجمعت عليها الأمة وأن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة: أي أن يكون
_________________
(١) = هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، قتل بصفين سنة ٣٧ هـ. الإصابة (٢/ ٥٠٥، ٥٠٦) رقم: ٥٧٠٦.
(٢) بلال بن رباح الحبشي: مؤذن رسول الله ﷺ، أحد السابقين إلى الإسلام الذين عذبوا بمكة، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة: فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد ﷺ، فيقول وهو على ذلك أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرَّ به أبو بكر فاشتراه منه وأعتقه، ومناقبه كثيرة، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، مات بالشام سنة عشرين. الإصابة (١/ ١٦٩) رقم ٧٣٦.
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٨٧، ٥٨٨) بتصرف.
[ ٥٨ ]
علمه منتشرًا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، وعموم رسالته (^١).
ب - أن لا يكون المنكر حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده فهذا إذا أنكر شيئا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة جهلا به فإنه لا يكفر (^٢).
ج - أن لا يكون المُنكِر مكرها على ذلك، فإن المكره له حكم آخر كما قدمنا ذلك.
والمُنكِر في هذه الحالة يحكم بكفره وانتقاض إيمانه. والمنتقص لأمور الدين إذا كان غير مكره فإنه يكفر سواء كان جادا في ذلك أم هازلا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة جدا، نذكر منها على سبيل المثال ما يختص بجانب الإيمان برسالة النبي ﷺ.
أولا: "أن يعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون القانون الوضعي على حكم الشرع ويصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والرجعية وعدم مسايرة التطور، وهذا من أعظم المناقضة لشهادة أن محمدا رسول الله.
ثانيا: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فهو كافر" (^٣).
ثالثا: اعتقاد الإنسان أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ.
ولهذا الأمر صورتان:
الأولى: أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ ولا وجوب طاعته فيما أمر به وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول ﷺ عظيم القدر
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢٠٥).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢٠٥).
(٣) الجامع الفريد: رسالة نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٨٢).
[ ٥٩ ]
علما وعملا وأنه يجوز تصديقه وطاعته ولكنه يقول إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته وهذا هو قول الفلاسفة والصابئة (^١) وهذا القول لا ريب في كفر صاحبه "فمن نواقض الإسلام أن يعتقد الإنسان عدم كفر المشركين ويرى صحة مذهبهم، أو يشك في كفرهم" (^٢).
وهذا القول هو الذي ينادي به في وقتنا الحاضر من يدعون إلى وحدة الأديان ويروج لهم في ذلك الماسونية (^٣) اليهودية (^٤).
الثانية: من يرى طلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، وهؤلاء وإن كانوا يعتقدون أنه يجب تصديق الرسول أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك بل يسلكون مسلكا آخر إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجدان، وإما من جهة التقليد، وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ما سلكوه.
وإضافة إلى هذه النواقض فإن الإيمان بالنبي ﷺ ينتقض أيضا بالنواقض العامة الأخرى للإسلام وهي:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٩).
(٢) الجامع الفريد (ص ٢٨٢).
(٣) الماسونية: عبارة فرنسية معناها البناؤون الأحرار، والماسونية حركة يهودية سرية تعمل تحت ستار التآخي بين الأديان، وهدفها الرئيسي السيطرة على العالم عن طريق أصحاب الجاه والنفوذ في بقاع العالم، وذلك بواسطة المحافل التي تقيمها في بقاع كثيرة من العالم. انظر: "كتاب الماسونية ذلك العالم المجهول"، لصابر طعيمة.
(٤) كتاب الولاء والبراء (ص ٣٤٤).
[ ٦٠ ]